هل الموت في الحرب يغسل جميع خطايانا؟


في 25 أيلول 2022، أعلن البطريرك كيريل أنّ الجنود الروس الذين يموتون في أوكرانيا تُغسَل خطاياهم. ليس من خلال التوبة. ليس من خلال الاعتراف. من خلال الموت في ساحة المعركة وحده.
هذا لاهوت الاستشهاد الإسلامي. للقدّيسين اسم لذلك: هرطقة.
القدّيس نيقولاوس فيليميروفيتش، قدّيس صربي مُعتمَد، يرسم التمييز بحدّة:
الفرق في الغاية يكمن في أنّ الإيمان الوثني يملأ السماء بالمحاربين فقط، بينما الإيمان المسيحي يعد بالسماء للقدّيسين.
— القدّيس نيقولاوس فيليميروفيتش، برولوغ أوهريد، مقتبَس في رئيس الكهنة فيكتور فاسيليفيتش، “موضوع الحرب في أعمال القدّيس نيقولاوس الصربي (فيليميروفيتش)”، azbyka.ru[1]
لاهوت الحرب عند البطريرك كيريل يملأ السماء بالمحاربين: مُت في هذه الحرب، وتُغسَل خطاياك، وتُفتَح أبواب الملكوت السماوي. القدّيس نيقولاوس يقول إنّ هذا هو النهج الوثني. الإيمان المسيحي يعد بالسماء للقدّيسين، لا للجنود.
لا توجد هنا إعادة صياغة خبيثة، ولا تحريف إعلامي معادٍ. كلماته بالحرف، موثّقة على الموقع الرسمي لبطريركية موسكو، ونُقلت بالتطابق من قِبل وسائل الإعلام الحكومية الروسية والمنافذ الأوكرانية والصحافة الدولية بكلّ اللغات. لا ترجمة خاطئة.
الفصول السابقة فحصت مسكونية البطريرك كيريل، وشموليته الدينية، وسرجيانيته، وقوميته. كلٌّ منها يمثّل انحرافًا عن التعليم الأرثوذكسي. لكنّ لاهوته الحربي هو حيث تتحوّل هذه الأخطاء إلى سفك دماء. هنا، تُستخدَم التشويهات الموثّقة أعلاه لمباركة قتل المسيحيين الأرثوذكس على يد مسيحيين أرثوذكس.
«الذبيحة التي تغسل جميع الخطايا»

في 25 أيلول 2022، ألقى البطريرك كيريل العظة التالية:
Мы знаем, что сегодня многие погибают на полях междоусобной брани. Церковь молится о том, чтобы брань сия закончилась как можно быстрее, чтобы как можно меньше братьев убили друг друга в этой братоубийственной войне. И одновременно Церковь осознает, что если кто-то, движимый чувством долга, необходимостью исполнить присягу, остается верным своему призванию и погибает при исполнении воинского долга, то он, несомненно, совершает деяние, равносильное жертве. Он себя приносит в жертву за других. И потому верим, что эта жертва смывает все грехи, которые человек совершил.
نحن نعلم أنّ كثيرين يهلكون اليوم في ساحات الحرب الأهلية. الكنيسة تصلّي من أجل أن تنتهي هذه الحرب بأسرع ما يمكن، ومن أجل أن يقتل أقلّ عدد ممكن من الإخوة بعضهم بعضًا في هذه الحرب الأخوية. وفي الوقت نفسه، تدرك الكنيسة أنّه إذا كان شخص ما، مدفوعًا بالشعور بالواجب وبضرورة الوفاء بالقَسَم، يظلّ وفيًا لدعوته ويهلك في أداء الواجب العسكري، فإنّه بلا شكّ يقوم بفعل يعادل الذبيحة. إنّه يقدّم نفسه ذبيحة من أجل الآخرين. ولذلك نؤمن أنّ هذه الذبيحة تغسل جميع الخطايا التي ارتكبها الإنسان.
— البطريرك كيريل، عظة في الأحد الخامس عشر بعد العنصرة، 25 أيلول 2022، https://www.patriarchia.ru/article/103723
«لقد أُسيء فهمه»
حاول البعض التقليل من شأن هذه العظة، مدّعين أنّ البطريرك كيريل «أُسيء فهمه» أو أنّ كلماته شوّهتها وسائل الإعلام الغربية المعادية.
الأدلّة تدحض ذلك.
نُقلت هذه العظة من قِبل أوكرانيسكا برافدا، ويوروماييدان بريس، وسلوفو إي ديلو، وكوريسبوندنت نت، وكوميرسانت، وذا موسكو تايمز، وروسييسكايا غازيتا، وميدوزا، ويورونيوز، ورويترز، ووكالة أسوشيتد بريس، والجزيرة، وراديو أوروبا الحرّة/راديو الحرّية، ونيوزويك، ورليجن نيوز سيرفيس، وأرثوذكس تايمز، والمجلس الأطلسي، وعشرات المنافذ الأخرى حول العالم.
كان التفسير متطابقًا عبر اللغات والقارّات والطوائف.
بالروسية: عنونت كوميرسانت، الصحيفة التجارية الروسية الرائدة، «Патриарх Кирилл пообещал прощение грехов погибшим в „междоусобной брани” на Украине» (البطريرك كيريل وعد بمغفرة الخطايا لمن ماتوا في «الحرب الأهلية» في أوكرانيا). روسييسكايا غازيتا، الصحيفة الرسمية للحكومة الروسية، كتبت «смоют все грехи» (ستغسل جميع الخطايا). ذا موسكو تايمز بنسختها الروسية نشرت «Это смывает все грехи» (هذا يغسل جميع الخطايا). كوريسبوندنت نت أفادت «смерть на войне в Украине смывает грехи» (الموت في الحرب في أوكرانيا يغسل الخطايا).
