الفصل 11: «Viva Cuba!» كيريل وكوبا وفيدل كاسترو السرجيانية (نمط مساومة سلطة الدولة على الإيمان، الموثّق في الفصل 9: تمجيد السرجيانية وكنيسة الـ KGB) مستمرة. روح السرجيانية حيّة في أفعال البطريرك كيريل اليوم. بدءًا من أواخر التسعينيات، بنى المتروبوليت كيريل (رئيس إدارة العلاقات الكنسية الخارجية آنذاك) علاقة مع ديكتاتورية فيدل كاسترو الشيوعية في كوبا امتدّت قرابة عقدين من الزمن. لكن من المؤكّد، وفقًا للبعض، أنّ هذا كان تواصلاً رعائيًّا؟ دبلوماسية؟ محبة مسيحية تسعى إلى الحوار مع جميع الناس؟ لكن ماذا يعلّم القديسون عن مسايرة أعداء الله؟ أ. ما يعلّمه القديسون والقوانين السكوت أمام الضلال بُغض للإنسان القديس مكسيموس المعترف، الذي قُطع لسانه ويده اليمنى لرفضه المساومة مع الهرطقة الإمبراطورية، شرح الخطر الروحي لمسايرة الضلال: فإنّي أُعرّف بُغض الإنسان والانفصال عن المحبة الإلهية بأنّه محاولة منح الضلال قوةً لإفساد أعظم لمن استولى عليهم مسبقًا. — القديس مكسيموس المعترف، PG 91:465C؛ impantokratoros.gr بحسب القديس مكسيموس المعترف، فإنّ دعم الضلال هو «بُغض للبشر». حين يبقى الضلال المميت دون تصحيح، تبقى النفوس التي استولى عليها فاسدة. وهكذا فإنّ ما قد يبدو دبلوماسية أو تسامحًا محبًّا هو، بحسب القديس مكسيموس، قسوة روحية. السكوت هو النوع الثالث من الإلحاد الشيخ غبريال من دير كوتلوموسيو، تلميذ القديس باييسيوس، استشهد بالقديس غريغوريوس بالاماس عن أنواع الإلحاد الثلاثة: النوع الأول من الإلحاد: الملحد الذي يقول إنّ الله غير موجود. النوع الثاني من الإلحاد هو المبتدع. النوع الثالث من الإلحاد حين يكون الإيمان في خطر وأنا أصمت... لا أتكلم. — الشيخ غبريال من دير كوتلوموسيو، وأضاف وصية القديس ثيودوروس الستوديتي: «إنّها وصية من الله ألّا نسكت، لا تسكتوا حين يكون الإيمان في خطر». الصمت أمام التجديف هو بحدّ ذاته شكل من أشكال الإلحاد. أقام البطريرك كيريل علاقة استمرّت 21 عامًا مع فيدل كاسترو، ديكتاتور سحق نظامه بشكل منهجي الحريات المدنية والسياسية الأساسية، وسجن المعارضين وعذّبهم، ويُنسب إليه بمصداقية عشرات آلاف الوفيات عبر الإعدامات والقتل خارج نطاق القضاء والانتهاكات في السجون. والأهم من ذلك، حتى نَفَسه الأخير، كان فيدل كاسترو ماركسيًّا لينينيًّا بإعلانه الذاتي، وهو أمر لا يتوافق مع المسيحية الأرثوذكسية. لفهم أهمية ذلك قانونيًّا، علينا أولاً أن نثبت ما هي الماركسية في نظر الكنيسة. الماركسية هرطقة صرّح الشيخ أفرام الأريزوني (+2019)، الشيخ الأثوسي الجليل الذي أسّس سبعة عشر ديرًا في أمريكا الشمالية، بالمبدأ القانوني مباشرةً: الماركسية ليست مجرد نظام سياسي، بل تنطوي على رؤية دنيوية للعالم، بل هرطقة بالفعل. — الشيخ أفرام الأريزوني، «رأيي في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الخارج» (1991)، إذا كانت الماركسية هرطقة، فإنّ مصادقة من يعتنقها مع رفض تصحيحه هو بالتأكيد الإلحاد الذي يتحدث عنه القديس غريغوريوس بالاماس، ودعم الضلال الذي يتحدث عنه القديس مكسيموس المعترف. الشهداء الجدد (الذين اختاروا الموت على مسايرة السلطة السوفياتية) توقّفوا عن ذكر المتروبوليت سرجيوس لمسايرته الماركسية اللينينية. الشيخ أفرام الأريزوني يؤكّد أنّ ذلك كان مبرّرًا قانونيًّا. أمّا البطريرك كيريل، فإنّه يسعى إلى هؤلاء الأشخاص ويبني علاقات أخوية معهم. المسيحية والماركسية لا تتوافقان كان رئيس الأساقفة أفيركي (تاوشيف)، أسقف سيراكيوز، رابع عميد لمعهد الثالوث القدوس في جوردنفيل وأحد أكثر لاهوتيي كنيسة المهجر الروسية تبجيلًا. فرّ هو نفسه من الثورة الروسية وشهد بنفسه ما تعنيه الماركسية للكنيسة. شرح التعارض اللاهوتي: المادية هي النسل الطبيعي والتطور المنطقي للإنسانوية. مثال المعدة الممتلئة، المخفيّ وراء الأسماء الرنّانة «مثال العدالة الاجتماعية» و«الحقيقة الاجتماعية»، أصبح المثل الأعلى لبشرية تخلّت عن المسيحية. إنّ مذهب الاشتراكية والماركسية الشيوعية نبت بشكل طبيعي من تربة المادية. الإنسانوية والمادية، بإنكارهما الأساس الروحي للإنسان وإعلانهما إياه إلهًا، شرعنتا بذلك الكبرياء البشري المتعالي والأنانية الحيوانية اللذين أنجبتاهما بشكل طبيعي. — رئيس الأساقفة أفيركي (تاوشيف)، The Struggle for Virtue (الجهاد من أجل الفضيلة) (Holy Trinity Publications، 2014)، الفصل 1: «الكبرياء المتعالي والتواضع المسيحي»، ص. 13 تنكر