الأورانوبوليتية في مواجهة القومية
في 23 تشرين الثاني 2009، وقف البطريرك كيريل عند قبر كاهن مقتول ووصفه بأنّه «خادم أمين» بشّر بـ«كلمة الله». ذلك الكاهن كان الكاهن الشهيد دانيال سيسويف.
بعد خمسة عشر عامًا، كرّر تلميذ الكاهن الشهيد دانيال تعليم معلّمه أمام البطريرك كيريل. ماذا كان ردّ البطريرك كيريل؟ سخر منه.
سيرفض البعض هذا بوصفه مجرّد وطنية، حبًّا للبلد يشاركه أيّ مسيحي. لكنّ ما أدانه سيسويف لم يكن حبّ البلد. بل كان رفع الأمة فوق الكنيسة، وادّعاء التفوّق الروسي على الشعوب الأخرى.
أ. الشهادة: ما علّمه الكاهن الشهيد دانيال سيسويف

يُعرف الكاهن الشهيد دانيال سيسويف ويُحَبّ أكثر ما يكون بسبب عمله التبشيري وتحويل المسلمين إلى الأرثوذكسية من خلال كرازته.

لكن بينما يعرف العالم ثمره، غالبًا ما يتجاهل جذره. تبشير المسلمين لم يكن المحور الأساسي في تعليمه، كما يفترض كثيرون.

لو كان علينا أن نحدّد التعليم المحوري للكاهن الشهيد دانيال سيسويف، لكان ما سمّاه «الأورانوبوليتية» (من اليونانية أورانوس = سماء، بوليس = مدينة، بمعنى «المواطنة السماوية»)، مصطلح جديد لحقيقة إنجيلية قديمة.
تقول الأورانوبوليتية: «وطننا الحقيقي هو السماء؛ والكنيسة هي ولاؤنا الأسمى». في المقابل، تقول قومية العالم الروسي: «رسالتنا الحقيقية هي روسيا المقدّسة؛ والأمة ودورها الجيوسياسي يحدّدان الكنيسة».
صفحته على LiveJournal التي كان يكتب عليها كثيرًا تؤكّد هذا. أوّل وآخر تدوينتين للكاهن الشهيد دانيال كانتا كلتاهما عن الأورانوبوليتية، كما يشهد من وقّروه واتّبعوه:
الأورانوبوليتية نقطة مهمّة جدًّا وأساسية في كرازة الأب دانيال. بل هي أهمّ من كشف الإسلام وسائر الأوهام والهرطقات. لذلك، كانت أوّل تدوينة نشرها الأب دانيال على صفحته في LiveJournal عن الأورانوبوليتية. وآخر تدوينة نشرها، قبل ساعات قليلة فقط من استشهاده، كانت عن الأورانوبوليتية. لذلك، أجادل بأنّ الأورانوبوليتية هي الخيط الذهبي الذي يمتدّ عبر حياة الأب دانيال سيسويف بأكملها.
— لودميلا إيسيبينكو، الكاهن الشهيد دانيال سيسويف الذي كان وطنه دائمًا في السماء، https://orthochristian.com/127978.html.
ما الأورانوبوليتية إذًا بالضبط؟
كان الأب دانيال […] من أنصار الأورانوبوليتية (اشتقّ المصطلح من اليونانية أورانوس = سماء وبوليس = مدينة)، عقيدة الشرائع الإلهية التي تسبق الأرضية. يرى أتباع الأورانوبوليتية أنّ الشركة في المسيح تسود على القرابة الدموية أو العلاقات العرقية، وأنّ المسيحيين على الأرض ليسوا سوى حجّاج وغرباء من السماء.
— ملاحظة سيرية في الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، نظرة أرثوذكسية إلى الإسلام، ص. 52؛ منسوبة هناك إلى بوابة الإنترنت Азбука веры (أزبوكا فيري) (الصفحة المؤرشفة)
قد يعترض البعض: كلمة الأورانوبوليتية لا تظهر في كتابات الآباء، فلماذا يجب على المسيحيين الأرثوذكس أن يسمحوا بإدخال مصطلحات جديدة؟
أجاب الكاهن الشهيد دانيال سيسويف على هذا مباشرةً:
يطرح هذا السؤال كثير من أصدقائي، الذين يلاحظون بحقّ أنّ ما أكتبه هو ببساطة مسيحية عادية كما وردت في الكتاب المقدّس وفي آباء الكنيسة. سأحاول أن أشرح موقفي. في رأيي، تسلّل الكثير من الميثولوجيا المسيحية الزائفة إلى النظرة الكونية لكثير من الأرثوذكس المعاصرين، حتى أنّنا لو قلنا «ببساطة المسيحية»، سنُتَّهم بالبروتستانتية، وكلمة «الأرثوذكسية» في وعي عدد ضخم من الناس تعني شيئًا غير محدّد تمامًا ومجرّدًا.
ثمّ يسمّي سيسويف أمثلة محدّدة، منها إيغور كاربيتس، المنظّر الملكي القومي الروسي الذي ادّعى أنّه مسيحي أرثوذكسي، بينما كان يروّج لأفكار غنوصية ووثنية:
الآن كاربيتس يسمّي نفسه أرثوذكسيًّا (بالتصنيف العادي غنوصي عادي)، وعابد قياصرة (بالتصنيف التقليدي وثني)، وملحد مثل لوكاشينكو، إلخ. ونحن يعيقنا بشكل فظيع «نظرية الثيولوغومينا» حين يعتبر أيّ شخص يشاء نفسه صاحب حقّ في إسناد أيّ معانٍ لكلمة «الأرثوذكسية».
نواجه، في فهم الكنيسة العاملة في هذا العالم، المشكلة ذاتها التي واجهها آباء المجمع المسكوني الأول حين تكلّموا مع الآريوسيين. الكلمات ذاتها في وعي أشخاص مختلفين تحمل غالبًا معانيَ متناقضة. وفي الوقت ذاته، لا يزعج الناس تعبيرات مثل تلك التي رأيتها مؤخّرًا على لافتة في منطقة موسكو: «الكنيسة خدمت روسيا دائمًا». رغم أنّ الوصية الأولى من الوصايا العشر تحرّم خدمة أيّ أحد سوى الله.
وأعتقد أنّه من الضروري إدخال مصطلح جديد لا يستطيع أنصار «الأرثوذكسيات الهجينة» أن يوافقوا عليه. كلمة «الأورانوبوليتية» جديدة، ولذلك لا يمكن بعد تأويلها خطأً. إنّها ترسم بوضوح تام خطًّا فاصلاً بين المسيحية الأرثوذكسية و«المسيحية» الوطنية، وتفصل الإيمان الأرثوذكسي عن القومية والكوزموبوليتية والليبرالية على حدّ سواء. هذا المصطلح متجذّر في الكتاب المقدّس أكثر حتى من «هومو أوسيوس» (مساوٍ في الجوهر) النيقوي. المدينة السماوية مذكورة في الكتاب المقدّس مرارًا (رؤ 21-22، عب 11:10-16؛ 12:22؛ 13:14)، ولذلك فتعبير «الأورانوبوليتية» أو «المواطنة السماوية» هو ببساطة كتابي.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، «Уранополитизм: зачем нужен новый термин?» (الأورانوبوليتية: لماذا نحتاج مصطلحًا جديدًا؟)، LiveJournal، http://pr-daniil.livejournal.com/36530.html
كانت معارضة سيسويف للقومية ثابتة طوال خدمته. رفضه للافتة «الكنيسة خدمت روسيا دائمًا» يكشف ما كان يشهده يوميًّا في الحياة الكنسية الروسية. اصطدم الكاهن الشهيد دانيال سيسويف كثيرًا مع من روّجوا لهذا الرأي في روسيا، هو نفسه بالطبع ابن موسكو الأصيل، الذي وُلد وتربّى ورقد فيها.
