الفصل 23: ماذا بارك البطريرك كيرلّس؟ أثبتت الفصول السابقة التعليم ووثّقت التناقض. هذا الفصل يُظهر كيف تبدو هذه «الحرب المقدّسة». قبل أن تقرأ أكثر، اعلم هذا: سيُسمّي البعض ما يلي «دعاية غربية» أو «معاداة لروسيا» أو «رهاب الروس». هذه هي اللغة ذاتها التي تستخدمها الدولة الروسية لتبرير سجن مَن يبلّغون عن هذه الأحداث. فلاديمير كارا-مورزا، مسيحي أرثوذكسي روسي أمضى أكثر من 300 يوم في الحبس الانفرادي لمعارضته هذه الحرب، أجرى التمييز الضروري في لجنة المجلس الأطلسي: ليس كلّ الروس يؤيّدون هذه الحرب في أوكرانيا. ليس كلّ رجال الدين في بطريركية موسكو يؤيّدون هذه الحرب... حين نتحدّث عن موقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، نتحدّث بالطبع عن موقف التراتبية الرسمية. لا نتحدّث عن الإيمان. لا نتحدّث عن جسم الكنيسة الجماعي، الذي يشمل عشرات الملايين من المؤمنين، كثيرون منهم معارضون تمامًا لهذه الحرب مثلنا. يوثّق هذا الفصل ما باركته التراتبية الرسمية. المؤمنون الذين يعارضونه ليسوا هدفه. أكثر من 1,250 مواطنًا روسيًّا لوحقوا جنائيًّا لقولهم علنًا ما يوثّقه هذا الفصل. لو كانت الأدلّة ملفّقة، لما احتاجت روسيا إلى تجريم الإبلاغ عنها. كلّ صورة أدناه وُثّقت من قِبَل الشرطة الأوكرانية أو خدمات الطوارئ أو منظّمات دولية. صور الأقمار الاصطناعية التقطتها شركات تجارية تُقبل بياناتها كأدلّة من المحكمة الجنائية الدولية. الحواشي في هذا الفصل أوسع من أيّ فصل آخر في هذا الكتاب، لأنّ هذه الادّعاءات ستكون الأكثر جدلًا. إذا نويت رفض ما يلي، نطلب فقط هذا: اقرأ المصادر أوّلًا. انظر إلى الصور. انظر إلى الأسماء. هؤلاء مسيحيون أرثوذكس معمَّدون، قُتلوا على أيدي مسيحيين أرثوذكس معمَّدين آخرين، ببركة أعطاها بطريركهم. أنتم قطيع المسيح العاقل. أعطاكم ضميرًا. استخدموه. هذا ما باركه البطريرك كيرلّس. Эта жертва смывает все грехи, которые человек совершил. هذه الذبيحة تغسل جميع الخطايا التي ارتكبها الإنسان. — البطريرك كيرلّس، عظة، 25 أيلول 2022، من أجل الأطفال في 8 نيسان 2022، ضرب صاروخ توتشكا-أو الباليستي الروسي محطّة قطار كراماتورسك بينما كان آلاف المدنيين ينتظرون الإجلاء. قُتل ما لا يقلّ عن ستّين شخصًا، بينهم أطفال. كُتب على جانب الصاروخ، بالروسية، كلمتان: ЗА ДЕТЕЙ. «من أجل الأطفال». في 16 آذار 2022، قصفت القوّات الروسية مسرح ماريوبول الدرامي حيث لجأ أكثر من ألف مدني. كُتبت كلمة «ДЕТИ» (أطفال) بأحرف ضخمة على الأرض على جانبَي المبنى، مرئية بوضوح من الجوّ. قُتل ما يُقدَّر بـ600 شخص. حقّقت منظّمة العفو الدولية بشكل مستقلّ في الهجوم وحدّدت اثنَي عشر من القتلى بالاسم. ماريا بونوماريّنكو، صحفية روسية، حُكم عليها بستّ سنوات في معسكر عقابي وحظر خمس سنوات عن الصحافة بسبب منشور على تيليغرام عن الحادثة. في السجن، حُقنت بالهالوبيريدول (دواء الطبّ النفسي العقابي من الحقبة السوفياتية)، ووُضعت في الحبس الانفرادي أربع مرّات على الأقلّ رغم رهاب الأماكن المغلقة (مرّتَين لأنّها كانت مريضة جدًّا لتقف حين أُمرت)، وأضربت عن الطعام. حاولت الانتحار. في روسيا، قول الحقيقة عمّا تُظهره هذه الصور هو جريمة جنائية. في 14 تمّوز 2022، ضربت صواريخ كروز روسية وسط فينّيتسا، مدينة تبعد 200 ميل عن خطّ الجبهة. قُتل سبعة وعشرون شخصًا، بينهم ليزا دميتريفا البالغة أربع سنوات، طفلة مصابة بمتلازمة داون كانت تمشي مع أمّها إلى جلسة علاج نطقي. في 9 آذار 2022، قصفت القوّات الروسية مستشفى الولادة في ماريوبول بينما كانت نساء حوامل وأطفال حديثو الولادة في الداخل. في 23 تشرين الثاني 2022، ضرب صاروخ روسي جناح الولادة في مستشفى فيلنيانسك في محافظة زابوريجيا، وقتل طفلًا عمره يومان. في 8 تمّوز 2024، ضرب صاروخ روسي مستشفى أوخماتديت الوطني للأطفال في كييف، أكبر منشأة طبّية للأطفال في أوكرانيا. انتُشل أطفال يتلقّون علاج السرطان من تحت الأنقاض. الحرب لم تقتل أطفالًا فحسب. بل أخذتهم. في 17 آذار 2023، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحقّ فلاديمير بوتين وماريا لفوفا-بيلوفا، مفوّضته الرئاسية لحقوق الطفل، بتهمة جريمة الحرب المتمثّلة في الترحيل غير القانوني للأطفال. حدّد مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل أكثر من 8,400 طفل نُقلوا إلى 57 منشأة في روسيا وبيلاروسيا، تتراوح أعمارهم بين أربعة أشهر وسبعة عشر عامًا. صرّحت مفوّضة روسيا نفسها في تمّوز 2023 أنّ حوالي 700,000 قاصر أوكراني «نُقلوا». حتّى