الماركسية اللينينية وجود النفس. تعلّم أنّ المادة هي كل ما هو موجود: لا إله، لا روح، لا حياة أبدية. البشر مجرد أجساد تحتاج إلى طعام، والتاريخ مجرد صراع على من يتحكّم في الطعام. هذا نقيض الأرثوذكسية. لا توافق بين المسيح وماركس. لهذا فإنّ التصحيح الذي كان كيريل مدينًا به لكاسترو لم يكن حاشية دبلوماسية، بل الإنجيل نفسه. يجعل رئيس الأساقفة أفيركي المبدأ الأساسي صريحًا: خارج الإيمان بالمسيح بوصفه ابن الله المتجسّد، لا توجد محبة حقيقية البتّة، لا لله ولا للقريب. لا يمكن لأيّ خطاب ثوري، ولا لأيّ نداء باسم «العدالة الاجتماعية» أو «الحقيقة الاجتماعية»، أن يحلّ محلّها: بدون الإيمان بيسوع المسيح بوصفه ابن الله، لا يمكن أن تكون هناك محبة حقيقية لله أو للقريب. المحبة الحقيقية النزيهة الطاهرة لله وللإنسان مستحيلة إلا تحت فعل الإيمان بألوهية المسيح المخلّص، أي الإيمان بأنّه ابن الله المتجسّد الذي نزل إلى الأرض لخلاص البشرية. — رئيس الأساقفة أفيركي (تاوشيف)، The Struggle for Virtue (الجهاد من أجل الفضيلة) (Holy Trinity Publications، 2014)، الفصل 3: «محبة الإنجيل والإيثار الإنسانوي»، ص. 34 هذا ما كان كيريل مدينًا به لكاسترو على مدى واحد وعشرين عامًا من اللقاءات الشخصية. لم يُقدّمه. مات كاسترو ماركسيًّا لينينيًّا غير تائب، معلنًا ذلك حتى آخر يوم في حياته، ولم يكن كيريل قد أشار إليه قطّ إلى الأساس الوحيد الذي كان يمكن أن تُبنى عليه محبة حقيقية لشعبه الكوبي. يسمّي رئيس الأساقفة أفيركي الحركة الثقافية الأعمق التي تعمل هنا. ما ادّعاه كاسترو، وما قبله كيريل نيابةً عنه، هو الاستبدال الإنسانوي الذي عمره خمسة قرون: إحلال «أخلاق مستقلة عن الدين» مبهمة محلّ تعليم الإنجيل الحصري العقائدي عن المحبة: روح الحداثة، أو بعبارة أخرى روح الكبرياء البشري المتعالي، رغم عجزها عن إنكار المحبة كليًّا بوصفها قوة خلّاقة في الإنسان، تسعى مع ذلك إلى تشويه ذلك التعليم الإنجيلي المُحيي عن المحبة، مستبدلةً إياه بنوعها الخاص من المحبة حيث يسعى حب الذات إلى ترسيخ نفسه أكثر فأكثر. منذ عصر النهضة، حلّت مفاهيم «الإيثار» و«العمل الخيري» وما يسمّى بالأخلاق الظرفية محلّ تعليم الإنجيل عن المحبة، وهي أخلاق مستقلة عن الدين وعن الإيمان بالله وعن شريعة الله. يحاول دعاة هذه الأخلاق اللادينية إقناع الجميع بأنّه «يمكن للمرء أن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا دون الإيمان بالمسيح». — رئيس الأساقفة أفيركي (تاوشيف)، The Struggle for Virtue (الجهاد من أجل الفضيلة) (Holy Trinity Publications، 2014)، الفصل 3: «محبة الإنجيل والإيثار الإنسانوي»، ص. 35–36 كان كاسترو تمامًا الشخصية التي يصفها رئيس الأساقفة أفيركي. اعتنق الماركسية اللينينية «حتى آخر يوم في حياتي»، وهي أيديولوجيا تنكر وجود الله وتختزل كل الواقع في المادة. وفي الوقت نفسه طالب بالاعتراف الأخلاقي بوصفه روحًا شقيقة، بانيًا لـ«العدالة الاجتماعية» و«الحقيقة الاجتماعية». لم يرفض كيريل هذا التأطير، بل صادق عليه. في 19 تشرين الأول 2008، منح فيدل كاسترو وسام «المجد والشرف» التابع للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، «تقديرًا لمساهمته في الحوار بين الأديان». الاعتراف الذي يقول رئيس الأساقفة أفيركي إنّه مستحيل، منحه كيريل بمرسوم أسقفي. سنُدان على منح الطمأنينة الكاذبة يعلّمنا القديس باييسيوس الأثوسي كيف نتعامل بشكل صحيح مع الذين في ضلال: لا حاجة بنا أن نقول للمسيحيين غير الأرثوذكسيين إنّهم ذاهبون إلى الجحيم أو إنّهم أضداد المسيح؛ لكن يجب أيضًا ألّا نقول لهم إنّهم سيخلصون، لأنّ ذلك يمنحهم طمأنينة كاذبة، وسنُدان على ذلك. علينا أن نمنحهم نوعًا صالحًا من القلق: علينا أن نقول لهم إنّهم في ضلال. — القديس باييسيوس الأثوسي، الأب الراهب إسحق، Elder Paisios of Mount Athos (القديس باييسيوس الأثوسي)، ص. 658 أين نرى البطريرك كيريل يمنح فيدل كاسترو القلق الصالح؟ شهد الأب سيرافيم روز هذا الفشل عبر الأبرشيات الأرثوذكسية في أمريكا: نحن هنا في أمريكا مطّلعون جيدًا على ردّة «أثيناغوراس وشركاه»، وللأسف فإنّ الأبرشيات القومية الأخرى في أمريكا ليست أفضل حالاً بكثير؛ فجميعها تتآخى وتصلّي مع الكاثوليك والبروتستانت وتخجل من أن تقول لغير الأرثوذكسيين إنّهم قد ابتعدوا كثيرًا عن الحقيقة، التي لا توجد إلا في الأرثوذكسية. — الأب سيرافيم روز، رسالة إلى بعثة مدريد، 4/17 أيلول 1970، Letters from Father Seraphim (رسائل الأب سيرافيم) الأب سيرافيم روز، المُبجَّل عالميًّا، يصف سلوك كثير من المسكونيين في أيامنا، الذين يتآخون مع غير الأرثوذكسيين بذريعة ما يسمّونه محبة (وهي في الحقيقة بُغض، بحسب شهادة القديس مكسيموس المعترف)، لكن من يدقّق جيدًا في هذه العلاقات الأخوية يجد أنّ هؤلاء المسيحيين الأرثوذكسيين المحبّين يرفضون أن يقولوا لغير الأرثوذكسيين (بلطف) إنّهم في ضلال، وأنّ الحقيقة لا توجد إلا في الأرثوذكسية. هذه شهادة الأب سيرافيم روز، وهي أصدق في زماننا هذا. هذا هو سلوك البطريرك كيريل. يكتفي البطريرك كيريل بالتأكيد المتكرر على أهمية المحادثات والحوار والعلاقات الودّية مع الكاثوليك (الفصل 6: الاعتراف بقديسي الكاثوليك الرومان والأماكن المقدسة) والمسلمين (الفصل 5: المسلمون والأرثوذكس يصلّون لنفس الإله) والمونوفيزيتيين (الفصل الثامن: الصلاة مع أحاديّي الطبيعة)، والمشاركة فيها، دون أن يفعل الشيء الذي يدعوه القديسون إلى فعله، وهو الشهادة للأرثوذكسية المقدسة، لا مجرد تنمية صداقات ومعارف سطحية. لا يعلّم القديسون القسوة ولا الراحة الكاذبة. يعلّمون الحقيقة. مجدّدًا، كما يقول القديس باييسيوس: «علينا أن نقول لهم إنّهم في ضلال» وإن لم نفعل، «سنُدان على ذلك». يظن كثيرون أنّ بوسعهم تسوية تعاليم المسيحية الأرثوذكسية بـ«كرمهم المزعوم». لو سادت عقلية هؤلاء العاطفيين، لما كان عندنا أبدًا أيّ قديس. قد يكون هذا كلامًا مُرًّا، لكنّه ما يقوله القديس باييسيوس الأثوسي: آخرون أيضًا، من «كرم» مزعوم، يقدّمون النصيحة التالية: «لا تقولوا للمبتدعين إنّهم في ضلال، لكي تُظهروا لهم المحبة». وهكذا تُسوَّى كل الأمور. لو عاش هؤلاء في السنوات الأولى للمسيحية، لما كان عندنا قديس واحد. — القديس باييسيوس الأثوسي، Spiritual Counsels هذه كلمات لاذعة ومُرّة لإخوتنا ذوي العقلية المسكونية الذين يبجّلون القديسين لكن بشكل فارغ؛ عقليتهم ذاتها تخون القديسين أنفسهم الذين يظنون أنّهم يبجّلونهم. يؤكّد السجلّ ذلك: على مدى علاقتهما التي استمرت 21 عامًا، لم يقل البطريرك كيريل لفيدل كاسترو ولو مرة واحدة إنّه في ضلال. هذا هو «الكرم المزعوم» الذي يدينه القديس باييسيوس. البطريرك كيريل، الذي يعمل تحت ستار الفرونيما الأرثوذكسي (φρόνημα، طريقة التفكير المحفوظة بين المسيحيين الأرثوذكسيين؛ ليست مجرد موقف فكري، بل التوجّه الكامل للفكر والحياة والعمل المتشكّل بالمشاركة في حياة الكنيسة، المتجذّر في وصية الرسول بولس: «فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا»، فيلبي 2:5)، لديه علاقات دبلوماسية مع جميع مبتدعي العالم. لكنّه لن يفعل ما يدعوه قديسونا إلى فعله، وهو دعوتهم إلى الأرثوذكسية. بعد تثبيت هذه الشهادة، لنفحص الآن شخصية فيدل كاسترو. ب. الأدلة من كان فيدل كاسترو بالضبط؟ من كان فيدل كاسترو؟ أخبرنا بنفسه: «أنا ماركسي لينيني وسأبقى كذلك حتى آخر يوم في حياتي». حكم فيدل كاسترو كوبا قرابة خمسين عامًا: رئيسًا للوزراء منذ 1959، ثمّ رئيسًا للدولة منذ 1976 حتى أجبره المرض على التقاعد عام 2008. في ظلّ حكمه، أصبحت كوبا دولة شيوعية ذات حزب واحد حظرت المعارضة السياسية وأمّمت جميع المشاريع الخاصة وتحكّمت في كل جانب من جوانب الحياة العامة. يقدّر المؤرخون أنّ النظام أعدم الآلاف؛ بين 5,000 و10,000 رميًا بالرصاص في العقد الأول وحده. وثّق أرشيف كوبا أكثر من 10,000 حالة وفاة تُعزى مباشرة إلى النظام. في ذروته، احتجزت كوبا ما يُقدَّر بـ75,000 سجين سياسي: واحد من كل 94 مواطنًا. فرّ أكثر من 1.4 مليون كوبي من وطنهم؛ وغرق عشرات الآلاف محاولين العبور إلى فلوريدا. رافق القمع السياسي اضطهاد ديني منهجي. من 1959 إلى 1992، عملت كوبا بوصفها دولة إلحادية رسميًّا: أُغلقت المدارس الكاثوليكية، وأُمّمت ممتلكات الكنائس، وطُرد الكهنة، ودُفع التعليم الديني خارج الحياة العامة. نُفّذ الاضطهاد بالعنف. في معسكرات العمل القسري UMAP (وحدات المساعدة العسكرية للإنتاج)، وصف المعتقلون السابقون الضرب والتهديد والحرمان، وشابًّا من شهود يهوه عُلّق من يديه أعلى سارية علم. في سجن لا كابانيا، كان السجناء يُساقون إلى فرق الإعدام وهم يصرخون: «يحيا المسيح الملك!» ومنذ عام 1963 فصاعدًا، كانوا يُكمَّمون. لم يتغيّر عداء النظام للإيمان أبدًا. في عام 2020، قال مسؤولون كوبيون لقادة جماعة دينية مستقلة: «لا يوجد إلا إله واحد: فيدل كاسترو». هذا التصريح، الصادر بعد أربع سنوات من وفاة كاسترو، يكشف الطموح اللاهوتي لإلحاده: ليس غياب الله فحسب، بل مطالبة الدولة بالعبادة محلّ الله. حين مات كاسترو في تشرين الثاني 2016، كانت جنازته علمانية وأُحرق جثمانه. مات كما عاش: ماركسيًّا لينينيًّا غير تائب. هذا هو الرجل الذي صادقه البطريرك كيريل وحافظ على علاقة معه قرابة عقدين. طوال صداقتهما، بقيت كوبا على قوائم المراقبة الدولية للحرية الدينية. كان كيريل يعرف من هو كاسترو. الجميع كانوا يعرفون. 