مثال لافت يأتي من محادثة مسجّلة في كتاب التذكار Неизвестный Даниил (دانيال المجهول). حين بدأ آخرون بمناقشة السياسة ومدح «موسكو بوصفها روما الثالثة»، رفض سيسويف الميثولوجيا بالكامل. حدّد الولايات المتحدة، لا روسيا، بوصفها الكاتيخون (الممسك/المعيق) المعاصر، وأعلن أنّ المسيحيين الأرثوذكس وغير الأرثوذكس يشكّلون «حضارة مسيحية واحدة» في مواجهة الإسلام. هذه أورانوبوليتية صرفة مطبّقة على الجيوسياسة: الإيمان يتفوّق على الأمة، والحدود المهمّة هي بين المسيح وضدّ المسيح، لا بين روسيا وأميركا.
كانت نقطة سيسويف جيوسياسية، لا إكليسيولوجية: كان يهدم ميثولوجيا «روما الثالثة»، لا يؤيّد الوحدة اللاهوتية مع الطوائف غير الأرثوذكسية. كتاباته المناهضة للمسكونية الواسعة تؤكّد هذا. الاقتباس الكامل ومقارنته المدمّرة مع ادّعاءات البطريرك كيريل نفسه بشأن الكاتيخون يُفحصان في الفصل 18.
لماذا قارنها بآباء نيقية:
قارن الكاهن الشهيد دانيال سيسويف صراحةً ابتكاره لمصطلح «الأورانوبوليتية» بآباء المجمع المسكوني الأول الذين أدخلوا «هومو أوسيوس» (مساوٍ في الجوهر) لمحاربة الآريوسية. كما أنّ «هومو أوسيوس» كان مصطلحًا جديدًا لُزم لأنّ اللغة الموجودة أفسدها الهراطقة الذين استخدموا الكلمات ذاتها ليعنوا أشياء متناقضة، كذلك كانت «الأورانوبوليتية» ضرورية: كلمة «الأرثوذكسية» استولى عليها القوميون والمسكونيون والأخلاقيون لدرجة أنّها حملت معانيَ لن يعترف بها الآباء.
حين بدأ المنتقدون في الفضاء الإلكتروني الروسي بتسمية الأورانوبوليتية «هرطقة معادية للمسيحية خطيرة»، ردّ الأب دانيال بنشر قائمة «أورانوبوليتيين عظام» من تاريخ الكنيسة:
قرّرت هنا، كبداية، نشر قائمة بالقدّيسين الأورانوبوليتيين البارزين. رأيت في الفضاء الإلكتروني أنّ الأورانوبوليتية تُسمّى «هرطقة معادية للمسيحية خطيرة» :(. إذًا. الأورانوبوليتيون يشملون: القديس إبراهيم، القديس إسحق، القديس يعقوب. القديس لاوي، النبي القديس موسى. الملك والنبي القديس داود. الملك سليمان. النبي إشعياء. النبي دانيال. الشهداء المكابيون. الرسول بطرس. الرسول بولس. الرسول يوحنا. الرسول يعقوب أخو الرب. القديس إكليمندس بابا روما. القديس إغناطيوس حامل الإله. القديس يوستينوس الفيلسوف. القديس إيريناوس أسقف ليون. القديس كبريانوس القرطاجي. القديس أثناسيوس الكبير. القديس كيرلّس الإسكندري. القديس باسيليوس الكبير. القديس غريغوريوس اللاهوتي. القديس يوحنا الذهبي الفم. القديس غريغوريوس النيصي. المغبوط أوغسطينوس أسقف هيبو. القديس إسحق السرياني. القديس أنطونيوس الكبير. القديس مكاريوس الكبير. القديس يوحنا السُّلَّمي. القديس سمعان اللاهوتي الجديد. القديس غريغوريوس بالاماس. القديس ثيوفان الحبيس. القديس إغناطيوس بريانتشانينوف. الشهيد القديس إسطفانوس. هؤلاء هم القدّيسون الذين تتبادر إلى الذهن فورًا أقوالهم الأورانوبوليتية. فأيّ محارب للأورانوبوليتية يمكنه أن يرى بسهولة مدى تغلغل هذا التعليم في الكنيسة :).
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، «Великие уранополиты-1» (الأورانوبوليتيون العظام، الجزء الأول)، LiveJournal، http://pr-daniil.livejournal.com/51722.html[1]
حين كتب أحد المعلّقين «استنتاج متسرّع»، ردّ الأب دانيال:
أنت محقّ. ثمّة قدّيسون أورانوبوليتيون أكثر بكثير. سأصحّح هذا وأضيف خمسين آخرين.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، ردّ على تعليق في «Великие уранополиты-1»، LiveJournal
لاحظ أنّ هذه معرفة أرثوذكسية صحيحة: السؤال ليس أبدًا «ماذا أظنّ أنا؟» بل «ماذا يعلّم الآباء؟» وهذا درس مهمّ يحتاج المسيحيون الأرثوذكس في هذا الزمن أن يتعلّموه، وألاّ يتّكلوا على عقولهم الذاتية.
تسمّي قائمة سيسويف أنبياء ورسلاً وهيراركيين. أمّا الحاكم الأورانوبوليتي النموذجي، السيّد الأرثوذكسي المُقدَّس الذي جسّد هذا التعليم في ساعة وفاته، فهو القيصر لعازر الصربي، الذي صحّحت صلاته عند الموت ضمير الملكية: «ليس شعبي بل شعبك يا ربّ». قصّته مفصّلة في الفصل 21.
هكذا، ليس هذا التعليم من الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، بل هو ببساطة كلمة جديدة تمثّل تعليمًا كتابيًّا تبنّاه آباء وقدّيسون عديدون.