بالإنكليزية: عنونت راديو أوروبا الحرّة/راديو الحرّية «الموت في أوكرانيا ‘يغسل جميع الخطايا.’» أرثوذكس تايمز أفادت «أيّ جندي روسي يموت في الحرب في أوكرانيا تُغفَر خطاياه.» أليتيا (كاثوليكية) كتبت «الجنود الروس الذين يموتون في أوكرانيا تُغسَل خطاياهم.»
إذا كان البطريرك كيريل «أُسيء فهمه»، فكذلك أُسيء فهم روسييسكايا غازيتا، صحيفة الكرملين ذاتها.
لا. لم تكن هناك ترجمة خاطئة، ولا تحريف، ولا تدوير معادٍ. كلّ منفذ إعلامي، بكلّ لغة، بما في ذلك تلك الموجودة في روسيا، سمع بالضبط ما قاله.[2]
في أنحاء روسيا، سمع المسيحيون الأرثوذكس المؤمنون هذا من بطريركهم ويؤمنون أنّ مجرّد الذهاب إلى الحرب والموت يُدخِل المرء تلقائيًا إلى السماء دون فحص أيّ شيء آخر. الأمّهات والزوجات وعائلات الجنود، أناس ذوو إيمان بسيط يثقون بأنّ بطريرك كنيستهم يقول الحقيقة. إنّهم يؤمنون، استنادًا إلى البطريرك كيريل، أنّه إذا مات من يحبّونه في أوكرانيا، فإنّ خطاياه مغفورة. إنّهم لا يعلمون أنّ القدّيسين يعلّمون العكس.
ولم يكن بالإمكان حتّى داخل بطريركية موسكو تأكيد هذا الادّعاء بالإجماع. فقد صرّح المطران أوجين، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في إستونيا، علنًا بأنّه «لا يشارك كلمات قداسة البطريرك كيريل» حول «مغفرة جميع الخطايا للعسكريين الذين ماتوا في أداء الخدمة العسكرية».[3]
ما يعلّمه الآباء فعلًا
وعد البطريرك كيريل بأنّ الموت في ساحة المعركة «يغسل جميع الخطايا». الذين يدافعون عن هذا الادّعاء يلجأون دائمًا إلى قانون القدّيس باسيليوس الكبير، الذي يبدو أنّه يقدّم تساهلًا للقتل في الحرب:
لم يحسب آباؤنا القتل في الحروب من القتل؛ أظنّ أنّهم أرادوا التسامح مع المقاتلين دفاعًا عن العفّة والتقوى الحقيقية.
— القدّيس باسيليوس الكبير، الرسالة القانونية الأولى إلى أمفيلوخيوس (الرسالة 188، القانون 13)، https://www.newadvent.org/fathers/3202188.htm[4]
إذا كان القدّيس باسيليوس الكبير يسمح بالقتل في الحرب، تقول الحجّة، فلا بدّ أنّ وعد كيريل بالحلّ لمن يموتون في الحرب مشروع. لكن ماذا يطلب القدّيس باسيليوس فعلًا ممّن يقتلون، حتّى في حروب تستوفي معاييره؟ الجملة التالية مباشرة من هذا القانون تجيب عن السؤال، وتقول عكس ما يعلّمه كيريل.
كيف يعامل الآباء القتل: الإبيتيميا والأيدي النجسة
ولكن لعلّه من الحسن أن يُنصَح أولئك الذين لم تكن أيديهم طاهرة بأن يمتنعوا عن المناولة فقط لمدّة ثلاث سنوات.
— القدّيس باسيليوس الكبير، الرسالة القانونية الأولى إلى أمفيلوخيوس (الرسالة 188، القانون 13)، https://www.newadvent.org/fathers/3202188.htm[5]
حتّى عندما يتكلّم القدّيس باسيليوس عن أولئك «المقاتلين دفاعًا عن العفّة والتقوى الحقيقية»، فإنّه لا يزال يعتبر أيديهم نجسة ويفرض عليهم الامتناع عن المناولة المقدسة لمدّة ثلاث سنوات.
في خضمّ الدعوة الواسعة للحرب، يُقتبَس تساهل القدّيس باسيليوس الضيّق مرارًا وتكرارًا. الجملة التالية مباشرة حول الامتناع ثلاث سنوات تُحذَف في كلّ مكان تقريبًا. الجمل المستخدَمة لمباركة الحرب تُعامَل كأنّها خالدة وذات صلة، بينما الجمل التي تقدّم سياق الإبيتيميا والدموع والامتناع عن المناولة المقدسة تُعامَل كأنّها قديمة أو غير مريحة أو «صارمة جدًا».
أليس هذا لأنّنا قد قرّرنا مسبقًا أيّ أجزاء من الآباء حلوة لنا ونتمسّك بهذه الأجزاء فقط، بينما أقوال الآباء التي نراها مُرّة نعتبرها غير ذات صلة وقديمة؟ وهكذا نعامل القدّيسين كبوفيه مفتوح مُمجَّد: نأخذ ما يعجبنا، ونترك وراءنا كلّ ما لا يناسبنا.
إذا كنّا سنستشهد بكلمات القدّيس باسيليوس عن الحرب، فعلينا أن نقبل كلّ ما يقوله، بما في ذلك إصراره على أنّ حتّى الذين يقتلون دفاعًا عن «العفّة والتقوى الحقيقية» يجب أن يُعامَلوا كجرحى روحيًا ويُمنَعوا من الأسرار لمدّة ثلاث سنوات.
هذا يُلزمنا بأخذ الإبيتيميات على محمل الجدّ. غير أنّ الإبيتيميات لا تؤخذ على محمل الجدّ إطلاقًا في هذه الأزمنة. ولذلك لا يمكننا الحديث عن القتل في الحرب والتساهلات التي يمنحها قدّيسونا دون الحديث عن الإبيتيميا والأيدي النجسة وما اعتبره الآباء ضروريًا لشفاء النفس.