2004: كاتدرائية بُنيت بتراب قبور سوفياتية في عام 2004، وافق فيدل كاسترو على بناء كاتدرائية أرثوذكسية في هافانا على نفقة الدولة وطلب من كيريل اختيار الموقع. اختار كيريل وسط هافانا. كُرّست الكاتدرائية بوصفها «نصبًا للصداقة الكوبية الروسية». كشف كاسترو نفسه أنّ الموقع المختار كان «الموقع الذي شغله المقاتلون الروس والسوفيات في مقبرة هافانا القديمة». وأثناء البناء، أشار كاسترو إلى أنّه «جُلب تراب من المكان الذي دُفنت فيه رفات الجنود السوفيات الذين لقوا حتفهم في بلادنا خلال العقود التي قدّموا فيها خدماتهم هنا». جُلب تراب من قبور الجنود السوفيات إلى الكاتدرائية أثناء البناء. جنود خدموا نظامًا إلحاديًّا استشهد على يده مسيحيون أرثوذكسيون أكثر من أيّ قوة في التاريخ، كُرّموا في تأسيس كنيسة مكرّسة لوالدة الإله. هذه الرمزية متعمّدة ولا لبس فيها: تكريم مضطهدي الكنيسة في معبد أرثوذكسي. تشرين الأول 2008: وسام القديس دانيال في 19 تشرين الأول 2008، كرّس المتروبوليت كيريل الكاتدرائية في هافانا بحضور رئيس الدولة الكوبي راؤول كاسترو. في اليوم التالي، 20 تشرين الأول، التقى كيريل بفيدل كاسترو ومنح راؤول كاسترو وسام القديس دانيال الموسكوفي وفيدل كاسترو وسام «المجد والشرف» نيابةً عن البطريرك ألكسي الثاني، تقديرًا لدورهما في بناء أول كنيسة أرثوذكسية روسية في هافانا. كلاهما أوسمة كنسية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية: وسام القديس دانيال الموسكوفي (المسمّى على اسم قديس، والمُنشأ عام 1988) يكرّم الخدمة للكنيسة، بينما وسام «المجد والشرف» يكرّم المساهمات في الحوار بين الأديان. منح كيريل هذه الأوسمة الكنسية لديكتاتورَين شيوعيَّين تبنّيا مُثلًا هرطقية وتجديفية عن المسيح والإيمان. منحت الكنيسة اعترافًا ليتورجيًّا لمضطهدي المؤمنين. تشرين الأول 2008: شهادة كاسترو («مبادئ أخلاقية متطابقة») بعد هذا اللقاء، كتب كاسترو عمودًا عامًّا بعنوان «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية» في سلسلته Reflections (تأمّلات). فيه، شهد ديكتاتور ماركسي لينيني أعدم الآلاف وملأ معسكرات العمل بسجناء الرأي على انسجامه الأيديولوجي مع رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. أشاد كاسترو بالكنيسة الروسية لدعمها ستالين أثناء الحرب العالمية الثانية: في بداية الحرب الروسية الكبرى، بعد الهجوم النازي الغادر، لجأ ستالين إليها طلبًا لدعم العمال والفلاحين الذين حوّلتهم ثورة أكتوبر إلى مالكي المصانع والأرض. — فيدل كاسترو، «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية»، Reflections، 21 تشرين الأول 2008 الشهداء فضّلوا الموت على دعم نظام ستالين. كاسترو يمدح الكنيسة لفعلها ما أدانه الشهداء. ثمّ وضع كاسترو رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في صف واحد مع قادة أمريكا اللاتينية الثوريين، مدّعيًا أنّهم يتشاركون الأسس الأيديولوجية ذاتها: كلاهما يستمدّ الإلهام من مبادئ أخلاقية متطابقة مستمدّة من وعظ يسوع المسيح بحسب الأناجيل، وهو اعتقاد ديني يتشاركانه. — فيدل كاسترو، «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية»، Reflections، 21 تشرين الأول 2008 كتب كاسترو هذا عن كيريل وهوغو تشافيز. ديكتاتور ماركسي لينيني أعدم الآلاف وعذّب سجناء في معسكرات العمل ادّعى أنّ بطريرك موسكو يستمدّ الإلهام من «مبادئ أخلاقية متطابقة» مع قادة ثوريين يقدّسون ماركس وتشي غيفارا. لم يقل كاسترو إنّهم وجدوا أرضية مشتركة رغم الاختلافات الفلسفية. قال إنّ مبادئهم الأخلاقية متطابقة. ما هي «مبادئ كاسترو الأخلاقية»؟ كان قد شرحها علنًا لعقود. في مقابلته المطوّلة عام 1985 Fidel and Religion (فيدل والدين)، أعلن كاسترو: لطالما اعتبرتُ المسيح واحدًا من أعظم الثوريين في تاريخ البشرية. — فيدل كاسترو، Fidel and Religion: Conversations with Frei Betto on Marxism and Liberation Theology (فيدل والدين: حوارات مع فراي بيتو حول الماركسية ولاهوت التحرير) (1985) المسيح، في رواية كاسترو، لم يكن ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الكلمة الذي به كان كل شيء. كان «ثوريًّا» في الفئة نفسها مع تشي غيفارا وماركس. وتابع كاسترو: كان بإمكان كارل ماركس أن يوقّع على الموعظة على الجبل. — فيدل كاسترو، Fidel and Religion: Conversations with Frei Betto on Marxism and Liberation Theology (فيدل والدين) (1985) أخبرنا كاسترو أنّ مؤلّف المادية الجدلية، الرجل الذي سمّى الدين «أفيون الشعوب»، كان بإمكانه أن «يوقّع» على كلام المسيح. ادّعى كاسترو أنّ «التشابهات بين المسيحية والشيوعية أكثر بعشرة آلاف مرة منها بين المسيحية والرأسمالية». وفي عام 2007، أعلن كاسترو: إذا سمّاني الناس مسيحيًّا، ليس من منظور الدين بل من منظور الرؤية الاجتماعية، فأنا أعلن أنّني مسيحي. — فيدل كاسترو، في Ignacio Ramonet، Fidel Castro: My Life: A Spoken Autobiography (فيدل كاسترو: حياتي) (نيويورك: Scribner، 2008)، ص. 156 رجل ملأ معسكرات العمل بسجناء الرأي، ومنع عيد الميلاد لمدة 28 عامًا، وترأّس نظامًا قال لقادة دينيين «لا يوجد إلا إله واحد: فيدل كاسترو»... ثمّ ادّعى أنّه مسيحي. ليس بمعنى الإيمان بالمسيح ربًّا وإلهًا، بل بمعنى مشاركة «الرؤية الاجتماعية» لماركس. هذا ما قصده كاسترو بـ«المبادئ الأخلاقية المتطابقة». اعتقد أنّ المسيحية والماركسية اللينينية شيء واحد. اعتقد أنّ المسيح شيوعيّ بدائي. اعتقد أنّه هو نفسه «مسيحي» لأنّه ماركسي. واعتقد أنّ كيريل يوافقه. لم يصحّح له البطريرك كيريل. لا علنًا. ولا مرة واحدة. حين ادّعى كاسترو علنًا الانسجام الأيديولوجي مع رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ولم يقل كيريل شيئًا، تكلّم هذا الصمت أعلى ممّا كان يمكن لأيّ إدانة أن تفعل. كما أثبتنا أعلاه، يعلّم القديس باييسيوس: «علينا أن نمنحهم نوعًا صالحًا من القلق: علينا أن نقول لهم إنّهم في ضلال». منح كيريل كاسترو، وبالتالي أتباعه، الراحة فقط. لم يأتِ كاسترو أبدًا إلى الإيمان الأرثوذكسي. مات ماركسيًّا لينينيًّا غير تائب لأنّ البطريرك كيريل آثر الدبلوماسية والصداقة على الحقيقة. لم يُظهر كيريل اهتمامًا لا بنفس فيدل كاسترو ولا بمن سينظرون إلى هذه الصداقة على أنّها تأكيد لآراء كاسترو الهرطقية. قيّم كاسترو الدور المؤسسي للكنيسة بدقة. الأسطر الافتتاحية لعموده تكشف كيف فهم الكنيسة الروسية: [الكنيسة الروسية] قوة روحية. لعبت دورًا كبيرًا في أوقات حرجة من تاريخ روسيا. في بداية الحرب الروسية الكبرى، بعد الهجوم النازي الغادر، لجأ ستالين إليها طلبًا لدعم العمال والفلاحين الذين حوّلتهم ثورة أكتوبر إلى مالكي المصانع والأرض. — فيدل كاسترو، «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية»، Reflections، 21 تشرين الأول 2008 فهم كاسترو تمامًا ما أصبحت عليه بطريركية موسكو: ليست كنيسة الشهداء الذين قاوموا السلطة السوفياتية، بل «قوة روحية» كان «دورها الكبير» خدمة الدولة حين تُستدعى. مثاله هو تجنيد ستالين للكنيسة أثناء الحرب العالمية الثانية، المسايرة ذاتها التي أدانها الشهداء الجدد. عرّف كاسترو الكنيسة بوصفها حليفًا أيديولوجيًّا مناهضًا لأمريكا: بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تكن الكنيسة [الأرثوذكسية الروسية] حليفة للإمبريالية. — فيدل كاسترو، «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية»، Reflections، 21 تشرين الأول 2008 ثمّ تقييم كاسترو الأكثر دلالة: نيافته ليس عدوًّا للاشتراكية وهو لا يدين بالنار الأبدية أولئك الذين يناضلون من أجل عالم أفضل على أساس الماركسية اللينينية. — فيدل كاسترو، «الكنيسة الأرثوذكسية الروسية»، Reflections، 21 تشرين الأول 2008. أرشفت في Monthly Review Online عدوّ لله يمدح بطريرك موسكو لعدم إدانته. هذا اعتراف أيديولوجي، لا مجاملة دبلوماسية بسيطة. ما مدحه كاسترو تسامحًا عرّفه القديس مكسيموس بُغضًا للإنسان. شباط 2016: «Viva Cuba!» بعد ثماني سنوات، عاد البطريرك كيريل إلى كوبا في رحلة تضمّنت لقاءه بالبابا فرنسيس (انظر الجزء الأول، الفصل 1: الاعتراف بالبابا). لم يكن اختيار كوبا عَرَضيًّا. تقع كوبا عند تقاطع المجالات الثلاثة لعمليات الـ KGB الدينية: الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والفاتيكان، والأممية الشيوعية. تُظهر