تعريف سيسويف: ما هي القومية؟
لم يكن سيسويف يتكلّم بشكل مجرّد. حدّد خصائص محدّدة وملموسة للقومية وحذّر من اقترانها بالمسيحية. حين سُئل «كيف تجتمع القومية مع المسيحية؟»، أجاب بوضوحه المعهود:
كيف تجتمع القومية مع المسيحية؟
اقتران القومية بالمسيحية تعليم خاطئ. يمكننا أن نصلّي من أجل روسيا، لكن لا يمكننا أن نصلّي لروسيا ذاتها. حين يبدأ نقاش حول القومية، تنشأ المشاكل بسبب المصطلحات. الناس يفهمون كلمة «القومية» على أنّها تعني كلّ شيء تحت الشمس. حين أقول إنّ القومية لا يمكن أن تجتمع مع المسيحية، أفهم كلمة «القومية» كما تفهمها أيّ موسوعة عادية. وفق أيّ موسوعة، لهذا المصطلح تعريفان. الأوّل هو فكرة الدور الحصري، تفوّق أمّتي على جميع الأمم الأخرى. المسيحي لن يقول أبدًا إنّنا أفضل من غيرنا لأنّنا روس. النوع الثاني من القومية المذكور في الموسوعة هو التأكيد أنّ الأمة هي أعلى أشكال التنظيم الاجتماعي. المسيحي لن يوافق على هذا أيضًا. أعلى شيء في العالم هو الكنيسة.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، أسئلة إلى كاهن، السؤال 98
ثم ميّز سيسويف بين القومية والوطنية المشروعة:
الوطنية هي حبّ الوطن، وهذه المشاعر طبيعية. حبّ أمّة المرء أيضًا شعور طبيعي ولا يحتاج إلى تسمية. مثلاً، قد يحبّ المرء لغته الأم، وهذا طبيعي. قد يحبّ الثقافة التي نشأ فيها، وهذا طبيعي أيضًا. هذه حالة إنسانية بسيطة وعادية. حين يحبّ المرء أمّه لا حاجة لاختراع مصطلح لذلك. ثمّة حبّ خاص للأبناء؛ عندي ابنة مثلاً وأنا أحبّها. هذه ليست صفة سيئة: هذه حالة إنسانية طبيعية.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، أسئلة إلى كاهن، السؤال 98
هذا التمييز يؤسّس أنّ نقد سيسويف لم يكن لحبّ الأمة، بل لـخطأين لاهوتيين محدّدين:
- ادّعاء التفوّق القومي: الإيمان بأنّ أمّة المرء أفضل من غيرها
- رفع الأمة فوق الكنيسة: جعل الهوية القومية المبدأ التنظيمي الأعلى
وصف سيسويف كيف يبدو هذا عمليًّا:
مثلاً، يسمع المرء أنّ الروس، لأنّهم روس، هم أرثوذكس بالفعل. في مقال قرأته، رأيت تأكيدًا أنّ حتى الملحدين أرثوذكس حقًّا إن كانوا جزءًا من الثقافة الروسية. هذا استبدال الإيمان بالثقافة. الأرثوذكسية هي وحي الله، محفوظة بشكل نقيّ منذ أزمنة الرسل. يرى المرء الآن محاولات من البعض لاستبدال العهد الجديد بأساطير قومية، بما فيها أساطير قديمة حاربتها الكنيسة دائمًا.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، “دم الشهداء بذار الكنيسة: حياة واستشهاد المبشّر البار الأب دانيال سيسويف”، The Orthodox Word، العدد 268، أيلول-تشرين الأول 2009، ص. 213-215
فكرة أنّ الملحدين أنفسهم أرثوذكس إن كانوا جزءًا من الثقافة الروسية هي شيء صرّح به البطريرك كيريل نفسه، واصفًا الملحدين السوفيات بأنّهم «مسيحيون أرثوذكس بشكل بدائي» لأنّهم «بقوا ضمن المنظومة القيمية ذاتها» (انظر الفصل 13).
شهادة آبائية إضافية
لم يكن تعليم سيسويف مبتدعًا. القديس قزما الأيتولي، اليوناني المعادل للرسل في القرن الثامن عشر، علّم المبدأ ذاته:
نحن، أيّها المسيحيون إخوتي، ليس لنا وطن هنا. لهذا السبب خلقنا الله ورؤوسنا منتصبة ووضع عقولنا في الجزء الأعلى، لكي نتأمّل دائمًا الملكوت السماوي: وطننا الحقيقي.
— القديس قزما الأيتولي، المعادل للرسل، Διδαχές (التعاليم)، http://users.uoa.gr/~nektar/orthodoxy/tributes/patrokosmas/didaxai.htm[2]
الخلاص الأبدي، لا الحدود الأرضية، يحدّد المواطنة الحقيقية.
القديس يوحنا كرونشتادتي، أحبّ قدّيس روسي في عصره، أحبّ روسيا. لكنّه أحبّها بحبّ نبويّ: مستعدًّا لإعلان دينونة الله على الأمة التي خدمها:
روسيا تتمرّد وتعاني وتتعذّب من الصراعات الداخلية الدموية، ومن فشل الأرض في إعطاء المحاصيل ومن المجاعة، ومن الأسعار المرتفعة بشكل مخيف لجميع البضائع، ومن الإلحاد، ومن الفوضى والانحدار الأخلاقي الشديد. مصير محزن يلهم تأمّلات كئيبة. لكنّ العناية الإلهية الكريمة لن تتخلّى عن روسيا في هذه الحالة الحزينة والمهلكة. ستؤدّبها بعدل وتقودها إلى الولادة الجديدة. أحكام الله العادلة تُنفَّذ على روسيا…
[…]
الشعب الروسي والقبائل الأخرى التي تسكن روسيا فاسدون بعمق؛ أتون التجارب والمصائب ضروري للجميع، والرب، إذ يريد ألاّ يهلك أحد، يحرقهم جميعًا بدقّة في هذا الأتون.
— القديس يوحنا كرونشتادتي، منقول في إ. ك. سورسكي، القديس يوحنا كرونشتادتي، ترجمة دير التجلّي المقدّس (2018)، ص. 317-318
قدّيس رأى أمّته «فاسدة بعمق» وتحت «تأديب الله العادل» لا يمكن الاستشهاد به كشاهد على اللاهوت الذي يرفع روسيا إلى مرتبة ذات أهمية روحية كونية، ولا يمكن وصمه بأنّه معادٍ لروسيا.
اعتراف البطريرك كيريل
قد يظنّ البعض أنّ بإمكانه رفض تعليم الكاهن الشهيد دانيال سيسويف… لكنّه عاش في حضن روسيا. وفوق ذلك، اعترف به تمامًا ذاك الذي هو موضوع هذا الكتاب بالذات.

البطريرك كيريل، واقفًا أمام الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، أكّده بوصفه مبشّرًا بالله، وخادمًا أمينًا، وشهيدًا:
Отец Даниил был широко известен православным христианам не только столицы, но и многих других епархий. Его ревностные труды на ниве проповеди слова Божия, заботы по приобщению людей к вере Христовой, попечение о духовных нуждах молодежи снискали ему уважение собратьев пастырей и представителей общественности.
Вместе с тем его твердая миссионерская позиция и вдохновенный образ отпечатывались в сознании людей, ищущих дорогу к храму, яркостью, эмоциональностью, глубиной явленной веры и упования на Господа.
Господь призвал к Себе Своего верного служителя, даровав ему возможность явиться исповедником веры и мучеником за дело Евангельского благовестия.
كان الأب دانيال [سيسويف] معروفًا على نطاق واسع لدى المسيحيين الأرثوذكس ليس فقط في العاصمة بل في أبرشيات عديدة أخرى. أعماله الغيورة في حقل الكرازة بكلمة الله، وجهوده لتقريب الناس من الإيمان بالمسيح، وعنايته بالاحتياجات الروحية للشباب، أكسبته احترام إخوته الرعاة وممثّلي المجتمع.