القدّيس باسيليوس يفرض سنوات من المنع من الكأس للقتل حتّى في حالة الدفاع عن النفس، بينما كيريل يعد بالحلّ التلقائي. الثقل الكامل لهذا التناقض لن يتّضح إلّا بعد أن نفحص التعليم بالكامل.
الإبيتيميا ليست عقوبة: إنّها دواء
لفهم لماذا وعد كيريل خطير إلى هذا الحدّ، يجب أوّلًا أن نفهم ما يعنيه الآباء بـ«الإبيتيميا». إذا كانت الإبيتيميا مجرّد عقوبة، فإنّ عرض كيريل للحلّ التلقائي يبدو رحمة: إنّه يُزيل العقوبة. لكنّ الإبيتيميا ليست عقوبة. إنّها شفاء لنفس مجروحة، وإزالتها لا تُظهِر الرحمة؛ بل تترك الجرح دون علاج.
يجب أن يفهم المرء أنّ الإبيتيميا هدفها مساعدة الإنسان.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 3: الجهاد الروحي، ص. 307[6]
الإبيتيميات، التي تُسمّى أيضًا «قانونًا»، تُعطى للتائب لغرض واحد: الخلاص. ليست عقوبات تعسّفية. ليست بيروقراطية روحية. إنّها دواء.
البروتوبريسفيتر جورج ميتالينوس، ملخِّصًا القدّيس نيقوديموس، يكتب:
إنّ الإبيتيميات والكفّارة والقانون الذي يفرضه الأب الروحي ليست في نهاية المطاف عقوبة أو تأديبًا، بل كما يشير [القدّيس نيقوديموس]، تتضمّن خلاص المرء.
— البروتوبريسفيتر جورج د. ميتالينوس (ملخِّصًا القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي)، الإكسومولوغيتاريون؛ نسخة أقدم على الإنترنت في OrthodoxInfo
عندما نرتكب خطايا جسيمة، تصبح النفس نجسة ومجروحة، وبالتالي غير مستحقّة للاقتراب من الأسرار المقدسة. صلوات ما قبل المناولة في الكنيسة مليئة بهذا الوعي. يفرض الآباء فترات من الامتناع والصلاة والدموع والنسك حتّى تُشفى النفس ويعود الشخص إلى المناولة لمنفعته لا لدينونته.
قتل إنسان آخر، حتّى بحقّ، حتّى في حالة الدفاع المشروع، يجرح النفس بعمق إلى حدّ أنّ سنوات من التطهير مطلوبة قبل أن يستطيع المرء الاقتراب من الأسرار المقدسة باستحقاق. لذلك فإنّ الإبيتيميات ليست جدرانًا قانونية تحجبنا عن المسيح والخلاص، كما يعتقد البعض خطأً. إنّها الطريق الضيّق للعودة إليه دون خداع للنفس.
في تعليم الآباء، للإبيتيميا غرضان رئيسيان.
كيف تشفي الإبيتيميا: منع الخطيئة المستقبلية
ينصح القدّيس نيقوديموس الأب الروحي بكيفية التحدّث إلى التائب، حتّى يقبل الإبيتيميا المعطاة له:
يا بنيّ، اعلم أنّه بهذا الامتناع عن المناولة [المقدّسة] ستكون توبتك أكثر ثباتًا. ستكون أكثر اطمئنانًا إلى نعمة الله وستفهم بشكل أفضل الضرر الذي سبّبته لك الخطيئة، لا سيّما عندما ترى الآخرين يتناولون بينما أنت تمتنع، قائلًا لنفسك ما قاله ذلك الابن الشاطر: «كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا!» (لو 15: 17). وبهذا ستبغض الخطيئة إلى الأبد وفي المستقبل ستحفظ جيّدًا النعمة التي فقدتها، حتّى «تصبح مصائبك دروسًا». «فكلّ ما يبنيه المرء بجهد كبير يحرص على حمايته»، يقول باسيليوس الكبير. وغريغوريوس اللاهوتي يقول: «فإنّ الناس يتمسّكون بشدّة بما يكتسبونه بالتعب؛ أمّا ما يكتسبونه بسهولة فسرعان ما يطرحونه، لأنّه يمكن استرداده بسهولة».
— القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الإكسومولوغيتاريون: كتاب الاعتراف
القدّيس يوحنا الذهبي الفم يشرح المبدأ نفسه قبل أربعة عشر قرنًا:
فلنتعلّم هذه القوانين الإنسانية أيضًا. فإن رأيت حصانًا يندفع نحو هاوية، تضع له لجامًا وتمسكه بقوّة وتجلده مرارًا؛ ومع أنّ هذا عقاب، إلّا أنّ العقاب نفسه هو أمّ السلامة. هكذا افعل أيضًا مع الذين يخطئون. أوثِق الذي تعدّى حتّى يسترضي الله؛ لا تطلقه حتّى لا يُقيَّد بقيود الله الأشدّ. إن أوثقتُ أنا، فالله لا يُقيِّد؛ وإن لم أوثق، تنتظره السلاسل التي لا تُفَكّ. «لأنّنا لو كنّا حكمنا على أنفسنا لما حُكم علينا» (1 كو 11: 31). فلا تظنّنّ أنّ هذا الفعل يصدر عن قسوة ولا إنسانية؛ بل هو من أعلى اللطف وأمهر الطبّ ومن كثير العناية والحنوّ.
— القدّيس يوحنا الذهبي الفم، العظة 14 على رسالة كورنثوس الثانية، https://www.newadvent.org/fathers/220214.htm
الإبيتيميا ليست قسوة. إنّها، كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، أمّ السلامة. التقييد المؤقّت على الأرض هو حتّى لا يواجه التائب السلاسل التي لا تُفَكّ في الدينونة. الإبيتيميا تجعل التوبة ملموسة. تمنح النفس وقتًا للشعور بالخسارة، وإدراك ضرر الخطيئة، وتعلّم بغضها.