وثائق KGB المُرفَع عنها السرية أنّ المخابرات الكوبية تعاونت مباشرة مع الـ KGB في العمليات الدينية: في جمعية مجلس الكنائس العالمي في آب 1976، «عمل الـ KGB وأجهزة كوبا الخاصة معًا على خطّ سلوكي للاستجابة لذلك من خلال عملائنا». وكانت كوبا أيضًا ممثّلة في مؤتمر وارسو في شباط 1975 حيث خطّط الـ KGB، مع أجهزة استخبارات من سبع دول اشتراكية، لعمليات اختراق الفاتيكان واستمالة رجال الدين الكاثوليك واستخدام عملاء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لأعمال استخباراتية ضد روما. الرجل الذي تدرّب في إدارة العلاقات الكنسية الخارجية المخترقة من الـ KGB اختار، من بين كل الأماكن في العالم، لقاء البابا في البلد الوحيد الذي تلاقت فيه جميع عمليات الـ KGB الدينية والسياسية والاستخباراتية. في الرحلة نفسها، التقى فيدل كاسترو، وأشاد به بوصفه «قائدًا سياسيًّا حقيقيًّا»، وأطّر ثورته بوصفها ذات أصول مسيحية. للتوثيق الكامل لأصول إدارة العلاقات الكنسية الخارجية الاستخباراتية وعملياتها ضد الفاتيكان باستخدام عملاء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، انظر الفصل 13: الـ KGB وإدارة العلاقات الكنسية الخارجية. في 13 شباط 2016، في قصر الثورة، مُنح البطريرك كيريل وسام خوسيه مارتي. من بين حامليه السابقين: سلفادور أليندي (1972)، ونيلسون مانديلا (1991)، وهوغو تشافيز (1999)، وألكسندر لوكاشينكو (2000)، وهو جينتاو (2011)، وفلاديمير بوتين (2014). يُمنح الوسام حصريًّا تقريبًا لرؤساء دول يشاركون الأيديولوجيا الثورية الكوبية؛ وكيريل هو الزعيم الديني الوحيد في القائمة. في كلمة قبوله، قال كيريل: Я вспоминаю лозунг, который в моей молодости часто произносили на улицах тогдашнего Ленинграда, особенно когда к нам приезжали высокие гости из Кубы и, в первую очередь, легендарный вождь революции Фидель Кастро Рус — этими словами я бы хотел закончить выражение своей благодарности Вам и кубинскому народу — Вива Куба! أتذكّر شعارًا كان يُردّد كثيرًا في شوارع لينينغراد في شبابي، خاصة حين كان يأتينا ضيوف بارزون من كوبا، وفي مقدّمتهم القائد الأسطوري للثورة فيدل كاسترو روز. بهذه الكلمات أودّ أن أختم تعبيري عن امتناني لكم وللشعب الكوبي: Viva Cuba! — البطريرك كيريل، كلمة قبول وسام خوسيه مارتي، قصر الثورة، هافانا، 13 شباط 2016 «القائد الأسطوري للثورة فيدل كاسترو روز.» «Viva Cuba!» هذه كلمات بطريرك موسكو، مُلقاة من قصر الثورة في ديكتاتورية شيوعية. البطريرك كيريل يلتقي فيدل كاسترو خلال زيارته لكوبا عام 2016. المصدر: Orthodox Church / YouTube. في اليوم نفسه، التقى البطريرك كيريل بفيدل كاسترو على انفراد في منزله لمدة ساعتين تقريبًا. وفقًا لوسائل الإعلام الكوبية الرسمية، «تبادل كاسترو وكيريل موضوعات تتعلّق بالفقر ومكافحة التمييز وحفظ السلام وبقاء الإنسان»، وجرى اللقاء «في جوّ مريح من الاحترام والتوافق». أشاد كاسترو تحديدًا بعمل كيريل الأيديولوجي: خلال اللقاء، أشاد فيدل بالبطريرك لمساهمته المهمة في تعزيز الصداقة بين الشعبين الروسي والكوبي ونشر القيم التي تجمعهما. — غرانما (الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الكوبي)، «البطريرك كيريل يزور فيدل»، 14 شباط 2016 «نشر القيم التي تجمعهما»: أيّ قيم تجمع كوبا الشيوعية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية بقيادة البطريرك كيريل؟ البطريرك كيريل يلتقي فيدل كاسترو في منزله، 13 شباط 2016. المصدر: El Universal / YouTube. شباط 2016: ثورة كاسترو «الإنجيلية» بعد عودته من جولته في أمريكا اللاتينية بفترة وجيزة، تحدّث البطريرك كيريل مع الصحفيين عن لقائه بفيدل كاسترو. تكشف تعليقاته كيف يرى الأخوين كاسترو وثورتهما الشيوعية: «Мне всегда было очень интересно с ним беседовать, тем более что он сам мне рассказал, как после смерти отца они с Раулем стали думать, что делать с их огромной латифундией. Получив воспитание в иезуитском колледже, они решили, что надо поступить так, как говорит Евангелие: раздай все нищим и будешь иметь сокровище на небе (см. Мф. 19:16).» كان من الممتع لي دائمًا أن أتحدث معه، خاصة أنّه هو نفسه أخبرني كيف بدأ هو وراؤول، بعد وفاة أبيهما، يفكّران فيما يفعلانه بضيعتهما الشاسعة. فبعد أن تلقّيا تعليمهما في مدرسة