في الوقت ذاته، موقفه التبشيري الراسخ وصورته الملهمة والحيوية والعاطفية تركا بصمة في وعي الباحثين عن طريق إلى الكنيسة، أُعجبوا بعمق إيمانه وتوكّله على الرب.
الرب دعا إليه خادمه الأمين، مانحًا إيّاه فرصة ليكون معترفًا بالإيمان وشهيدًا من أجل قضية البشارة الإنجيلية.
— البطريرك كيريل، تعازٍ بوفاة الأب دانيال سيسويف، 20 تشرين الثاني 2009، https://mospat.ru/news/58169/
وقف البطريرك كيريل عند قبر شهيد علّم أنّ «القومية لا يمكن أن تجتمع مع المسيحية» ووصفه بأنّه «خادم أمين» بشّر بـ«كلمة الله».
بعد فهم كلّ هذا، أيّ دليل إضافي سيُظهر الميل نحو القومية؟
ب. الأدلّة: ما يعلّمه البطريرك كيريل
المعيار الأول: ادّعاء الدور الحصري والتفوّق القومي
في مقابلة عيد الميلاد في كانون الثاني 2026، شرح كيريل لماذا يعتقد أنّ الغرب يعارض روسيا:
Всё неслучайно, потому что мы представляем очень привлекательную альтернативу цивилизационного развития. Мы предлагаем ценности, от которых Запад отказался и отказывается… Удивительно, но наша страна является сегодня защитником традиционных ценностей, касающихся человеческой личности. Мы не принимаем то, что сегодня принято на Западе под лозунгом «права человека», но что на самом деле направлено на разрушение человеческой нравственности.
كلّ شيء ليس مصادفة، لأنّنا نمثّل بديلاً جذّابًا جدًّا للتطوّر الحضاري. نحن نقدّم قيمًا رفضها الغرب ويرفضها… من المدهش أنّ بلدنا اليوم هو المدافع عن القيم التقليدية المتعلّقة بالشخصية الإنسانية. نحن لا نقبل ما هو مقبول في الغرب اليوم تحت شعار «حقوق الإنسان»، لكنّه في الواقع موجّه نحو تدمير الأخلاق الإنسانية.
— البطريرك كيريل، مقابلة عيد الميلاد، Rossiya 1، 7 كانون الثاني 2026، https://www.patriarchia.ru/article/119155
هذا بالضبط تعريف سيسويف الأول للقومية: الإيمان بتفوّق أمّة المرء على الأمم الأخرى.
يعلّم كيريل أنّ لروسيا أهمية كارثية كونية من خلال عقيدة الكاتيخون (باليونانية: τὸ κατέχον، «ذاك الذي يمسك/يعيق»). الكاتيخون قوة غامضة مذكورة في 2 تسالونيكي 2:6-7 تمنع ظهور ضدّ المسيح. يدّعي تعليم كيريل أنّ روسيا تحديدًا تحقّق هذا الدور الكتابي في إعاقة الشرّ الكوني. بعبارة أخرى، روسيا، بوجودها ذاته كأمة، تؤدّي وظيفة خلاصية للبشرية جمعاء. (الاقتباس الكامل مع النصّ الروسي الأصلي والتحليل الآبائي في الفصل 18.)
يتجاوز الادّعاء الوطنية بمراحل: لروسيا «دور حصري» يفوق أيّ أمة أخرى. توبيخ سيسويف مباشر: «المسيحي لن يقول أبدًا إنّنا أفضل من غيرنا لأنّنا روس». لكنّ كيريل يعلّم بالضبط هذا: أنّ روسيا في وضع روحي أفضل لقيادة البشرية، وأنّ روسيا هي «الممسك»، بينما الغرب سقط في «الشيطانية».
المعيار الثاني: جعل الأمة أعلى أشكال التنظيم الاجتماعي
البطريرك كيريل يُخضع الكنيسة للمصالح القومية الروسية:
علّم سيسويف: «أعلى شيء في العالم هو الكنيسة». أفعال كيريل تُظهر المبدأ المعاكس: أنّ أعلى شيء هو روسيا ذاتها.
تأمّل الأدلّة التالية:
قطع الشركة بسبب الولاية القضائية، لا بسبب الهرطقة: حين منح البطريرك المسكوني برثلماوس الاستقلال الذاتي لكنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية تحت «المتروبوليت» إبيفانيوس دومينكو في 2018-2019 (انظر الفصل 28)، ردّ كيريل بقطع الشركة الكاملة مع القسطنطينية. لاحظ الأولويات التي يكشفها هذا: كيريل لم يقطع الشركة قطّ بسبب الأخطاء اللاهوتية الموثّقة في هذا الكتاب، لا بسبب الصلاة المشتركة مع الهراطقة، ولا بسبب الحركة المسكونية، ولا بسبب أيّ مسألة عقائدية. لكن حين هدّد الاستقلال الكنسي الأوكراني المطالبات القضائية الروسية، تصرّف فورًا. المسألة الوحيدة التي دفعته لقطع الشركة لم تكن مسألة إيمان، بل مسألة أرض قومية.
إخضاع الخلاص لاهوتيًّا للخدمة القومية: في عظته في أيلول 2022، أعلن كيريل: «إن مات أحد، مدفوعًا بإحساس الواجب وضرورة الوفاء بالقَسَم، وبقي أمينًا لدعوته وهلك في أداء الواجب العسكري، فإنّه بلا شكّ يقوم بعمل يعادل الذبيحة… ولذلك نؤمن أنّ هذه الذبيحة تغسل جميع الخطايا التي ارتكبها الإنسان» (انظر الفصل 17: لاهوت الحرب عند البطريرك كيريل: الادّعاءات).
هذا التعليم يجعل الخدمة العسكرية الروسية، الموت في سبيل الدولة الروسية، طريقًا للخلاص مستقلاًّ عن المسيح وأسراره. الأمة أصبحت وسيلة الفداء. حذّر سيسويف: «لا يمكننا أن نصلّي لروسيا ذاتها»، لكنّ كيريل يعلّم أنّ الموت من أجل روسيا يغسل الخطايا، جاعلاً روسيا ذاتها فادية.
تنظيم الكنيسة بحسب القومية لا بحسب الإيمان: يصرّ كيريل على أنّ الروس والأوكرانيين والبيلاروس «هم فعلاً شعب واحد» ولذلك لا يمكن أن تكون لهم كنائس منفصلة. يجعل الولاية الكنسية مرهونة بالانتماء العرقي والقومي بدلاً من الإيمان الرسولي والأصول القانونية. كما صرّح: «نحن شعب واحد ينبع من جرن المعمودية الكييفي»، ولذلك لا يمكن للأوكرانيين أن يكون لهم كنيسة مستقلّة.
هذا يقلب مبدأ سيسويف القائل إنّ «القرابة الرئيسية والوحيدة بين الناس ليست الدم أو بلد المنشأ، بل القرابة في المسيح». يجعل كيريل الانتماء القومي محدّدًا لبنية الكنيسة، وهي بالضبط القومية التي أدانها سيسويف.