كيف تحمي الإبيتيميا: منع التناول بدون استحقاق
ثمّ يطلب القدّيس نيقوديموس من الأب الروحي أن يوضّح للتائب أنّ قبول الإبيتيميا يتعلّق أيضًا بخطر الاقتراب من الأسرار في حالة عدم الاستحقاق:
يا بنيّ، اعلم أنّك إن أردت أن تتناول بدون استحقاق، تصبح مذنبًا بجسد الربّ ودمه، كما يقول القدّيس بولس (1 كو 11: 27)، وتتناول لدينونتك وهلاكك، فتصير يهوذا ثانيًا وكاليهود. فكما أنّ اليهود طعنوا جسد الربّ حينذاك، لا ليشربوا دمه بل ليسفكوه، كما يوضّح الذهبي الفم، فعليك أنت أيضًا أن تعتبر أنّك تسفك دم الربّ الطاهر ولا تشربه، بسبب عدم استحقاقك.
— القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الإكسومولوغيتاريون: كتاب الاعتراف
التناول بدون استحقاق (بمعنى التناول فور ارتكاب خطايا مميتة) هو تدنيس من أخطر الأنواع: أن يصير المرء يهوذا ثانيًا، يسفك دم المسيح بدلًا من أن يشربه. الإبيتيميا تقف بين التائب وبين هذا النوع من التدنيس.
الإبيتيميات ليست آثارًا من زمن ماضٍ. إنّها تُفرَض من الكنيسة لخلاص أرواحنا. ومع ذلك في الممارسة المعاصرة، قد يستنتج المرء أنّه لأنّ كاهنه أو أباه الروحي لا يعطيه إبيتيميات، فإنّ الأمر لا بأس به ولا داعي للقلق. القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي يتعامل مع هذا مباشرة:
إنّني مضطرّ للقول إنّه إذا فرض عليك أبوك الروحي قانونًا خفيفًا، فعليك من تلقاء نفسك أن تطلب منه أن يفرض عليك قانونًا أثقل، كما يفعل كثيرون غيرك ممّن يتوبون بحرارة، حتّى تسترضي العدالة الإلهية بشكل أكبر بهذا القانون المؤقّت وتكون أكثر اطمئنانًا بأنّ الله حلّك من العقوبة الأبدية التي كنت مستوجبًا إيّاها بسبب الخطيئة.
— القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الإكسومولوغيتاريون: كتاب الاعتراف
أنّ القدّيس نيقوديموس يعبّر عن استسلامه في حثّ التائبين على طلب إبيتيميات كافية يكشف إلى أيّ مدى ابتعدنا عن عقلية الآباء في زمننا. من يرغب في الإبيتيميا هو، بحسب كلماته، من يتوب بحرارة، وهو أيضًا أكثر اطمئنانًا إلى خلاصه. هذه رسالة مختلفة عن تلك التي نسمعها اليوم.
الردّ الشائع على هذا هو أنّ «الإبيتيميات متروكة لتمييز الأب الروحي»، بحيث لا يستطيع أحد أن يستجوب هذا التمييز.
غير أنّ الأب الروحي لا يزال ملزمًا بتطبيقها، لا سيّما على من يخطئون ببرود:
الإبيتيميات متروكة لتمييز الأب الروحي. يجب على الأب الروحي أن يكون صارمًا دون مساومة مع من يخطئ ببرود.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 3: الجهاد الروحي، ص. 308[7]
صحيح أنّ قوانين الكنيسة يجب أن تُطبَّق بتمييز:
إذا استخدم الأب الروحي قوانين الكنيسة وكأنّها… مدافع منفلتة، وليس بتمييز، بحسب حاجات كلّ إنسان والتوبة التي يُظهِرها، فبدلًا من شفاء النفوس سيكون مرتكبًا لجريمة.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 3: الجهاد الروحي، ص. 309[8]
غير أنّ التمييز في تطبيق الإبيتيميات ليس رخصة لإلغائها.
تأمّل: مسؤولية عامل النظافة هي التنظيف وتحديد ما يحتاج إلى تنظيف. لكن إذا لاحظ أحد أنّه لا يتمّ أيّ تنظيف على الإطلاق، فبالتأكيد يمكنه أن يستجوب عامل النظافة. سيكون من العبث أن يردّ عامل النظافة: «ما شأنك؟ أنت لست عامل النظافة. مسؤولية عامل النظافة أن يحدّد هذه الأمور، لا أنت». حقيقة أنّ التنظيف مسؤولية عامل النظافة لا تعطيه رخصة لإهمال التنظيف كلّيًا ثمّ الاختباء وراء مسمّاه الوظيفي عند الاستجواب.
المنطق الخاطئ نفسه يعمل هنا. مجرّد أنّ تطبيق الإبيتيميات ضمن تمييز الأب الروحي لا يعني أنّ له أيّ سلطة لإلغاء الإبيتيميات تمامًا. لا أحد من القدّيسين يقول ذلك. ليس هذا ما يقوله القدّيس باييسيوس. ليس هذا ما يقوله القدّيس نيقوديموس. ومع ذلك يستخرج الناس اقتباسات من هؤلاء القدّيسين أنفسهم ويستخدمونها دروعًا: «مسؤولية الأب الروحي تطبيق الإبيتيميا»، أو «القوانين يجب ألّا تُطبَّق كمدافع منفلتة». نعم، لكنّ هذا لا يعني أنّه يجوز لك إلغاء الإبيتيميا. القدّيسون يخبرونك كيف تطبّقها، لا يمنحونك إذنًا بتجاهلها.