شباط 2026، أُعيد حوالي 2,000: نحو 10% من الحالات الموثّقة. على التلفزيون الرسمي، وصفت لفوفا-بيلوفا تبنّيها صبيًّا في الخامسة عشرة من ماريوبول المحتلّة. قالت لبوتين: «الآن أعرف ما يعنيه أن تكوني أمًّا لطفل من الدونباس.» الصبيّ، قالت، «لم يرد الذهاب إلى روسيا»، و«كان منزعجًا من موسكو وروسيا»، و«كان يغنّي أغاني أوكرانية طوال الوقت»، وقال «لا أريد العيش في روسيا. أحبّ أوكرانيا.» عزت مقاومته إلى «ثماني سنوات من الدعاية في أراضي ماريوبول». بُثّ هذا كقصّة مؤثّرة واعتراف. وثّقت جامعة جورجتاون أنّ بطريركية موسكو لم تكن مجرّد متفرّج على عمليات الترحيل. ثمانية وخمسون مؤسّسة كنسية خدمت كمراكز إيواء للأطفال المرحَّلين. أنشأت البطريركية موقعًا مخصّصًا لجمع التبرّعات، وكلّ جمع تبرّعات تطلّب موافقة البطريرك كيرلّس. أُمر الموظّفون بتصنيف المرحَّلين كـ«لاجئين من الدونباس» بدلًا من «مرحَّلين». المحكمة الجنائية الدولية اتّهمت بوتين بترحيل أطفال. جورجتاون وثّقت أنّ مؤسّسة كيرلّس تولّت اللوجستيات. المجازر Не останется никаких следов от раскольников, потому что они выполняют злую волю дьявола, разрушая Православие на Киевской земле. لن يبقى أيّ أثر من المنشقّين، لأنّهم يؤدّون مشيئة إبليس الشرّيرة بتدمير الأرثوذكسية على أرض كييف. — البطريرك كيرلّس، عظة عيد الميلاد، 8 كانون الثاني 2023، كاتدرائية الرقاد، الكرملين، موسكو، في بوتشا، ضاحية كييف، تركت القوّات الروسية وراءها جثث أكثر من 450 مدنيًّا بعد انسحابها في أواخر آذار 2022. كثيرون أُعدموا وأيديهم مقيّدة. عُثر على جثث في أقبية عليها آثار تعذيب. أظهرت صور الأقمار الاصطناعية مدنيين أُطلقت عليهم النار وهم يركبون دراجات هوائية، وتُركت جثثهم في الشارع لأسابيع. اعترضت الاستخبارات الألمانية محادثات جنود روس يناقشون عمليات القتل. في إيربين، قُتل مدنيون كانوا يفرّون عبر جسر مُدمَّر وهم يحملون أمتعتهم. في إيزيوم، بعد الانسحاب الروسي في أيلول 2022، اكتشف المحقّقون مقابر جماعية تحتوي على أكثر من 440 جثّة، كثيرٌ منها عليه آثار تعذيب. في 3 آذار 2022، قصفت طائرات روسية منطقة سكنية في وسط تشيرنيهيف، ممّا أسفر عن مقتل 47 مدنيًّا. كانت غالبية الضحايا تقف في طابور للحصول على الغذاء. في 5 تشرين الأوّل 2023، ضرب صاروخ إسكندر روسي مأتمًا في قرية هروزا بمحافظة خاركيف. قُتل 59 شخصًا. كان عدد سكّان القرية 330 نسمة، أي أنّ ما يقارب واحدًا من كلّ خمسة سكّان قُتل في ضربة واحدة. كان المعزّون قد تجمّعوا لدفن جنديّ سقط في المعركة. في 30 أيلول 2022، ضرب صاروخ روسي قافلة مدنيّة قرب زاباروجيا. قُتل 30 شخصًا، بينهم أطفال، في رتل من المركبات كان ينتظر عند نقطة تفتيش. وعد كيرلّس بأنّه لن يبقى أيّ أثر من «المنشقّين». هذه هي الآثار التي خلّفتها حربه من المعمَّدين. المنازل Идёт Священная война. تدور حرب مقدّسة. — المجمع الشعبي الروسي العالمي (برئاسة البطريرك كيرلّس)، بيان، 27 آذار 2024، في 14 كانون الثاني 2023، ضرب صاروخ خ-22 روسي مبنًى سكنيًّا في دنيبرو، فانهار قسم كامل من المبنى المؤلَّف من تسعة طوابق. قُتل 46 شخصًا، بينهم ستّة أطفال. في 28 نيسان 2023، ضرب صاروخ كروز روسي أُطلق من طائرة فوق بحر قزوين مبنًى سكنيًّا في أومان في الساعة الرابعة فجرًا. قُتل 23 شخصًا، بينهم ستّة أطفال. تبعد أومان 320 كيلومترًا عن خطّ الجبهة. في 27 حزيران 2022، ضرب صاروخ روسي مركز أمستور التجاري في كريمنتشوك وكان بداخله أكثر من ألف شخص. قُتل ما لا يقلّ عن 22 شخصًا. في 29 آذار 2022، دمّر صاروخ كاليبر روسي مبنى إدارة ميكولايف الإقليمية، فانهار من الطابق الأوّل حتّى التاسع. قُتل 37 شخصًا. في بورودييانكا، دمّرت الغارات الجوّية الروسية مبانيَ سكنية بالكامل، تاركةً أحياءً بأكملها محروقة ومفرَّغة. في 24 آب 2022، يوم استقلال أوكرانيا، ضربت صواريخ روسية محطّة تشابلينيه للسكك الحديدية، فدمّرت قطار ركّاب والمباني المحيطة. قُتل ما لا يقلّ عن 25 شخصًا. أسمى المجمع الشعبي الروسي العالمي هذه «حربًا مقدّسة». هذه هي المنازل التي دمّرتها ما يُسمّى «حربه المقدّسة». الكنائس التي دمّرها كيرلّس Вспоминая, что слово Божие говорит применительно к пришествию в мир антихриста, мы можем сказать, что сегодня Россия — это удерживающий. А это означает, что все силы антихриста будут брошены на наша страну. إذا تذكّرنا ما تقوله كلمة الله عن مجيء ضدّ المسيح إلى العالم، يمكننا أن نقول إنّ روسيا