هكذا، بمعايير الكاهن الشهيد دانيال سيسويف نفسه، يستوفي البطريرك كيريل كلا تعريفي القومية: ادّعاء التفوّق الروحي الروسي الحصري (الفصول 17-18) وإخضاع الكنيسة للمصالح القومية.[3]
وهنا يصبح الأمر مثيرًا. ماذا يحدث… حين يطبّق أحدهم فعلاً تعليم سيسويف بحضور كيريل؟
سنرى الآن، إذ صُوِّر كلّ شيء بالفيديو.
البرهان الحيّ: الأب أليكسي شليابين يواجه البطريرك كيريل

في 11 شباط 2025، في اجتماع إكليريكي لمتروبولية موسكو، وقف كاهن يبلغ 49 عامًا اسمه الأب أليكسي شليابين ليتكلّم. كانت أوراق اعتماده لا تشوبها شائبة: رُسم عام 1998، تلميذ الكاهن الشهيد دانيال سيسويف في المعهد الإكليريكي، ومُنح مؤخّرًا الباليتسا (وسام ليتورجي يُمنح للخدمة المتميّزة) عام 2022. كان كاهنًا أمينًا منذ 27 عامًا درس على يد الشهيد ذاته الذي مدحه البطريرك كيريل بوصفه «خادمًا أمينًا».[4]
في هذا الاجتماع الإكليريكي، كان المجتمعون يتداولون قرارًا لاعتماده من إكليروس متروبولية موسكو. البند 11 من هذا القرار دعا الكهنة إلى «تعزيز حبّ الوطن» («укреплять любовь к Родине») في رعاياهم. حين اقترب الأب أليكسي من الميكروفون، همس أحدهم في الجمهور بصوت مسموع: «صوِّر، صوِّر، سيحدث الآن» («Снимай, снимай, сейчас будет»).[4]
كانوا محقّين. كان على وشك أن يحدث.

الفيديو بالروسية، لكن يُنصح بشدّة بمشاهدته أوّلاً ثم قراءة النصّ، إذ لا يمكن التقاط الأسلوب والسلوك في التبادل بالنصّ وحده.[5]
ليس صحيحًا بطريقة ما أنّ كلمتي «الوطن» و«الوطن الأم» تُكتبان بحرف كبير في الوثائق الكنسية، بنوع من الإجلال لهذه المفاهيم الأرضية. بالنسبة للمسيحي، «الوطن» و«الوطن الأم» هو ملكوت السماوات، الفردوس. لكنّ هذه مفاهيم أرضية محضة. مثلاً، حتى حين تُستخدم كلمة «الإيمان» مخاطبةً المؤمنين الأرثوذكس، تُكتب بحرف صغير. وهذه المفاهيم أيضًا يجب أن تُكتب كذلك في الوثائق. انظروا إليها؛ هذه أسماء عامّة، لا أسماء علم. لذلك أردت فقط أن أعبّر عن هذا الاعتراض على مثل هذه الميول، حسنًا، الوطنية، بشكل عام في الوثائق الكنسية، وبشكل عام في حياة كنائسنا المحلية. واجب الكاهن أن يقود الناس إلى ملكوت السماوات، لا أن ينخرط في الوطنية (патриотизмом) إذا جاز التعبير.
— الأب أليكسي شليابين، اجتماع إكليروس متروبولية موسكو، 11 شباط 2025، https://www.youtube.com/watch?v=JixfKE9U3kU[6]
لاحظ أنّ الكلمة الروسية التي استخدمها الأب أليكسي هي تحديدًا патриотизмом (الوطنية)، لا национализмом (القومية). هذا مهمّ: هو لا يدين القومية فحسب، التي قد ينبذها حتى كيريل نظريًّا. بل يقول إنّ حتى الوطنية، الشكل الأخفّ من التفاني القومي، ليست من شأن الكاهن. هذا يجعل نقده أصعب على الرفض.
ما أوجزه الأب أليكسي هنا هو ببساطة الأورانوبوليتية، تمامًا كما عبّر عنها الكاهن الشهيد دانيال سيسويف. على موقعه الإلكتروني الذي أُزيل لاحقًا، كان الأب أليكسي قد كتب باستفاضة في هذا الموضوع:
الدولة والمجتمع والعالم يريدون أن يبقى الناس مواطنين للأرض. محترمين، ملتزمين بالقانون، رعايا مخلصين، لكن مواطنين للأرض. لكنّهم يرفضون السماح للناس بأن يصبحوا مواطنين للسماء، رعايا الملك السماوي، أو محرّرين من سلطة هذا العالم. بعبارة أخرى، يسعى العالم لاستخدام المسيحية لدعم أيديولوجياته، لإرضاء تطلّعاته الأرضية والوثنية. لكنّه في الوقت ذاته يكره المسيح، ويكره الصليب، ولا يتحمّل كلمة الله النقية. لكن يجب ألاّ ندعم الأيديولوجيات الحكومية والاجتماعية، وتطلّعات هذا العالم… يجب أن نعلّم لا الوطنية، ولا الدراسات المحلية، ولا الثقافة إلخ، بل فقط وحصريًّا المسيحية.
— الأب أليكسي شليابين، من موقعه المحجوب shlyapin.ru، منقول في نوفايا غازيتا، https://novayagazeta.eu/articles/2025/02/15/tsarstvo-zemnoe-prezhde-nebesnogo[7]
في عام 2012، في ندوة رعوية في عمادة موجايسك، كان الأب أليكسي قد صرّح فعلاً:
في الوعي الكنسي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ثمّة صورة نمطية زائفة فرضتها الدولة والأمة، وهي أنّ الوطنية عنصر من عناصر المسيحية. في الواقع، الوطنية نظرة كونية وثنية. هذا أحد أمراض الوعي الكنسي.
— الأب أليكسي شليابين، ندوة رعوية، عمادة موجايسك، 2012؛ منقول في ليرا فورمان، “ملكوت الأرض قبل ملكوت السماء”، Novaya Gazeta Evropa، 15 شباط 2025، https://novayagazeta.eu/articles/2025/02/15/tsarstvo-zemnoe-prezhde-nebesnogo
يرجى الانتباه. هذا كاهن روسي أمين، تلميذ لقدّيس معاصر هو الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، يتكلّم ضدّ خطأ في الوعي الكنسي في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. هذا مهمّ جدًّا للمراقبين أن يستوعبوه، إذ سيُضلَّلون ليظنّوا أنّ هذه المشاعر في هذا الفصل والكتاب تتعلّق بأشخاص آخرين يكونون قساة مع روسيا. هذا سخيف ولا أساس له. هذا التأديب الصحيح للوعي الكنسي في روسيا يأتي أيضًا من روس. هذه ليست مسألة تمييز أو بروباغندا. من يؤمنون بهذا يختارون الإيمان به دون أيّ برهان أو دليل.
عودةً إلى الموضوع؛ الأب أليكسي في التعبير عن آرائه كان ببساطة يعبّر عمّا علّمه معلّمه سيسويف، وما علّمه القديس قزما، وما علّمه الآباء دائمًا: أنّ واجب الكاهن أن يقود الناس إلى ملكوت السماوات، لا أن يخدم المصالح القومية. ظلّ يقول هذا لأكثر من عقد. صار مشكلة فقط حين قاله في وجه البطريرك كيريل.