هذا مهمّ لأنّ سوء الفهم الواسع هذا للإبيتيميات هو بالتحديد ما يُضعف الوعي الآبائي عند المؤمنين. عندما يفرض القدّيس باسيليوس إبيتيميا ثلاث سنوات للقتل في الحرب، لا يفهم الناس ما يعنيه القدّيسون فعلًا بذلك. الخطأ جذري إلى حدّ أنّنا بالطبع لا نستطيع فهم القدّيسين. وبالطبع سنختار الاقتباسات التي تناسب ظروفنا ونتجاهل كلّ شيء آخر. هذا ليس استطرادًا عن مسألة الحرب؛ بل هو جذر المشكلة. كثير من الآباء الروحيين يشاركون سوء الفهم هذا نفسه، وينتقل إلى المؤمنين الذين يثقون بهم.
لنرى إلى أيّ مدى ابتعدنا، تأمّل ما يصفه القدّيس باييسيوس كالمدى الطبيعي للمعايرة:
بمعنى أنّه إذا ارتكب شخصان الخطيئة نفسها، فقد يفرض الأب الروحي على أحدهما إبيتيميا بعدم التناول لمدّة سنتين، بينما يفرض على الآخر شهرين فقط. بهذا القدر يمكن أن يكون الفرق.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 3: الجهاد الروحي، ص. 307[9]
لاحظ أنّ عند القدّيس باييسيوس، التطبيق الخفيف للإبيتيميا يُصاغ كشهرين، لكن قد يُفرَض على شخص ما إبيتيميا تصل إلى سنتين. حتّى الشهران سيكونان شبه مسموعَين بالنسبة لكثير من المسيحيين الأرثوذكس اليوم.
وهكذا يستمرّ سوء فهم الإبيتيميات: الاعتقاد بأنّها تمثّل شفاء لنا، وأنّ الأب الروحي مسؤول عن تطبيقها، لكنّها ليست ببساطة لتُلقى جانبًا بذريعة أنّ ذلك ممكن، لأنّ الأب الروحي يمكنه أن يتجاهل تقليد كنيستنا ويفعل ما يشاء.
يجب أن يفهم المرء أنّ الإبيتيميا هدفها مساعدة الإنسان.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 3: الجهاد الروحي، ص. 307[6]
لغة قدّيسينا تُسلَّح كمبرّر لتجاهل هؤلاء القدّيسين أنفسهم: طاعة انتقائية، اختيار أيّ أقوال القدّيسين نحبّ وإلقاء الباقي. فعندما يقول القدّيس باييسيوس إنّ الأب الروحي مسؤول عن تطبيق الإبيتيميات وأنّها يجب ألّا تُطبَّق كمدافع منفلتة، هذا هو ما يُقدَّم كمبرّر. غير أنّ كلمات القدّيس باييسيوس بأنّ الإبيتيميا تساعد على شفاء الإنسان، وأنّ الإبيتيميات يجب أن تُطبَّق على من يخطئون ببرود، تُتجاهَل.
الجنود الذين يُقال لهم إنّ خطاياهم تُغسَل تلقائيًا بالموت في ساحة المعركة يقتربون من القتل دون أيّ من الجدّية التي يطلبها الآباء. بمعيار القدّيس باييسيوس، هذا خطأ ببرود، ويستوجب الصرامة لا الحلّ.
عندما يقول القدّيس باسيليوس الكبير إنّ من يقتل في الحرب، حتّى في حالة الدفاع عن النفس، يُفرَض عليه إبيتيميا ثلاث سنوات، يجب أن نفهم ذلك كإشارة من القدّيس باسيليوس إلى أنّ القتل، حتّى في حالة الدفاع عن النفس، لا يزال خطيئة وإخفاقًا عن الهدف. في كلّ تبرير حديث تقريبًا للحرب، لا يوجد أيّ ذكر للإبيتيميا، فضلًا عن إبيتيميا الثلاث سنوات. هذا الإغفال المتعمَّد يجب أن يكون علامة على أنّنا ابتعدنا عن شهادة القدّيسين.
الحظر الأشدّ صرامة على الإكليروس
إبيتيميا الثلاث سنوات تنطبق على العلمانيين. أمّا بالنسبة للإكليروس، فالحظر مطلق: الكهنة والرهبان لا يمكنهم الخدمة في القوّات المسلّحة إطلاقًا.
القانون 7 من المجمع المسكوني الرابع والقانون 83 من القوانين الرسولية يحظران على الإكليروس الخدمة العسكرية. السبب مذكور في القانون 5 للقدّيس غريغوريوس النيصي، الذي أصبح قانونًا كنسيًا:
إذا «سقط كاهن في دنس القتل حتّى بشكل لا إرادي (أي في حالة الدفاع عن النفس)، فسيُحرَم من نعمة الكهنوت، التي يكون قد دنّسها بهذه الجريمة المدنِّسة». أولئك الذين سفكت أيديهم دمًا لم يعودوا أيقونات للمسيح ولا يصلحون للخدمة على المذبح.
— القدّيس غريغوريوس النيصي، الرسالة القانونية إلى ليتويوس، القانون 5. مقتبَس في الأب إيمانويل حاتزيداكيس، المأدبة السماوية، ص. 86؛ مقتطف على الإنترنت في “What Does the Church Say About War?”
حتّى في حالة الدفاع عن النفس. حتّى بشكل لا إرادي. الكاهن الذي يسفك دمًا يخسر كهنوته بشكل دائم. أيديه لم تعد «أيقونات للمسيح». لم يعد يصلح للخدمة على المذبح. هذا القانون هو السبب في أنّ بعض الكهنة الأرثوذكس حتّى يومنا هذا يرفضون قيادة السيارة، خشية أن يُقتَل أحد في حادث ويقع الدم على أيديهم، فيُمنَعوا من الخدمة إلى الأبد.
ومع ذلك فإنّ البطريرك كيريل، وهو أسقف (أعلى رتبة إكليريكية)، يبارك غزوًا قتل عشرات الآلاف من المسيحيين الأرثوذكس على كلا الجانبين، ويعلّم أنّ الموت في هذه الحرب «يغسل جميع الخطايا». بل إنّه يعلن هذا الصراع الأخوي «حربًا مقدسة».