اليوم هي الممسك. وهذا يعني أنّ جميع قوى ضدّ المسيح ستُلقى على بلدنا. — البطريرك كيرلّس، خطاب في كاتدرائية المسيح المخلّص، 20 تشرين الثاني 2022، ألحق الجيش الروسي أضرارًا بأكثر من 700 موقع ديني في أوكرانيا أو دمّرها. وقد تكبّدت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو، أي الولاية القانونية الخاصّة بكيرلّس نفسه، الأضرار الأكبر. بحلول نهاية عام 2023، أفاد المجمع المقدّس للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بتدمير 119 كنيسة وغرفة صلاة، وتضرّر 329، وتدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بثلاثين ديرًا. بعد أن دمّر صاروخ روسي كاتدرائية التجلّي في أوديسا، صرّح المتروبوليت أغافانغِل، وهو أسقف معروف بتوجّهه الموالي لروسيا، علنًا: «ما يُسمّى بالعملية العسكرية الخاصّة هو إبادة جماعية حقيقية للشعب الأوكراني». قُرئت كلماته في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة. بارك كيرلّس الحرب. والحرب دمّرت كنائسه هو. وأساقفته هم وصفوها بالإبادة الجماعية. وهكذا فإنّ «الممسك» الذي يحمي الأرثوذكسية من ضدّ المسيح دمّر من الكنائس الأرثوذكسية أكثر ممّا دمّرته أيّ قوّة منذ الملحدين السوفيات. في الأراضي المحتلّة، تقمع روسيا كلّ نشاط ديني لا يخضع لبطريركية موسكو. يُعتقَل رجال الدين الذين يرفضون الانحياز لموسكو أو يُنفَون أو يُمنعون من إقامة الخدم. سيستخفّ البعض بهذا بحجّة أنّ المتضرّرين منشقّون لا يستحقّون أيّ حماية. لكنّ التقليد الأرثوذكسي نفسه يُدين إكراه الدولة في شؤون الإيمان، حتّى ضدّ الهراطقة. أرسى القدّيس ثيودوروس الستوديتي هذا المبدأ حين بدأ الإمبراطور ميخائيل الأوّل باضطهاد البوليقانيين الهراطقة في القرن التاسع. لم يدافع القدّيس ثيودوروس عن لاهوت البوليقانيين، بل أدان الاضطهاد ذاته: ليست الكنيسة معتادة أن تنتقم لنفسها بالسياط والمنافي والسجون. لا يحمل القانون الكنسي سكّينًا ولا سيفًا ولا سياطًا على أحد، لأنّ كلّ مَن يأخذ بالسيف فبالسيف يهلك. — القدّيس ثيودوروس الستوديتي، الرسالة 94، فاتوروس I.23؛ الراهب الكاهن باتابيوس، "St. Theodore the Studite and the Problem of the Paulicians رسم القدّيس ثيودوروس خطًّا فاصلًا في الصلاحيات: يجوز للحكّام الزمنيين معاقبة الجرائم الجسدية، لكن ليست لهم سلطة على الشؤون الروحية. ذلك حصرًا لمن يحكمون النفوس: وإن كان مسموحًا للذين يحكمون الأجساد أن يعاقبوا المرتكبين للإثم الجسدي، فليس مسموحًا لهم أن يعاقبوا المخالفين في الأمور الروحية. فهذا من اختصاص الذين يحكمون النفوس، ووسائل تأديبهم هي الحرمانات والعقوبات الكنسية الأخرى. — القدّيس ثيودوروس الستوديتي، الرسالة 455 (إلى الأسقف ثيوفيلوس أسقف أفسس)، PG 99:1484 ومضى القدّيس أبعد من ذلك: «ماذا نقول عن عدم السماح بقتل الهراطقة؟ لم يُعطَ لنا حتّى أن نصلّي ضدّهم». ومستشهدًا بالقدّيس ديونيسيوس الأريوباغي، علّم القدّيس ثيودوروس أنّ «الذين في الجهل يجب أن يُعلَّموا لا أن يُعاقَبوا، كما أنّنا لا نعاقب العميان بل نقودهم باليد» (الرسالة 8 إلى ديموفيلوس، PG 3:1096C). ومستشهدًا بالقدّيس إغناطيوس الأنطاكي: «الذين يبغضون الله يجب أن نبغضهم ونضمحلّ أمام أعدائه، لكن يجب ألّا نضطهدهم أو نستعمل العنف، كما تفعل الأمم التي لا تعرف الله» (إلى أهل فيلادلفيا 3، PG 5:821B). وإذا كان لا يجوز لنا حتّى استعمال العنف ضدّهم، خلص القدّيس ثيودوروس إلى أنّه من باب أولى لا يجوز أن نقتلهم. ميّز القدّيس ثيودوروس تمييزًا صريحًا ينطبق مباشرة على سلوك روسيا: للدولة كلّ الحقّ في شنّ الحرب على أعداء خارجيين يقتلون شعب الله؛ لكنّ الهراطقة من رعايا الإمبراطورية أمر مختلف تمامًا. ضدّهم، أدوات الكنيسة هي الحرم والتعليم، لا الجنود والسجون. قال القدّيس للإمبراطور في وجهه: «يُقطع رأسي قبل أن أرضى بهذا». القدّيس أثناسيوس الكبير، الذي نُفي هو نفسه خمس مرّات على يد أباطرة آريوسيين، حدّد إكراه الدولة في الشؤون الدينية بوصفه سمة الهرطقة ذاتها: «فمن شِيَم التقوى الحقيقية ألّا تُكرِه بل أن تُقنِع» (تاريخ الآريوسيين 67). «الممسك» لا يحمي الحرّية الدينية، بل يقضي عليها. وبذلك لا يتصرّف كما تصرّف القدّيسون، بل كما تصرّف الأباطرة الهراطقة: يفرض بالقوّة ما لا يمكن قبوله إلّا بالإيمان. لكنّ الخيانة من داخل صفوف الإكليروس ليست بالأمر الجديد. نصح القدّيس باسيليوس المؤمنين في زمانه: إذا ظهر خونة من بين الإكليروس أنفسهم، فلا يُزعزعنّ هذا ثقتكم بالله. فنحن لا نخلص بالأسماء، بل بالعقل