يسوعية، قرّرا أنّ عليهما أن يفعلا كما يقول الإنجيل: أعطِ كل شيء للفقراء ويكون لك كنز في السماء (انظر مت. 19:16). — البطريرك كيريل، مقابلة مع صحفيين بعد جولته في أمريكا اللاتينية، 22 شباط 2016 يقدّم البطريرك كيريل الثورة الشيوعية لأخوي كاسترو بوصفها مدفوعة بالإنجيل. يؤطّر قرارهما بمصادرة الملكية الخاصة وإعادة توزيع الثروة على أنّه طاعة لوصية المسيح «أعطِ كل شيء للفقراء». الآية التي يستشهد بها كيريل (متى 19:21) هي نصيحة المسيح للشاب الغني: «إن أردتَ أن تكون كاملاً فاذهب وبِع أملاكك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء». هذه دعوة إلى الفقر الطوعي والصدقة، لا إلى ثورة عنيفة. لم يأمر المسيح أحدًا قطّ بمصادرة ممتلكات الآخرين بالقوة وإنشاء معسكرات عمل وإعدام الآلاف. كانت «الضيعة» التي يشير إليها كيريل حقيقية: كان أبوهما أنخيل كاسترو يملك مزرعة قصب سكر مساحتها 25,000 فدان. حين توفي عام 1956، ورثها الأخوان. لكنّ آل كاسترو لم يتّبعوا الإنجيل. قال المسيح للشاب الغني أن يبيع ما يملكه هو ويعطي العائد للفقراء، بحرّية وطوعًا. قاد آل كاسترو ثورة مسلّحة صادرت ممتلكات الجميع بالقوة. في عام 1959، أمّموا جميع الملكيات الكبيرة تحت تهديد السلاح، بما فيها ضيعة عائلتهم نفسها، فأبعدوا حتى أمّهم في العملية. لم يكن هذا صدقة طوعية، بل مصادرة حكومية تحت تهديد السلاح. الصدقة من مال مسروق ليست صدقة مسيحية البتة. يسمّيها القديس يوحنا الذهبي الفم شيطانية: هذه الصدقات يهودية، بل هي شيطانية. فإنّ هناك، هناك الآن أيضًا، من يأخذون بالعنف أشياء لا تُعدّ ولا تُحصى من ممتلكات الآخرين، ويظنون أنّ عذرًا يُقدَّم عن كل شيء إن ألقوا عشر أو مئة قطعة ذهبية. عنهم يقول النبي أيضًا: «كسوتم مذبحي بالدموع» (ملاخي 2:13). المسيح لا يرضى أن يُغذّى من الطمع، ولا يقبل هذا الطعام. لماذا تهينون ربّكم بتقديم الأشياء النجسة له؟ من الأفضل أن يُترك الناس يهلكون من الجوع على أن يُطعَموا من هذه المصادر. — القديس يوحنا الذهبي الفم، العظة 85 على متى، Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الأولى، المجلد X، ص. 509 وماذا حلّ بالرجلين اللذين يُزعم أنّهما «أعطيا كل شيء للفقراء»؟ المقدم خوان رينالدو سانشيز، الذي خدم في حلقة كاسترو الأمنية الأقرب سبعة عشر عامًا، وثّق أكثر من عشرين قصرًا، وجزيرة خاصة، ويختًا بطول 88 قدمًا، ومنجم ذهب خاصًّا. بشأن ادّعاء كاسترو تخلّيه عن الثروة، كان سانشيز واضحًا: خلافًا لما كان يقوله دائمًا، لم يتخلَّ فيدل بأيّ شكل عن الرفاهية الرأسمالية ولم يختر حياة التقشف. بل على العكس، كان أسلوب حياته يشبه أسلوب حياة رأسمالي دون أيّ حدود. لم يعتقد أبدًا أنّ خطاباته تلزمه بعيش الحياة المتقشّفة لكل ثوري محترم؛ لم يمارس هو ولا راؤول الوصايا التي بشّرا بها مواطنيهما. — خوان رينالدو سانشيز، The Double Life of Fidel Castro (الحياة المزدوجة لفيدل كاسترو)، ص. 47-48 «لم يمارس هو ولا راؤول الوصايا التي بشّرا بها». الرجل الذي سمّى البطريرك كيريل ثورته طاعة إنجيلية عاش كملك بينما كان شعبه يتضوّر جوعًا ويغرق فارًّا على الأطواف. هذا نقيض الإنجيل: سرقة وإكراه وقتل في ثوب الرحمة. يعرف البطريرك كيريل ما تعلّمه المسيحية. تقديم ثورة كاسترو على أنّها طاعة إنجيلية لم يكن خلطًا، بل إضفاء شرعية على الديكتاتورية الشيوعية. تشرين الثاني 2016: وفاة كاسترو حين مات كاسترو في تشرين الثاني 2016، أرسل البطريرك كيريل تعازيه إلى راؤول كاسترو: Команданте Фидель был одним из самых известных и выдающихся государственных деятелей современности, снискал международный авторитет и еще при жизни стал легендой... В Русской Православной Церкви имя Фиделя Кастро неизменно произносят с уважением и благодарностью... В моем сердце навсегда сохранится добрая память об этом мужественном и харизматичном человеке, являвшимся искренним другом Русской Православной Церкви. كان الكوماندانتي فيدل أحد أشهر قادة الدولة وأبرزهم في العصر الحديث... في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، يُنطق اسم فيدل كاسترو دائمًا بالاحترام والامتنان... سأحتفظ في قلبي إلى الأبد بالذكرى الطيبة لهذا الرجل الشجاع الكاريزماتي، الصديق الصادق للكنيسة الأرثوذكسية الروسية. — البطريرك كيريل، رسالة تعزية بوفاة فيدل كاسترو، 26 تشرين الثاني 2016 كان فيدل