إذا كان الكاهن لا يستطيع سفك الدم حتّى لإنقاذ حياته دون أن يخسر كهنوته، فعلى أيّ أساس يستطيع بطريرك أن يبارك سفك الدم الأرثوذكسي ويسمّيه مقدسًا؟
قد يعترض أحد: هذه القوانين تخصّ الإكليروس، لا العلمانيين؛ ما لا يستطيع الكاهن فعله لا علاقة له بما قد يفعله العلماني في الحرب.
القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي يتعامل مع هذا المنطق بالتحديد في كتابه الأخلاق المسيحية. في تعليقه على قوانين مجمع اللاذقية، يبيّن أنّه عندما تخصّ الكنيسة الإكليروس بحظر أشدّ، فهذا ليس رخصة للعلمانيين. بل إنّ الكنيسة تكشف موقفها الحقيقي. القاعدة الأخفّ للعلمانيين موجودة فقط كتنازل. مستشهدًا بكلمات المسيح للفريسيين، يكتب القدّيس نيقوديموس:
بسبب قساوة قلوب المسيحيين وعنادهم تنازل المجمع المقدّس ليقول هذا، وليس كمبدأ؛ من باب التدبير والتنازل، وفق مشيئته اللاحقة، لا من باب الدقّة أو بمشيئته السابقة وقصده.
— القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الأخلاق المسيحية (بلمونت، ماساتشوستس: معهد الدراسات البيزنطية واليونانية الحديثة، 2012)، ص. 74-75
المبدأ نفسه ينطبق هنا. القانون 5 للقدّيس غريغوريوس النيصي، الذي يحرم نهائيًا أيّ كاهن يسفك دمًا من الخدمة على المذبح، هو المشيئة السابقة للكنيسة: معيارها الحقيقي والأعلى. إبيتيميا القدّيس باسيليوس بثلاث سنوات للعلمانيين الذين يقتلون في الحرب هي المشيئة اللاحقة: التنازل الرعوي للجنود الذين، بسبب قساوة القلب أو وحشية الظروف، لطّخوا أيديهم بالدم. باستخدام منطق القدّيس نيقوديموس لقوانين أخرى تعاقب الإكليروس فقط: لو كان الفعل طاهرًا روحيًا، لما كانت الكنيسة قد حرمت نهائيًا من ارتكبه من الإكليروس من المذبح. الإبيتيميا ليست دليلًا على أنّ القتل في الحرب مقبول بطريقة ما لغير الإكليروس، بل على أنّ الكنيسة تنازلت لواقع ساحة المعركة. قصدها الفعلي لم يتغيّر منذ البداية: سفك دم الإنسان جرح روحي خطير، حتّى ضمن التساهل الضيّق الذي يمنحه الآباء للحرب الدفاعية.
تطبيق على الحرب: قانون القدّيس باسيليوس بثلاث سنوات
هكذا رأينا أنّ الإبيتيميات تخدم غرضين: تمنع الخطيئة المستقبلية، وتمنع التائب من تناول المناولة المقدسة بدون استحقاق. بدونهما، لا توجد توبة حقيقية، ولا اعتراف خلاصي، بحسب القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي.
إبيتيميا القدّيس باسيليوس بثلاث سنوات إذن تعكس نفسًا مجروحة وفاسدة بقتل إنسان آخر مخلوق على صورة الله، جرح يقول القدّيس باسيليوس إنّه يتطلّب ثلاث سنوات من الشفاء قبل الاقتراب من الأسرار المقدسة.
الآن قارن هذا بكلمات البطريرك كيريل، الذي يقول إنّ مجرّد الموت في ساحة المعركة، ربّما أثناء تشويه وقتل الآخرين، يمنحك الخلاص تلقائيًا.
الأساس الكتابي: العدد 31 وتلوّث سفك الدماء
تشرح الدفّة (البيذاليون، التعليق القانوني المعياري للكنيسة الأرثوذكسية الذي جمعه القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي) لماذا فرض القدّيس باسيليوس هذه الإبيتيميا بعينها:
لكن لماذا لم يفرض الآباء القدامى إبيتيميا على من يقتلون آخرين في الحرب، بينما حرمهم القدّيس باسيليوس من المناولة ثلاث سنوات؟ الله نفسه يحلّ هذه المسألة المحيِّرة في سفر العدد (الإصحاح 31، الآية 19 و24)، حيث يأمر بأنّ اليهود العائدين من الحرب مع المِدْيَنيين يجب أن يقفوا خارج المحلّة سبعة أيام، ويغسلوا ثيابهم، ويتطهّروا، ثمّ يُسمَح لهم بدخول المحلّة. «وأنتم فانزلوا خارج المحلّة سبعة أيام. كلّ من قتل نفسًا، وكلّ من مسّ قتيلًا، تطهّروا أنتم وسبيكم؛ واغسلوا ثيابكم في اليوم السابع فتطهرون وبعد ذلك تدخلون المحلّة» (العدد 31: 19 و24).
— الدفّة (البيذاليون)، تعليق على القانون 13 للقدّيس باسيليوس
يتابع التعليق:
والسبب، بحسب تفسير فيلون اليهودي، هو أنّه مع أنّ قتل الأعداء في الحرب كان مشروعًا، إلّا أنّ من قتل إنسانًا سواء بحقّ وبعدل، أو انتقامًا، أو من يقتل شخصًا كعنف وإكراه، يبدو مع ذلك مسؤولًا عن ارتكاب خطيئة وجريمة، لأنّه قتل إنسانًا هو من الجنس نفسه ومن الطبيعة ذاتها. لهذا السبب فإنّ الذين قتلوا المِدْيَنيين في الحرب، مع أنّهم فعلوا ذلك بحقّ وعدل، ومع أنّهم قتلوهم كأعداء، ومع أنّه كان انتقامًا أيضًا كما تقتضيه الآية القائلة: «قال الله لموسى: انتقم نقمة بني إسرائيل من المِدْيَنيين» (العدد 31: 2)، إلّا أنّهم بوصفهم قتلوا بشرًا أقرباء من الطبيعة نفسها، وسقطوا تاليًا تحت وصمة الخطيئة والقتل النجس، وجب عليهم التطهّر منها بتطهير السبعة أيام خارج المحلّة.