والنيّة والمحبّة الحقيقية لخالقنا. فلو لم يخلص إلّا واحد، كلوط في سدوم، فعليه أن يثبت في الحكم الصائب حافظًا رجاءه بالمسيح غير متزعزع، لأنّ الربّ لا يترك قدّيسيه. — القدّيس باسيليوس الكبير، الرسالة 257 كلّ كاهن أُقيم لينذر رعيّته سيُحاسَب على ما اختار أن يباركه أو يُدينه: لأنّ مَن أُقيم لتصحيح جهل الآخرين وإنذارهم مسبقًا من الصراع الآتي مع إبليس، لن يستطيع أن يتذرّع بالجهل. فإنّه أُقيم لهذا الغرض بعينه، يقول حزقيال، ليُبوِّق للآخرين ويُنذرهم من الأخطار القريبة. ولذلك فإنّ عقوبته محتومة، حتّى وإن كان الهالك واحدًا فقط. — القدّيس يوحنّا الذهبي الفم، في الكهنوت، الكتاب السادس الكهنة أسمى البطريرك كيرلّس هذه «حربًا مقدّسة». هذا ما فعلته الحرب المقدّسة بإكليروسها. قتلت الحرب كهنة كنائس كيرلّس الأوكرانية وعذّبتهم وسجنتهم. أطلقت القوّات الروسية النار عليهم عند نقاط التفتيش، وعذّبتهم في الاعتقال، وحكمت على الذين رفضوا تسليم رعاياهم بسنوات في معسكرات العمل. الأب ميكولا بالاهنيوك، 72 عامًا، قُتل بالقصف الروسي في كنيسة القدّيس يوحنّا السابق في بيلوزيركا، محافظة خيرسون، في 13 حزيران 2023. كان يوزّع مساعدات إنسانية على ضحايا الفيضان بعد تدمير روسيا سدّ كاخوفكا. رئيس الكهنة فاسيل كييكو، 62 عامًا، قُتل بالقصف الروسي في هريشينيه، محافظة دونيتسك، في 29 كانون الأوّل 2025. خدم الرعية ذاتها لمدّة 28 عامًا ورفض المغادرة مع تراجع عدد سكّان القرية من 2000 إلى 200. الأب إيهور نوفوسيلسكي احتُجز 262 يومًا في الأسر الروسي بعد أن ساعد اثني عشر جنديًّا أوكرانيًّا على الفرار عبر نهر الدنيبر. تعرّض لصدمات كهربائية وضرب وحرمان من النوم. الأب قسطنطين ماكسيموف، كاهن في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو)، حُكم عليه بالسجن 14 عامًا في معسكر عمل روسي. جريمته: رفض نقل رعيّته إلى أبرشيات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الجديدة المُنشأة في الأراضي المحتلّة. التهمة: «التجسّس». الأرشمندريت ثيوغنسطس (بوشكوف)، كاهن في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية من أبرشية لوهانسك، كان أوّل كاهن في بطريركية موسكو بالمنطقة يبارك مواقع القوّات المسلّحة الأوكرانية عام 2014. بعد الغزو الشامل، أدان علنًا عقيدة «العالم الروسي». في حزيران 2024، اعتقله جهاز الأمن الفيدرالي بتهمة مُلفّقة؛ الدافع الحقيقي كان عظاته المناهضة للحرب على يوتيوب. وصف أيّام سجنه الـ107 بأنّها «107 أيّام من الجحيم». لا يزال في الأراضي المحتلّة الروسية، ممنوعًا من الخدمة الكهنوتية. في روسيا نفسها، أصبح حتّى الاستشهاد بالكتاب المقدّس جريمة. في أوائل آذار 2022، اعتُقل كاهن أرثوذكسي روسي في منطقة كوستروما بعد عظته يوم الأحد. جريمته: تذكير رعيّته بالوصية السادسة «لا تقتل». وُجّهت إليه تهمة «تشويه سمعة القوّات المسلّحة للاتّحاد الروسي». بارك البطريرك كيرلّس الحرب. وكاهن استشهد بـ«لا تقتل» اعتُقل بتهمة تشويه سمعة القوّات التي تخوضها. هذه هي «الحرب المقدّسة». يسافر نحو 2000 كاهن إلى منطقة الحرب بانتظام لدعم العمليات العسكرية الروسية. سيرغي تشابنين، الذي أمضى خمس عشرة سنة داخل بطريركية موسكو قبل أن يُقال بسبب مواقفه الانتقادية، وصف الواقع المؤسّسي: الرعايا تجمع الأموال للجيش الروسي، و«الكنيسة الرسمية متورّطة بالكامل في آلة الحرب هذه». فلاديمير كارا-مورزا، صحفي روسي حُكم عليه بخمس وعشرين سنة لكشفه الحقيقة عن هذه الحرب، قال ما يلي في بيانه الأخير أمام المحكمة: سيأتي اليوم الذي يتبدّد فيه الظلام عن بلدنا. حين يُسمّى الأسود أسود والأبيض أبيض؛ حين يُعترَف رسميًّا بأنّ اثنين واثنين لا يزالان أربعة؛ حين تُسمّى الحرب حربًا والمغتصب مغتصبًا؛ وحين يُعترَف بالذين رعوا هذه الحرب وأطلقوها مجرمين، لا بالذين حاولوا إيقافها. أنا لا أندم على شيء من هذا، بل أفتخر به. — فلاديمير كارا-مورزا، البيان الأخير أمام محكمة مدينة موسكو، 10 نيسان 2023، ما لا يندم عليه هو قول الحقيقة. وما الذي ناله مقابل قول تلك الحقيقة؟ خمس وعشرون سنة في السجن. عدم مقاومة الضلال يعني الموافقة عليه؛ وعدم الدفاع عن الحقّ يعني إخماده؛ وفي الواقع، إنّ إهمال دحض الأشرار حين نستطيع ذلك ليس بأقلّ خطيئة من تشجيعهم. — البابا القدّيس فيليكس الثالث (†492) التطبيق المؤسّسي الذي أنتج هذه النتائج، بما في ذلك صلاة النصر الإلزامية وتجريد كهنة السلام من رتبهم، موثّق في الفصل 22: ماذا يحدث للكهنة الذين يصلّون من أجل السلام؟. ما تتطلّبه الحرب المقدّسة أسمى البطريرك كيرلّس هذه «حربًا مقدّسة». والحروب المقدّسة لا تصمد أمام التدقيق. كلّ ما وُثّق في هذا الفصل موجود لأنّ أحدًا خاطر بالسجن ليسجّله. والدولة التي تشنّ الحرب التي باركها كيرلّس تسجن كلّ مَن يوثّق ما تنتجه تلك المباركة. ما يلي هم الأشخاص الذين قالوا الحقيقة. أمّا ما لا نعرفه، ما لم يُوثَّق قطّ لأنّ الموثِّق أُسكت أوّلًا، فلا يمكن معرفته. هذا فقط ما تسرّب. في 4 آذار 2022، بعد ثمانية أيّام من الغزو الشامل، سنّ البرلمان الروسي المادّة 207.3 من القانون الجنائي، التي تُجرّم أيّ تصريح علني عن الجيش يتعارض مع الخطّ الرسمي. العقوبة: ما يصل إلى خمس عشرة سنة سجنًا. أليكسي غورينوف، عضو مجلس بلدي في موسكو (مواطن روسي)، أصبح أوّل شخص في روسيا يُحكم عليه بموجب القانون الجديد. في اجتماع للمجلس يناقش مسابقة رسم للأطفال بمناسبة يوم الطفل، قال: «كيف نتحدّث عن مسابقة رسم ليوم الطفل؟ الآن يموت أطفال كلّ يوم». حُكم عليه بسبع سنوات لقوله هذا. في السجن، أضافت محكمة عسكرية ثلاث سنوات أخرى بناءً على محادثات مسجَّلة سرًّا. مصاب بالسلّ؛ وصودرت أدويته. رُشّح لجائزة نوبل للسلام لكنّه لا يزال في مستعمرة عقابية مشدَّدة الحراسة. سيرغي ميخائيلوف، مؤسّس صحيفة ليستوك المستقلّة في غورنو-ألتايسك بسيبيريا، حُكم عليه بثماني سنوات بسبب نشره عن مذبحة بوتشا وقصف ماريوبول. قال في مرافعته الختامية: «كانت مقالاتي تهدف إلى مواجهة هذا الالتباس، ومنع جمهوري من التضليل بالأكاذيب، وإبعادهم عن المشاركة في النزاعات المسلّحة». رُفض استئنافه في تمّوز 2025. لا يزال في السجن. رومان إيفانوف، صحفي في روس نيوز، حُكم عليه بسبع سنوات بسبب منشورات على تلغرام عن مذبحة بوتشا وتقرير أممي عن أوكرانيا والنقص في الصواريخ الروسية. في مرافعته الختامية، ركع أمام المحكمة وقال: «أريد أن أطلب المغفرة من جميع الأوكرانيين الذين جلب بلدنا الحزن إليهم». حين قرأ القاضي الحكم، أجاب إيفانوف: «هذا الحكم عليكم أنتم». لا يزال في السجن. ألكسندرا سكوتشيلينكو، فنّانة في سانت بطرسبورغ، حُكم عليها بسبع سنوات بسبب استبدال خمس بطاقات أسعار في سوبرماركت بملاحظات مكتوبة بخطّ اليد عن الضحايا المدنيين. إحداها نصّت: «قصف الجيش الروسي مدرسة الفنون في ماريوبول حيث كان يختبئ نحو 400 شخص». تعاني من مرض السيلياك وعيب خِلقي في القلب واضطراب ثنائي القطب؛ وصودرت أدويتها في الاحتجاز. قالت في المحكمة: «هل يؤمن المدّعي العامّ حقًّا بهذا القدر القليل ببلدنا حتّى يعتقد أنّ سيادتنا يمكن أن تتقوَّض بخمس قصاصات ورق صغيرة؟» أُطلق سراحها في آب 2024. فلاديمير كارا-مورزا، كاتب عمود في واشنطن بوست وحائز على جائزة بوليتزر نجا سابقًا من محاولتي تسميم مرتبطتين بالكرملين، حُكم عليه بخمس وعشرين سنة: أقسى حكم سياسي منذ ستالين. جريمته: خطاب أمام مجلس نوّاب أريزونا وصف فيه «القنابل العنقودية على المناطق السكنية وقصف أجنحة الولادة والمستشفيات والمدارس». أخبره طبيب سجن موسكو بأنّ أمامه «سنة، ثمانية عشر شهرًا على الأكثر» ليعيش. فهم ذلك: «كان حكمًا بالإعدام». أمضى أحد عشر شهرًا في الحبس الانفرادي: 330 يومًا، أي أكثر من اثنين وعشرين ضعف الحدّ الذي تصنّفه الأمم المتّحدة تعذيبًا. يحدّ القانون الروسي فترة الحبس الانفرادي الواحدة بخمسة عشر يومًا، لكنّ إدارات السجون تتحايل على ذلك بإثارة مخالفات جديدة لحظة انتهاء الفترة؛ الذرائع تافهة كشرب الماء «لوقت طويل» أو وضع قطعة خبز نصف مأكولة في الجيب. العزل ليس عيبًا في النظام؛ بل هو النظام. وصف ما فعله ذلك بعقله: بعد نحو أسبوعين أو ثلاثة، يبدأ عقلك حقًّا بخداعك. تبدأ بنسيان الكلمات. تبدأ بنسيان الأسماء. تبدأ بالتحدّث إلى الجدران. تتوقّف عن فهم ما هو حقيقي وما هو متخيَّل. عاقبه الحرّاس لعدم وضع يديه خلف ظهره لبضع ثوانٍ. أطفأوا منبّهه ثمّ عاقبوه لعدم استيقاظه في السادسة صباحًا؛ وكان ممنوعًا على السجناء امتلاك ساعات. خلال أكثر من سنتين من السجن، تحدّث إلى زوجته مرّة واحدة وإلى أطفاله مرّتين. استخدمت ساعة توقيت لتقسيم المكالمة ذات الخمس عشرة دقيقة كي يحصل كلّ طفل على خمس دقائق. كارا-مورزا مسيحي أرثوذكسي. قرأ الكتاب المقدّس في زنزانته واصفًا إيّاه بأنّه «حيوي لبقائه». طوال التعذيب، استمدّ قوّته من قناعة واحدة: «أعرف أنّني على حقّ». إيليا ياشين، سياسي معارض وحليف مقرّب من أليكسي نافالني الراحل، حُكم عليه بثماني سنوات ونصف بسبب بثّ مباشر على يوتيوب عن بوتشا قدّم فيه الأدلّة والنفي الروسي الرسمي معًا. أُطلق