بعد تأسيس كلّ هذا، لنفحص الآن كيف ردّ البطريرك كيريل. لمن صبروا وقرأوا الفصل كاملاً حتى الآن، سيكون من الصعب جدًّا رفض الردّ المُعطى.
كيف ردّ البطريرك كيريل؟
أوّلاً، همس البطريرك كيريل بشيء قبل أن يلتقط الميكروفون ردّه الكامل. وفق نوفايا غازيتا، أشار كيريل إلى نبوءة من شيخ اسمه الأب يونا. هذه النبوءة تقول إنّ المسيحيين الأرثوذكس يجب أن ينفصلوا عن البطاركة الذين «يوافقون الحكومة» حين «لا تقود الحكومة الناس في الاتجاه الصحيح»:
[إذا] وافق بطريرك الحكومة، والحكومة تقود في الاتجاه الخاطئ، فهذا أيضًا خطؤه… إن باركهم على هذا، فهو مخطئ… إن باركهم خطأً، يجب أن يُنبَّهوا إن كانوا يقودون الشعب في الاتجاه الخاطئ.
— الأب يونا الأوديسي، منقول في ليرا فورمان، “Царство Земное прежде Небесного”، Novaya Gazeta Evropa، 15 شباط 2025؛ النص الروسي مُتحقَّق منه مقابل الفيديو المُشار إليه فيها.[4]
تأمّل المفارقة: استدعى البطريرك كيريل نبوءة تدين هو ذاته. النبوءة تتحدّث عن هيراركيين يُخضعون الكنيسة لمصالح الدولة. همس كيريل بها كأنّه يرفض مخاوف الأب أليكسي، لكنّ النبوءة تصف بالضبط ما فعله كيريل نفسه: أخضع الكنيسة لحكومة بوتين وبارك حربها.
ثم جاء الردّ العلني:
Хорошо, да? Вы, батюшка, случайно не из западной Украины? [Смех и аплодисменты аудитории] Идите, садитесь и серьезно подумайте над всем, что вы здесь ляпнули.
جيّد، أليس كذلك؟ أنت يا أبتِ، ألست من أوكرانيا الغربية مصادفةً؟ [تصفيق وضحك ساخر من الجمهور] اذهب واجلس وفكّر جدّيًّا في كلّ ما تفوّهت به هنا.
— البطريرك كيريل، اجتماع إكليروس متروبولية موسكو، 11 شباط 2025، https://meduza.io/en/feature/2025/02/12/are-you-from-western-ukraine
ردّ البطريرك كيريل كان أن سخر من الكاهن بالتصنيف العرقي، سائلاً إن كان «من أوكرانيا الغربية»، وآمرًا إيّاه بأن «يجلس ويفكّر جدّيًّا في كلّ ما تفوّه به هنا».
وجمهور الكهنة والهيراركيين؟ لم يجلسوا في صمت مذهول. صفّقوا. ضحكوا ساخرين.
لاحظ أيضًا التناقض الذاتي. يصرّ البطريرك كيريل باستمرار أنّ الروس والأوكرانيين والبيلاروس «هم فعلاً شعب واحد» ينبعون من «جرن المعمودية الكييفي». لا حدود للدولة في «العالم الروسي». لكن… حين يستشهد كاهن بالقدّيسين، غريزة كيريل أن يسأل إن كان «من أوكرانيا الغربية»، كأنّ الأصل الجغرافي داخل وحدته الحضارية المدّعاة يُسقط أهلية الرجل من الكلام.
سؤال لمن يدافعون عن البطريرك كيريل: إن كان العالم الروسي فعلاً شعبًا واحدًا، فلماذا تعمل «أوكرانيا الغربية» كشتيمة لإخجال أحدهم؟
تكشف نكتة البطريرك كيريل ما تخفيه العقيدة: «العالم الروسي» ليس وحدة روحية بل تراتبية، موسكو في القمّة وأوكرانيا تحتها. كيريل لا يؤمن بلاهوته الخاص. يؤمن بالتفوّق الروسي.
في أعقاب ذلك، دافع كيريل عن موقفه بسرجيانية صريحة:
Церковь не вспомнила о своем тяжелом положении, она сделала все, чтобы вдохновить свой народ на борьбу. И к чему это привело? К радикальному изменению положения Церкви в нашей стране. Церковь не может не быть со своим народом, Церковь не может не быть ответственной за судьбу страны.
الكنيسة لم تتذكّر وضعها الصعب؛ فعلت كلّ ما بوسعها لإلهام شعبها على القتال. وإلى ماذا أدّى هذا؟ إلى تغيير جذري في وضع الكنيسة في بلدنا. الكنيسة لا يمكن ألاّ تكون مع شعبها؛ الكنيسة لا يمكن ألاّ تكون مسؤولة عن مصير البلد.
— البطريرك كيريل، اجتماع إكليروس متروبولية موسكو، 11 شباط 2025، https://www.youtube.com/watch?v=JixfKE9U3kU
الحجّة شفّافة: الكنيسة اضطُهدت بوحشية تحت السلطات الملحدة، لكن بدلاً من مقاومة النظام، دعمت المجهود الحربي السوفياتي، وهذه الخنوع «أدّى إلى تغيير جذري في وضع الكنيسة». الخضوع للدولة كوفئ بالبقاء المؤسّسي. من يفهمون السرجيانية تمامًا سيدركون أنّ هذه سرجيانية بحتة (انظر الفصل 9). الشهداء الجدد الذين ماتوا رافضين إخضاع الكنيسة للسلطات الملحدة لن يوافقوا البطريرك كيريل. كنيسة الروس في المهجر (ROCOR) وُجدت لـعقود شاهدةً ضدّ هذا الموقف بالذات.
النمط ثابت. في مؤتمر مجلس الشعب الروسي العالمي في تشرين الثاني 2024، حثّ البطريرك كيريل الروس على عدم الخوف من «ما يُسمّى “نهاية العالم”» (так называемого «конца света»)، وهي عبارة وصفها بالترهيب العلماني، مؤكّدًا في الوقت ذاته دور روسيا بوصفها الكاتيخون، الممسك ضدّ ضدّ المسيح.[8] في سياقه، يستخدم «نهاية العالم» لرفض الخطاب الغربي الأخروي بينما يضع الانتصار العسكري الروسي بوصفه ضرورة أخروية.
المسيح يقول: «اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه» (متى 6:33). البطريرك كيريل يقلب هذا: الكنيسة يجب أن تكون «مسؤولة عن مصير البلد» أوّلاً. ملكوت الأرض قبل ملكوت السماء. هذا هو القلب الذي سمّاه الأب أليكسي شليابين، ولأنّه سمّاه، أُسكت.