— الدفّة (البيذاليون)، تتمّة التعليق على القانون 13
انتبه: من يقتل أحدًا حتّى «بحقّ» لا يزال قد أخطأ.
اتّباعًا لهذا المثال، تقول الدفّة إنّ القدّيس باسيليوس ينصح بالامتناع عن المناولة المقدسة ثلاث سنوات لمن قتلوا في الحرب، لأنّهم لوّثوا أنفسهم بدم الإنسان وأصبحوا «بارعين في إيذاء وتدمير خليقة الله».[10]
النمط نفسه يظهر في ما يُسمّى بقوانين هيبوليتوس، وهو نظام كنسي مصري مبكّر. مهما كان تأليفه بالتحديد (إذ تُنازَع صحّته)، فإنّه يعكس عقلية الكنيسة الأولى حيال الحرب وسفك الدماء:[11]
لا يجوز للمسيحي أن يصير جنديًا. يجب على المسيحي ألّا يصير جنديًا، إلّا إذا أُجبِر من قِبل رئيس يحمل السيف. لا يجوز له أن يحمّل نفسه خطيئة الدم. لكن إن سفك دمًا، فلا يجوز له أن يتناول الأسرار، ما لم يُطهَّر بعقوبة ودموع ونحيب. لا يجوز له أن يتقدّم بخداع بل بمخافة الله.
الإطار هو نفسه. المسيحي يتجنّب الجندية عمومًا. إذا أُجبِر عليها وسفك دمًا، فقد تلوّث ويجب ألّا يقترب من الأسرار حتّى يُطهَّر بفترة طويلة من الإبيتيميا والدموع والنحيب. أيديه نجسة. نفسه مجروحة.
الثلاث سنوات ليست رسمًا قانونيًا يمكن ببساطة إلغاؤه من قِبل آباء روحيين لطفاء ومحبّين مزعومين. إنّها علامة على مدى جدّية الآباء في التعامل مع قتل إنسان آخر، حتّى في الحرب، حتّى تحت الأوامر، حتّى في أكثر الظروف قابلية للدفاع. وحتّى ثلاث سنوات كثيرة، لكن حتّى هذا ليس كافيًا: هذه الثلاث سنوات يُفتَرض أن تكون مصحوبة بالدموع والنحيب.
لاحظ أنّه لا يوجد أيّ ذكر لهذا في أيّ مكان من الدعوة المعاصرة للحرب.
قانون القدّيس باسيليوس لم يكن نصيحة اختيارية
عند قراءة لغة القدّيس باسيليوس الكبير اللطيفة في هذا القانون المذكور، قد يظنّ البعض أنّ ما طرحه كان مجرّد فكرة أو اقتراح. غير أنّ الدفّة تدحض ذلك:
لكنّ القدّيس [باسيليوس الكبير] قدّم القانون كقانون يتضمّن نصيحة وتردّدًا، واحترامًا وتقديرًا للآباء الأقدم الذين تركوا هؤلاء الأشخاص دون إبيتيميا، ولعلّه بسبب تواضعه الفلسفي وورعه.
لكنّ كون هذا القانون للقدّيس قد قُبِل من الكنيسة كقانون تصريحي، وتحديد، وناموس، وليس كنصيحة بسيطة مترددة، هو أمر تشهد عليه الأحداث التي جرت في عهد نيقيفوروس فوكاس والتي سجّلها كلا المفسِّرَين زوناراس وبلسامون، ودوسيثيوس (صفحة 533 من كتابه Dodecabiblus).
فذلك الإمبراطور كان قد سعى في زمنه إلى أن يُعَدّ الجنود المسيحيون الذين يُقتَلون في الحرب مع البرابرة مع الشهداء، وأن يُكرَّموا ويُمجَّدوا كشهداء. لكنّ البطريرك وسينودس الأساقفة في تلك الحقبة عارضوا هذه الفكرة، وعندما فشلوا في إقناع الإمبراطور، قدّموا أخيرًا هذا القانون للقدّيس كقانون كنسي، متسائلين: «هل سنعدّ مع الشهداء رجالًا قتلوا آخرين في الحرب وحرمهم باسيليوس الكبير من الأسرار ثلاث سنوات لأنّ أيديهم ليست طاهرة؟»
علاوة على ذلك، حتّى باسيليوس نفسه، في قانونه الخامس والخمسين، استشهد بهذا القانون هناك كقانون استشاري وتوصوي وحاسم ونهائي، بحسب بلسامون، بعد أن منع قطّاع الطرق من المناولة إذا قتلوا علمانيين كانوا يهاجمونهم فعلًا.
وإذا اعتُرِض بأنّ زوناراس يؤكّد أنّ هذه التوصية من القدّيس، أو بالأحرى القانون، تبدو ثقيلة وشاقّة جدًا، نظرًا لأنّ الجنود المسيحيين المنخرطين في حروب مستمرّة ومتتالية لم يتمكّنوا أبدًا حتّى الآن من التوقّف ثلاث سنوات متواصلة وبالتالي الحصول على فرصة للتناول، فنحن أيضًا نتّفق مع هذا، بأنّه ما دام الجنود في حالة حرب لا يمكنهم التناول، بل فقط بعد ثلاث سنوات من التوقّف عن الحرب.