سراحه في آب 2024. ألسو كورماشيفا، مواطنة روسية-أمريكية مزدوجة الجنسية ومحرّرة في إذاعة أوروبا الحرّة/إذاعة الحرّية، أُدينت في محاكمة سرّية من يومين وحُكم عليها بستّ سنوات ونصف بسبب كتاب قصص مناهضة للحرب بعنوان "No to War" (لا للحرب). أُطلق سراحها في آب 2024. بحلول أواخر 2025، وثّقت منظّمة OVD-Info أكثر من 1299 شخصًا تمّت ملاحقتهم جنائيًّا بسبب معارضة الحرب. لا يزال 373 منهم على الأقلّ مسجونين. أحصت لجنة حماية الصحفيين 22 صحفيًّا خلف القضبان في روسيا. لم تُصدر بطريركية موسكو أيّ بيان دفاعًا عن أيّ من هؤلاء السجناء. البطريرك كيرلّس، الذي يدّعي أنّ روسيا تتمتّع بـ«حرّية دينية كاملة» (الفصل 22: ماذا يحدث للكهنة الذين يصلّون من أجل السلام؟)، لم يعترف قطّ بوجودهم. لمن لا يزالون يظنّون أنّ هذا «معادٍ لروسيا»: هؤلاء الصحفيون روس في الغالب. لماذا يخاطرون بالتعذيب والسجن لو لم يكن الأمر صحيحًا؟ هل كان هؤلاء الروس «معادين لروسيا» أيضًا؟ كم آخرون يعرفون هذه الأمور لكنّهم يلتزمون الصمت خوفًا من المصير ذاته؟ البطريرك الذي بارك هذه الحرب لم يُدِن قطّ سجن الذين وثّقوا ثمنها. التقليد الذي يواصله هؤلاء الصحفيون قديم. المنشقّون السوفيات، الذين وثّقوا جرائم نظامهم على حساب حرّيتهم، عبّروا عن ذلك بوضوح: كان هدفنا أن نجعل الأمر بحيث لا يستطيع أحد أن يقول إنّه لم يكن يعلم. نحن نفعل شيئًا، الجميع يرونه. نحن نخبركم. ولا تقولوا لنا لاحقًا إنّكم لم تكونوا تعلمون. — منشقّ سوفياتي، مقابلة في They Chose Freedom (اختاروا الحرّية) (إخراج كارا-مورزا)، 03:48 أنتج كارا-مورزا فيلمًا وثائقيًّا عن هؤلاء المنشقّين. ثمّ أخبر مجلس نوّاب أريزونا بما يوثّقه هذا الفصل. من السجن، نشر نقدًا للبطريرك كيرلّس، مستشهدًا بوثيقة الكنيسة ذاتها «أسس التصوّر الاجتماعي» التي تمنع الإكليروس من مساعدة الدولة في «شنّ حرب أهلية أو حرب خارجية عدوانية». كتب: «بوصفي مسيحيًّا أرثوذكسيًّا، لا يجلب لي هذا إلّا الألم والحزن والأسى العميق». واتّهم قيادة الكنيسة بوضع «سلطة قيصر فوق أسس الإيمان المسيحي». قبل أيّام من إطلاق سراحه، قدّم له الحرّاس عريضة عفو مكتوبة مسبقًا تتطلّب منه الاعتراف بالذنب والتوبة. رفض: أوّلًا، أنا لا أعتبر المواطن بوتين رئيسًا شرعيًّا؛ أعتبره مغتصبًا للسلطة ودكتاتورًا وقاتلًا. وثانيًا، أنا لست مذنبًا بشيء. أنا هنا فقط بسبب آرائي وقناعاتي وتصريحاتي ضدّ الحرب. بعد يومين، عاد الحرّاس بورق فارغ طالبين منه أن يكتب عن بوتين. كتب كلّ ما يؤمن به: أنّ بوتين ليس رئيسًا شرعيًّا، وأنّه يتحمّل المسؤولية الشخصية عن وفاة بوريس نيمتسوف وأليكسي نافالني، وعن وفاة آلاف المدنيين الأوكرانيين بمن فيهم الأطفال. فشلت محاولة النظام انتزاع الخضوع. في 1 آب 2024، أطلقت روسيا سراح كارا-مورزا وسكوتشيلينكو وياشين وكورماشيفا في أكبر عملية تبادل أسرى بين روسيا والغرب منذ الحرب الباردة: ستّة عشر معارضًا وصحفيًّا مقابل ثمانية عملاء روس. كان المطلب الروسي الأساسي فاديم كراسيكوف، قاتل من جهاز الأمن الفيدرالي يقضي عقوبة مؤبّدة في ألمانيا لاغتياله معارضًا شيشانيًّا في حديقة ببرلين. احتضن بوتين شخصيًّا كراسيكوف على مدرج المطار. البطريرك الذي بارك الحرب التي سجنت هؤلاء الشهود لم يقل شيئًا حين بُودلوا بقاتل. الحكم لا يحتملون أن يبلغوا باعتدالهم حدّ خيانة قضية الله من أجل الهدوء. — القدّيس غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 21، §25 «هذه الذبيحة تغسل كلّ الخطايا»، هكذا وعظ البطريرك كيرلّس. الذبيحة مرئية. تكمن في أنقاض المباني السكنية التي ضُربت في الرابعة فجرًا، في أجساد الأطفال في محطّة كراماتورسك، في رماد الكنائس التي كانت تابعة لبطريركيّته هو، وفي المسجونين والمعذَّبين. تبدو كعربة أطفال مقلوبة في شارع في فينّيتسا. تبدو ككلمة «ДЕТИ» مرسومة على الأرض بأحرف كبيرة بما يكفي لقراءتها من المدار، لكنّها أُهملت. الآباء الذين يدّعي البطريرك كيرلّس تمثيلهم كانوا سيبكون. ماذا يبارك إذن كلّ أسقف وكلّ كاهن يذكر البطريرك كيرلّس في القدّاس الإلهي؟ (أهمّية الذكر مشروحة في الفصل 24: القدّيسون الذين توقّفوا عن الذكر.) كثيرون، حتّى وإخوتهم المسيحيون الأرثوذكس يموتون، تحكمهم اللامبالاة. ولا يرون بأسًا، في زعمهم، في ذكر بطريرك يبارك ويدافع عن حرب كهذه. بعد أن تعلّمنا من هذا القدّيس بكلمات قليلة كم هو شرّ عظيم اللامبالاة، فلنطرحها عنّا يا إخوة. فهي أمر غريب تمامًا عن سيرة المسيحيين، لأنّها قلبت كلّ شيء رأسًا على عقب وولّدت كلّ الشرور تقريبًا: عدم خشية الله، وعدم الوقار، والبرودة تجاه الأمور الإلهية، واحتقار العمل بوصايا الله المحيية، مقدّمةً بعناد أمام كلّ اعتراض هذه التعجّبات الملعونة من الله: «وماذا في ذلك؟» «فما؟» «هذا لا شيء» أو «ذلك لا شيء». وباختصار، من اللامبالاة سقط ويسقط كثيرون في الهرطقة والإلحاد. — القدّيس نيقوديموس الآثوسي، الدفّة (Πηδάλιον) في مكان ما في روسيا، لا تزال الأمّ تؤمن بأنّ ابنها في السماء لأنّه مات في أوكرانيا. اللاهوت الذي أخبرها بذلك أنتج كلّ ما وُثّق أعلاه. كاتدرائية القوّات المسلّحة حيث بُشّر بذلك اللاهوت لا تزال قائمة، بذهبها وفسيفسائها سليمة. الكنائس التي دمّرها ذلك اللاهوت لا تقوم. «لكنّ هذا كلّه دعاية» المؤسّسات التي تدافع عن البطريرك كيرلّس ستسمّي هذا الفصل دعاية. سيضطرّون إلى ذلك، لأنّ البديل هو النظر إلى هذه الصور ومواجهة ما يُبارَك. سمّوه دعاية حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحقّ فلاديمير بوتين. سمّوه دعاية حين وثّقت الأمم المتّحدة الإعدامات الميدانية في بوتشا. سمّوه دعاية حين نقلت الصحفية الروسية ماريا بونومارينكو خبر غارة جوّية واحدة. حكمت عليها روسيا بستّ سنوات في مستعمرة عقابية. في السجن، عانت ظروفًا لاإنسانية وحاولت الانتحار. التهمة ردّ فعل تلقائي: أيّ شيء يوثّق ما فعلته روسيا هو، بالتعريف، دعاية وتمييزية. اعلم أيضًا أنّ هذا الفصل لا يعتمد على رواية أيّ حكومة بعينها. كلّ حادثة وُثّقت أعلاه تحقّقت منها بشكل مستقلّ مفوّضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، التي تحتفظ ببعثة رصد دائمة في أوكرانيا. وتحقّقت آلية موسكو التابعة لمنظّمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي هيئة حكومية دولية روسيا عضو فيها، واستخدمت مصطلح «جريمة حرب». أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ستّة أوامر اعتقال في أربع قضايا. أجرت وكالة أسوشيتد برس تحقيقات جنائية بتقنية إعادة البناء ثلاثية الأبعاد ومقابلات مع ناجين. الجزيرة، وهي قناة قطرية بلا أيّ انتماء غربي، أعدّت تقاريرها الميدانية من كلّ موقع تقريبًا. ميدوزا، وسيلة إعلام روسية مستقلّة أعلنها الكرملين «منظّمة غير مرغوب فيها» تحديدًا لأنّ تقاريرها لا يمكن تكذيبها، نشرت إعادة بنائها الخاصّة لمذبحة بوتشا. إحصاءات تدمير الكنائس مصدرها الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو: الولاية القانونية الخاصّة بكيرلّس نفسه، توثّق ما فعلته حرب كيرلّس بكنائسها هي، منشورة على منصّتها الإخبارية الخاصّة. لرفض هذا الفصل، يجب على المرء أن يرفض في آن واحد: الموقع الرسمي لبطريركية موسكو، حيث تُنشر عظات كيرلّس التي تبارك الحرب المحاكم الكنسية الخاصّة ببطريركية موسكو، التي جرّدت كهنة من رتبهم لأنّهم صلّوا من أجل السلام وأعلنت رسميًّا أنّ مذهب السلام هرطقة المجمع المقدّس للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ذاته، الذي وثّق تدمير 119 من كنائسه وتضرّر 329، على منصّته الإخبارية الخاصّة أسقف تاريخيًّا موالٍ لروسيا (المتروبوليت أغافانغِل، النائب السابق في مجلس حزب الأقاليم الإقليمي) الذي وصف الحرب بأنّها «إبادة جماعية للشعب الأوكراني» آلية موسكو التابعة لمنظّمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، وهي هيئة حكومية دولية روسيا عضو فيها، حقّقت واستخدمت مصطلح «جريمة حرب» المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت ستّة أوامر اعتقال في أربع قضايا، بينها أمر بحقّ فلاديمير بوتين مفوّضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، التي تحتفظ ببعثة رصد دائمة لحقوق الإنسان في أوكرانيا الجزيرة (قطرية)، التي أعدّت تقاريرها الميدانية من كلّ موقع تقريبًا ممّا وُثّق أعلاه ميدوزا (إعلام روسي مستقلّ)، التي أعلنتها روسيا «منظّمة غير مرغوب فيها» تحديدًا لأنّ تقاريرها لا يمكن تكذيبها وكالة أسوشيتد برس، التي استخدم تحقيقها الجنائي إعادة البناء ثلاثية الأبعاد و23 مقابلة مع ناجين وراجعه خبراء مستقلّون في جرائم الحرب منظّمة العفو الدولية، التي انتقدت أوكرانيا أيضًا خلال النزاع ذاته، ممّا يجعل من المستحيل رفض نتائجها المنتقدة لروسيا بوصفها أحادية الجانب جامعة جورجتاون، التي وثّقت الدور المؤسّسي لبطريركية موسكو في ترحيل الأطفال الأوكرانيين، بما في ذلك 58 مؤسّسة كنسية ووثائق نقل رسمية وجمع تبرّعات بموافقة البطريرك كيرلّس لا يمكن لأيّ شخص جادّ أن يرفض كلّ هذه في آن واحد. تهمة الدعاية ليست حجّة، بل