عواقب الكلام
بعد هذه المواجهة العلنية، أفادت مصادر إخبارية أرثوذكسية روسية متعدّدة أنّ الأب شليابين استُدعي من سلطاته الأبرشية لتوبيخه. الفئة التي أُلحق بها كانت دامغة: وُضع بين «أعداء الكنيسة والشعب».[4]
تأمّل هذه العبارة: «أعداء الكنيسة والشعب». حرف العطف يكشف الخلط. في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية الحقيقية، يمكن أن يكون المرء عدوًّا للشعب دون أن يكون عدوًّا للكنيسة، أو العكس. الكنيسة ليست الشعب؛ الكنيسة هي جسد المسيح. لكن في الإكليسيولوجيا القومية، هما شيء واحد. التشكيك في القومية الروسية هو الهجوم على الكنيسة الروسية. جريمة الأب أليكسي، إن جاز تسميتها جريمة، كانت أنّه عاملهما ككيانين مختلفين.
وفق نوفايا غازيتا، أخبر أبناء الرعية متحدّثين مجهولين الصحفيين أنّه بعد هذه المواجهة، زارت قوات الأمن منزل الكاهن وأجرت تفتيشًا.[4] كذلك، من المهمّ ملاحظة أنّ موقع الأب أليكسي شليابين shlyapin.ru توقّف عن العمل في 12 شباط 2025، أي بعد يوم واحد فقط من هذه المواجهة مع البطريرك كيريل، وهو لا يزال معطّلاً حتى وقت هذا النشر.
كلّ ما قاله الأب أليكسي كان في خطّ مباشر مع تعاليم الكاهن الشهيد دانيال سيسويف. تلميذ الشهيد، المتدرّب على يده في المعهد الإكليريكي، تكلّم بأورانوبوليتية صرفة في وجه البطريرك. ولهذا، سُخر منه بالتصنيف العرقي («أوكرانيا الغربية؟»)، وأُمر بأن «يجلس»، ووُضع بين «أعداء الكنيسة والشعب»، ووُبِّخ من السلطات الأبرشية، وأُغلق موقعه الإلكتروني، وفُتِّش منزله.
أهذه «روسيا المقدّسة» التي يتحدّث عنها البطريرك كيريل؟
مكان يتعرّض فيه الاعتراض البسيط على السلطات على أساس التعليم الآبائي للسخرية والتوبيخ والاضطهاد وتفتيش المنزل؟ ما هي الجريمة بالضبط؟ الاستشهاد بالقدّيسين؟ هل أصبح الاستشهاد بالقديس قزما الأيتولي يضعك الآن بين «أعداء الكنيسة والشعب»؟
هكذا تعامل القومية المواطنة السماوية، وهكذا تُسكت الهرطقة الحقيقة. هذه أيضًا الأرثوذكسية المعاصرة بشكل مصغّر: الكنيسة تكرّم القدّيسين، لكنّها تضطهد من يتبعونهم.
وقف البطريرك كيريل عند قبر الكاهن الشهيد دانيال ووصفه بأنّه «خادم أمين» يبشّر بـ«كلمة الله». بعد خمسة عشر عامًا، كاهن تتلمذ على يد ذلك الشهيد بالذات يكرّر تعليم «الخادم الأمين» في وجهه مباشرة، فيُسخَر منه، ويُصنَّف عدوًّا، ويُوبَّخ، ويُسكَت من أجل ذلك.
في أزمنتنا المعاصرة، نرى كثيرين يكرّمون بتقوى أيقونات الشهداء، بينما يسحقون كلّ من يحاول بصدق أن يعيش بتعليمهم. القدّيسون آمنون حين يكونون أمواتًا، لكنّ تلاميذهم الأحياء يُعامَلون كخطرين ويجب إيقافهم بأيّ وسيلة.
ج. الحكم
يتّفق الكاهن الشهيد دانيال سيسويف والقديس قزما الأيتولي: القومية لا يمكن أن تجتمع مع المسيحية. الاقتران «تعليم خاطئ». المسيحي لا يستطيع أن يدّعي التفوّق القومي أو يرفع الأمة فوق الكنيسة. البطريرك كيريل نفسه وقف عند قبر سيسويف ووصفه بأنّه «خادم أمين» بشّر بـ«كلمة الله». مدح المعلّم. وهو الآن يناقض تعليم ذلك المعلّم.
يستوفي البطريرك كيريل كلا معياري سيسويف للاقتران الهرطقي بين القومية والمسيحية. إن كانت الأدلّة المفحوصة أعلاه صحيحة، فإنّ كيريل يعلّم بالضبط ما أدانه سيسويف. وحين كرّر تلميذ سيسويف تعليم معلّمه، سخر كيريل منه بالتصنيف العرقي، وأمره بأن «يجلس»، ووُضع هذا الكاهن لاحقًا بين «أعداء الكنيسة والشعب»، ووُبِّخ، وأُغلق موقعه الإلكتروني، وفُتِّش منزله. وكلّ هذا مسجّل بالفيديو أيضًا، لئلاّ يدّعي أحد أنّه ملفّق بطريقة ما.
لكن ماذا عن اليونانيين الذين يمتدحون اليونان؟
قد يعترض أحد: «لكنّ اليونانيين الأرثوذكس يمتدحون اليونان. أليست تلك قومية أيضًا؟»
بالمعيار الذي وضعه المتروبوليت أوغوسطينوس كانتيوتيس في الفصل 15: العالم الروسي والإثنوفيليتية، مقياس الأمة هو خدمتها للبشرية، لا إكراهها بالقوة. البطريرك كيريل يعلّم العكس. هو لا يمتدح روسيا على مواهبها وخدمتها. يدّعي أنّ لروسيا «دورًا حصريًّا» بوصفها الكاتيخون. يؤكّد التفوّق الأخلاقي الروسي. ينكر وجود أوكرانيا كشعب منفصل. يُخضع الكنيسة لمصالح الدولة. حيث يمتدح أوغوسطينوس «محرّرين، لا غزاة قط»، يبارك كيريل حرب غزو. حيث يصرّ أوغوسطينوس «لكلّ أمة مكان تحت الشمس»، ينكر كيريل هذا المكان على أوكرانيا. بمعايير أوغوسطينوس، تعليم كيريل مُدان.
إن كان البطريرك كيريل قد اعترف بالكاهن الشهيد دانيال سيسويف بوصفه «خادمًا أمينًا» بشّر بـ«كلمة الله»، وكان سيسويف قد علّم أنّ «القومية لا يمكن أن تجتمع مع المسيحية»، فعلى أيّ أساس ممكن يمكن تبرير قومية البطريرك كيريل؟
لا أساس. تعليم الشهيد قائم كحكم. تعليم البطريرك قائم كدليل. اضطهاد التلميذ يثبت أيّ طرف انتصر في موسكو.
الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، المبشّر العظيم والأورانوبوليتي، صلِّ إلى الله من أجلنا.