كاسترو ديكتاتورًا وحشيًّا سجن نظامه الآلاف وعذّبهم وأعدمهم. قمعت حكومته الدين، وصادرت الممتلكات، وأرسلت سجناء الرأي إلى معسكرات العمل. ومع ذلك سمّاه بطريرك موسكو قائدًا بارزًا و«صديقًا صادقًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية». الذكرى الأبدية لجنود سوفيات أنتجت زيارة 2016 ما هو أسوأ من مديح كاسترو. في 13 شباط، وضع البطريرك كيريل إكليلاً عند نصب الجندي الأممي السوفياتي في هافانا. ثمّ قاد رجال الدين والجوقة الموسكوفية في ترتيل «الذكرى الأبدية» (Вечная память)، الترتيلة الجنائزية الأرثوذكسية التي تُنشد للراقدين المؤمنين. وفقًا لتقرير بطريركية موسكو نفسها، رُتّلت الترتيلة لـ«مقاتلي وطننا الذين بذلوا حياتهم من أجل هذا البلد وشعبه». «الذكرى الأبدية» صلاة ليتورجية لراحة نفوس المسيحيين الأرثوذكسيين. أصدر القديس يوحنا الشنغهائي والسان فرانسيسكي، أسقف في كنيسة المهجر الروسية مُمجَّد لمعجزاته وأرثوذكسيته الصارمة، مرسومًا يمنع هذه الصلوات لغير الأرثوذكسيين: يُذكَّر رجال الدين بأنّ الأشخاص المنتمين إلى الكنيسة الأرثوذكسية وحدهم يجوز تذكارهم في القداس الإلهي، إذ إنّ هذا التذكار يجعل الأشخاص المذكورين مشاركين في الخدمة الإلهية التي لا يجوز أن يشارك فيها إلا المسيحيون الأرثوذكسيون. — القديس يوحنا الشنغهائي والسان فرانسيسكي، مرسوم بشأن تذكار غير الأرثوذكسيين، المرسوم رقم 39، أبرشية أوروبا الغربية لكنيسة المهجر الروسية، 23 أيلول 1951؛ ومع ذلك قاد البطريرك كيريل هذه الصلاة لجنود دولة إلحادية، لم يُنشروا دفاعًا عن الإيمان بل في خدمة التوسّع الشيوعي أثناء الحرب الباردة. كانوا عسكريين سوفيات ماتوا في خدمة أيديولوجيا استشهد على يدها مسيحيون أرثوذكسيون أكثر من أيّ قوة في التاريخ. رفض الشهداء الجدد ترتيل «الذكرى الأبدية» لأغراض الدولة السوفياتية. فضّلوا الموت على السماح للترتيل الأرثوذكسي بأن يصبح أداة لإضفاء الشرعية على الشيوعية. سافر البطريرك كيريل إلى كوبا وفعل تمامًا ما رفضوا فعله. وهكذا قام البطريرك كيريل بالفعل ذاته الذي بذل الشهداء الجدد حياتهم رفضًا له: استخدام صلوات الكنيسة المقدسة لتكريم خدّام نظام إلحادي. ج. الحكم إذا كان القديس مكسيموس يعلّم أنّ السكوت أمام الضلال «بُغض للإنسان»، وإذا كان الشيخ غبريال يعلّم أنّ هذا السكوت هو النوع الثالث من الإلحاد، وإذا كان الشيخ أفرام يعلّم أنّ الماركسية هرطقة تستوجب وقف التذكار، وإذا كان رئيس الأساقفة أفيركي يعلّم أنّ المسيحية والماركسية لا تتوافقان جوهريًّا: فعلى أيّ أساس يمكن إعفاء مسايرة البطريرك كيريل للديكتاتوريين الماركسيين اللينينيين طوال 21 عامًا دون أن يصحّح أخطاءهم قطّ؟ شهادة كاسترو المنشورة، ومقابلات كيريل على موقع patriarchia.ru، وصحيفة الحزب الشيوعي، وتقارير بطريركية موسكو نفسها: كلّها تؤكّد النمط ذاته: أوسمة كنسية لديكتاتوريين، وصلوات ليتورجية لجنود ملحدين، ولغة إنجيلية لثورة شيوعية، وصمت حيث كان التصحيح مطلوبًا. إذا كان رئيس دولة ماركسية لينينية قمعت كل دين يقول إنّ البطريرك كيريل «لا يدين» الماركسية اللينينية، فإنّ البطريرك كيريل أخفق في الشهادة للمسيح. قد يعترض البعض بأنّ كيريل انتقد الماركسية والثورة البلشفية في سياقات أخرى، واصفًا عواقب الثورة بأنّها دراماتيكية وذات جذور روحية. لكنّ شهادة كاسترو تكشف الهوّة بين الخطاب والممارسة. قال كاسترو إنّ كيريل «لا يدين بالنار الأبدية أولئك الذين يناضلون من أجل عالم أفضل على أساس الماركسية اللينينية». ديكتاتور شيوعي اضطهد المسيحيين أدرك أنّ إدانات كيريل لا تمتدّ إلى الماركسيين اللينينيين الفعليين. هذا يجعل المسايرة ليست جهلاً، بل مساومة واعية. ولا يمكن تبرير العلاقة بأنّها تخدم احتياجات المسيحيين الأرثوذكسيين في كوبا. كُرّست الكاتدرائية بوصفها «نصبًا للصداقة الكوبية الروسية»؛ وذهبت الأوسمة الكنسية للديكتاتوريين، لا للمؤمنين الذين عانوا تحتهم. اختار الشهداء الجدد الموثّقون في الفصل 9: تمجيد السرجيانية وكنيسة الـ KGB الموت بدلاً من مسايرة الأيديولوجيا الشيوعية. أدانوا المتروبوليت سرجيوس لفعله تمامًا ما مدح كاسترو كيريل عليه. في عام 1927، أعلن سرجيوس «أفراحكم أفراحنا». وبدءًا من أواخر التسعينيات، بنى كيريل علاقة مع ديكتاتورية كاسترو الشيوعية امتدّت قرابة عقدين. النمط متطابق: تسلسل هرمي أرثوذكسي يساير السلطة الشيوعية، تفصل بينهما عقود، لكنّهما يتّحدان في الخيانة.