هي رفض مطلق للتعامل مع الأدلّة. على كلّ مَن يرفض هذه الأدلّة بوصفها «تضليلًا إعلاميًّا» أن يفسّر أوّلًا لماذا سجنت روسيا وعذّبت وأسكتت كلّ صوت ينقلها. أليكسي غورينوف حُكم عليه بعشر سنوات لقوله «أطفال يموتون» في اجتماع عن مسابقة رسم للأطفال. ألكسندرا سكوتشيلينكو حُكم عليها بسبع سنوات بسبب خمس بطاقات أسعار مكتوبة بخطّ اليد. سيرغي ميخائيلوف حُكم عليه بثماني سنوات بسبب نشره عن بوتشا. فلاديمير كارا-مورزا حُكم عليه بخمس وعشرين سنة، أحد عشر شهرًا منها في الحبس الانفرادي، بسبب خطاب في أريزونا. أكثر من 1299 شخصًا تمّت ملاحقتهم جنائيًّا بسبب معارضة الحرب؛ لا يزال 373 منهم على الأقلّ مسجونين. محاكم كيرلّس الكنسية جرّدت كاهنًا من رتبته لتغييره كلمة واحدة في صلاة وأعلنت رسميًّا أنّ مذهب السلام هرطقة. وثّقت جامعة جورجتاون أنّ 58 من مؤسّسات كيرلّس الكنسية أوت أطفالًا مُرحَّلين وأنّ كلّ عمليات جمع التبرّعات للعملية تطلّبت موافقة البطريرك شخصيًّا. لو كانت هذه الأحداث ملفّقة، لما احتاجت روسيا إلى تجريم توثيقها. الرقابة بحدّ ذاتها هي الدليل: دولة واثقة من براءتها ترحّب بالتدقيق، لا تسجن مَن يقدّمه. تهمة «الدعاية» ليست حجّة مضادّة، بل اعتراف بأنّ الوقائع لا يمكن الردّ عليها بموضوعية. أنّ الأمر يستلزم أصلًا الدفاع عن فصل عن أطفال قتلى وكنائس مدمَّرة بقائمة مصادره، يقول للقارئ كلّ شيء عن المؤسّسة التي يفحصها هذا الفصل، ومدى نجاحها في تنويم الناس لصدّ أيّ دليل كان. كنيسة تتطلّب من أعضائها ألّا يروا ما وُثّق أعلاه، وتتحرّك لتشويه كلّ مَن يُريه للآخرين، هي كنيسة اختارت ولاءها؛ لكنّه ليس ولاءً للحقيقة. القدّيس باسيليوس الكبير قال إنّ مَن يقتلون حتّى في الدفاع المشروع أيديهم نجسة ويجب أن يمتنعوا عن الكأس ثلاث سنوات. البطريرك كيرلّس وعد بأنّ الموت في ساحة المعركة يغسل كلّ الخطايا. الصور أعلاه هي ما يبدو عليه ذلك الوعد حين يلاقي العالم الحقيقي: أجساد المعمَّدين، أنقاض كنائسهم، صمت التسلسل الهرمي الذي بارك كلّ شيء. هذا ما عناه الآباء بالأيدي النجسة. هذه هي الأيدي. دين جديد بمباركة الحرب بوصفها مقدّسة، ووعد الجنود بالخلاص التلقائي، وفرض صلوات النصر، وتجريد الكهنة الرافضين من رتبهم، استبدل البطريرك كيرلّس التقليد الأرثوذكسي بلاهوت سياسي يستبدل التوبة بالغزو: دين جديد في ثوب أرثوذكسي. الشهادة باقية بالطبع، لن يبقى البطريرك كيرلّس بطريركًا إلى الأبد. الوضع الأوكراني سيُحلّ. التحالفات السياسية ستتغيّر. الحكومات ستتبدّل. لكنّ شهادة الآباء باقية. قانون القدّيس باسيليوس سيظلّ ملزِمًا. معيار القدّيس ثيودوروس سيظلّ يحدّد الدفاع المشروع. إدانة المتروبوليت أنطونيوس للطموح الحكومي ستظلّ تشهد كيف حافظ التراتبيون الروس على المعايير الآبائية. القدّيسون الذين صلّوا ألّا يقتلوا سيظلّون يشهدون على ما تبدو عليه القداسة الأرثوذكسية. كُتب هذا الكتاب من أجل الكنيسة، ولذلك من أجل كلّ لحظة كهذه. حين تأتي الحرب القادمة، حين يبارك الرئيس الكنسي التالي ما يُدينه الآباء، حين يتوجّب على الجيل القادم الاختيار بين السياسة والأمانة الآبائية، بإذن الله، ستبقى هذه الشهادة. لأولئك الذين يجب أن يعيشوا هذه اللحظة، الذين يرون رؤساء كنسيين يباركون ما يُدينه الآباء، الذين يشاهدون الكنيسة تصطفّ مع سلطة الدولة بدل الحقيقة الآبائية، اعلموا أنّكم لستم وحدكم. شهادة الآباء قائمة. القدّيسون يشهدون. الكنيسة الأوكرانية القانونية بقيادة المتروبوليت أونوفريوس، التي توقّفت عن ذكر البطريرك كيرلّس عام 2022، تُظهر ما تبدو عليه الأمانة حتّى تحت الاضطهاد. اقرأوا الآباء بأنفسكم. اقرأوا سِيَر القدّيسين. انظروا ما علّموه فعلًا عن الحرب والعنف ونجاسة سفك الدماء. تلك النصوص تقول ما تقوله. لا يستطيع إسكات الشهادة مَن يفضّلون إجابة مختلفة. القدّيس صفروني الإسّكسي، تلميذ القدّيس سلوان الآثوسي المولود في روسيا والذي عاش الحربين العالميتين، تكلّم بصراحة: أنا مقتنع اقتناعًا عميقًا بأنّ كلّ حرب خطيئة. حتّى الحرب دفاعًا عن وطننا وأحبّائنا وكنوزنا المادّية والروحية، هي خطيئة، ربّما أعظم الخطايا التي اخترعها الإنسان لنفسه. — القدّيس صفروني الإسّكسي، رسائل إلى عائلته حتّى الحرب الدفاعية خطيئة. وحين لا تكون الحرب حتّى دفاعية، حين تقتل أكثر ممّا تحمي، حين يرفض مَن تدّعي الدفاع عنهم ذلك الدفاع، تكون خطيئة مضاعفة، باركها مَن يُفترض أن يعرفوا أفضل. ما كان ينبغي أن تُبارَك هذه الحرب. ليرشدنا شهادة الآباء إلى الطريق الضيّق الذي ضللنا عنه.