النصّ الروسي الأصلي: “Тут решил для затравки публиковать список видных уранополитов - святых. А то тут приходилось в блогосфере видеть, что уранополитизм называют “опасной антихристианской ересью”:(. Итак. Уранополиты это: Св. Авраам, Св. Исаак, Св. Иаков. Св. Левий, Св. пророк Моисей. Св. царь и пророк Давид. Св. царь Соломон. Св. пророк Исайя. Св. пророк Даниил. Мученики Маккавеи. Св. апостол Петр. Св. апостол Павел. Св. апостол Иоанн. Св. апостол Иаков брат Божий. Св. Климент папа Римский. Св. Игнатий Богоносец. Св. Иустин Философ. Св. Ириней Лионский. Св. Киприан Карфагенский. Св. Афанасий Великий. Св. Кирилл Алекксандрийский. Св. Василий Великий. Св. Григорий Богослов. Св. Иоанн Златоуст. Св. Григорий Нисский. Св. блаж Августин Иппонский. Св. Исаак Сирин. Св. Антоний Великий. Св. Макарий Великий. Св. Иоанн Лествичник. Св. Симеон Новый Богослов. Св. Григорий Палама. Св. Феофан Затворник. Св. Игнатий Брянчанинов. Св. мч. Стефан. Это святые, которых уранополитические высказывания сразу приходят в голову. Так что любой борец с уранополитизмом может легко увидеть, насколько проникло в Церковь это учение:).” ↩
النصّ اليوناني الأصلي: “«Ἡμεῖς, χριστιανοί μου, δὲν ἔχομεν ἐδῶ πατρίδα. Διὰ τοῦτο καὶ ὁ Θεὸς μᾶς ἔκαμε μὲ τὸ κεφάλι ὀρθούς, καὶ μᾶς ἔβαλε τὸν νοῦν εἰς τὸ ἐπάνω μέρος, διὰ νὰ στοχαζώμεθα πάντοτε τὴν οὐράνιον βασιλείαν, τὴν ἀληθινὴν πατρίδα μας.»” ↩
إعلان عن تعليم «العالم الروسي» (Russkii Mir)، وقّعه أكثر من 1,500 لاهوتي أرثوذكسي من حول العالم، أكاديمية فولوس للدراسات اللاهوتية ومركز الدراسات المسيحية الأرثوذكسية في جامعة فوردهام، 13 آذار 2022. https://publicorthodoxy.org/2022/03/13/a-declaration-on-the-russian-world-russkii-mir-teaching/ ↩
ليرا فورمان، “Царство Земное прежде Небесного: Как Патриарх осадил священника за слова о превосходстве веры над патриотизмом” (“ملكوت الأرض قبل ملكوت السماء: كيف وبّخ البطريرك كاهنًا بسبب كلامه عن تفوّق الإيمان على الوطنية”)، Novaya Gazeta Evropa، 15 شباط 2025. https://novayagazeta.eu/articles/2025/02/15/tsarstvo-zemnoe-prezhde-nebesnogo. يقدّم المقال خلفية مستفيضة عن الأب شليابين: 49 عامًا، رُسم عام 1998، تلميذ الكاهن الشهيد دانيال سيسويف منذ المعهد الإكليريكي، ومُنح الباليتسا عام 2022 للخدمة المتميّزة. يفيد المقال بالهمس «صوِّر، صوِّر، سيحدث الآن» («Снимай, снимай, сейчас будет») قبل كلام شليابين؛ البند 11 من القرار الذي يدعو الإكليروس لـ«تعزيز حبّ الوطن» («укреплять любовь к Родине»)؛ همس كيريل بإشارة إلى نبوءة الأب يونا (التي تقول إنّ الأرثوذكس يجب أن ينفصلوا عن البطاركة الذين «يوافقون الحكومة» حين «لا تقود الحكومة الناس في الاتجاه الصحيح»)؛ دفاع كيريل السرجياني الصريح («الكنيسة لم تتذكّر وضعها الصعب؛ فعلت كلّ ما بوسعها لإلهام شعبها على القتال… الكنيسة لا يمكن ألاّ تكون مع شعبها؛ الكنيسة لا يمكن ألاّ تكون مسؤولة عن مصير البلد»)؛ وضع الأب شليابين بين «أعداء الكنيسة والشعب»؛ كتاباته على موقعه عن الأورانوبوليتية مستشهدًا بالقديس قزما الأيتولي؛ حجب موقعه (shlyapin.ru) في 12 شباط 2025؛ وأبناء رعية تحدّثوا مجهولين أفادوا بأنّ قوات الأمن زارت منزل الكاهن وأجرت تفتيشًا. إغلاق الموقع قابل للتحقّق عبر خدمات الأرشيف الإلكتروني. ↩
النصّ الروسي لبيان الأب أليكسي شليابين: “Как-то не очень правильно, что в церковных документах слова ‘отечество’ и ‘родина’ пишутся с заглавной буквы, с каким-то благоговением к этим земным понятиям. Для христианина ‘отечество’ и ‘родина’ - это Царство Небесное, рай. А это чисто земные понятия. Например, даже когда слово ‘вера’ используется, обращаясь к православным верующим, оно пишется со строчной буквы. И эти понятия тоже должны писаться в документах. Посмотрите на них. Это имена нарицательные, а не собственные. Поэтому я просто хотел выразить такое несогласие с такими, ну, патриотическими тенденциями, вообще в церковных документах, и вообще, в жизни наших поместных церквей. Долг священника - вести людей в Царство Небесное, а не заниматься, так сказать, патриотизмом.” ردّ البطريرك كيريل: “Хорошо, да? Вы, батюшка, случайно не из западной Украины? [Смех и аплодисменты аудитории] Идите, садитесь и серьезно подумайте над всем, что вы здесь ляпнули.” ↩
النصّ الروسي الأصلي: “Как-то не очень правильно, что в церковных документах слова «отечество» и «родина» пишутся с заглавной буквы, с каким-то благоговением к этим земным понятиям. Для христианина «отечество» и «родина» — это Царство Небесное, рай. А это чисто земные понятия. Например, даже когда слово «вера» используется, обращаясь к православным верующим, оно пишется со строчной буквы. И эти понятия тоже должны писаться в документах. Посмотрите на них. Это имена нарицательные, а не собственные. Поэтому я просто хотел выразить такое несогласие с такими, ну, патриотическими тенденциями, вообще в церковных документах, и вообще, в жизни наших поместных церквей. Долг священника — вести людей в Царство Небесное, а не заниматься, так сказать, патриотизмом.” ↩
النصّ الروسي الأصلي: “Государство, общество, мир хотят, чтобы люди оставались гражданами земли. Порядочными, законопослушными, верноподданными, но гражданами земли. Но не хочет допустить, чтобы люди становились гражданами Неба, подданными Небесного Царя, освободились от власти мира сего. Т. е. мир стремится использовать Христианство для поддержки своих идеологий, для удовлетворения своих земных и языческих стремлений. Но при этом ненавидит Христа, ненавидит Крест, не терпит чистое Слово Божие. Но мы не должны поддерживать государственные и общественные идеологии, стремления мира сего… Мы должны учить не патриотизму, не краеведению, не культуре и т. д., а только и исключительно Христианству.” ↩
البطريرك كيريل، خطاب في مؤتمر مجلس الشعب الروسي العالمي، 28 تشرين الثاني 2024. النصّ الروسي: “Мы действительно не должны в каком-то паническом, безумном страхе ожидать так называемого «конца света». Мы ждем Господа Иисуса, Который придет в великой славе. […] Россия — это действительно удерживающий, и всё, что Россия сейчас делает для защиты своего суверенитета, имеет очень глубокий непреходящий духовный смысл.” https://www.patriarchia.ru/article/112644 ↩