— الدفّة (البيذاليون)، تعليق على القانون 13 للقدّيس باسيليوس الكبير
القانون 2 من المجمع الخامس-السادس (692 م)، الذي تحمل قوانينه سلطة المجمع المسكوني، كان قد صادق بالاسم على جميع قوانين القدّيس باسيليوس.[12] القدّيس نيقوديموس، الذي كتب بعد أكثر من ألفية، يسجّل أنّ الكنيسة استمرّت في معاملة هذا القانون كـناموس ملزِم، وليس مجرّد مشورة اختيارية.
علاوة على ذلك، يحمل النصّ اليوناني لهذا التعليق ثقلًا لا تنقله الترجمة الإنكليزية بالكامل.
ὅρος: النصّ الإنكليزي يقرأ «قانون تصريحي، وتحديد، وناموس». النصّ اليوناني يقرأ κανὼν ἀποφαντικός, καὶ ὅρος, καὶ νόμος. المصطلح الأوسط، ὅρος (هوروس)، يحمل ثقلًا أكبر بكثير من «تحديد». ὅρος هو المصطلح التقني الدقيق للمراسيم العقائدية للمجامع المسكونية: ὅρος خلقيدونية، ὅρος نيقية، ὅρος المجمع السابع. القدّيس نيقوديموس يضع قانون القدّيس باسيليوس على مستوى العقيدة المجمعية.
ثلاثة مصطلحات قانونية متصاعدة: حكم نهائي (ἀποφαντικός)، مرسوم مجمعي (ὅρος)، ناموس (νόμος).
ἐναντιούμενοι: النصّ الإنكليزي يقرأ أنّ البطريرك والسينودس «عارضوا هذه الفكرة». اسم الفاعل اليوناني ἐναντιούμενοι يعني «يقاومون بنشاط، يقفون ضدّ». هذه مقاومة فعّالة ضدّ الإمبراطور. عندما لم يستطيعوا إقناعه (μὴ πείθοντες τὸν Βασιλέα)، لجأوا إلى تقديم القانون ὡς Κανόνα، «كقانون»، كناموس كنسي ملزِم لا يستطيع أيّ إمبراطور تجاوزه. هذا هو النموذج الذي وضعه الآباء للأساقفة الذين يواجهون حكّامًا مدنيين يرغبون في إعادة تعريف تعليم الكنيسة حول الحرب.
μετριοφροσύνην καὶ εὐλάβειαν: يشرح القدّيس نيقوديموس لماذا استخدم القدّيس باسيليوس لغة لطيفة. لم يكن لأنّ التعليم كان غير مؤكّد. بل بسبب φιλόσοφον μετριοφροσύνην للقدّيس باسيليوس («التواضع الفلسفي») و εὐλάβειαν («الورع، التقوى») تجاه الآباء الأقدم الذين تركوا هؤلاء الجنود دون إبيتيميا. لطافة كلمات باسيليوس تعكس ببساطة التواضع القدّيسي، لا التردّد العقائدي.
الذين يستشهدون بالصياغة اللطيفة كدليل على أنّ القانون مجرّد اقتراح يخلطون بين تواضع القدّيس وعدم اليقين. القدّيس باسيليوس كتب بورع تجاه أسلافه، لكنّه كتب قانونًا، والكنيسة استقبلته كقانون: ملزِم ونهائي وقابل للتنفيذ، كما أظهر البطريرك والسينودس عندما استخدماه ضدّ إمبراطور.
يحفظ القدّيس نيقوديموس أيضًا فقرة من فيلون اليهودي تكشف الأساس الأنطولوجي لوصمة القتل في الحرب. بحسب فيلون، من يقتل إنسانًا، κἂν δικαίως, κἂν διὰ ἐκδίκησιν, κἂν διὰ βίαν καὶ ἀνάγκην («سواء بحقّ، أو انتقامًا، أو بالقوّة والضرورة»)، ὑπὸ ἁμαρτίαν καὶ ἔγκλημα φαίνεται νὰ πίπτῃ («يبدو أنّه يسقط تحت الخطيئة والجريمة»). كلمة ἔγκλημα (إنكليما) مصطلح قانوني: اتّهام، تجريم، تهمة جنائية. حتّى القتل المبرَّر هو خطيئة (ἁμαρτία) و، بلغة فيلون، نوع من الجريمة.
السبب ليس ظرفيًا بل أنطولوجي: المقتول هو ἐκ τοῦ αὐτοῦ γένους καὶ τῆς αὐτῆς φύσεως («من الجنس نفسه والطبيعة ذاتها») كالقاتل. الوصمة موجودة لأنّ القاتل والمقتول يتشاركان إنسانية مشتركة. لا يمكن لأيّ تبرير سياسي أن يتغلّب على هذا الواقع الأنطولوجي. القدّيس نيقوديموس يُصادق على هذا المنطق بإدراجه في تعليقه، مؤسِّسًا إبيتيميا الثلاث سنوات لا على عقوبة تعسّفية بل على الكرامة الجوهرية للطبيعة البشرية.
خلاصة: حاول إمبراطور أن يفعل بالضبط ما يعلّمه البطريرك كيريل الآن: أن يعلن الجنود الذين يموتون في المعركة شهداء تُغسَل خطاياهم. لكن لاحظ: طلب نيقيفوروس كان أكثر قابلية للدفاع بكثير من طلب كيريل. كان يطلب تكريم مدافعين، لا معتدين؛ من ماتوا قتالًا ضدّ غزاة غير أرثوذكس، لا ضدّ إخوة أرثوذكس؛ جنود بيزنطيين يحمون أراضٍ مسيحية من الغزو. ومع ذلك رفض البطريرك والسينودس، مستشهدَين بقانون القدّيس باسيليوس الذي يفرض ثلاث سنوات من المنع من المناولة لمن يقتلون في الحرب. رُفض مقترح الإمبراطور. البطريرك والأساقفة «قاوموا بشجاعة» الإمبراطور. لم يباركوا الحرب كطريق إلى الاستشهاد. بل أيّدوا تعليم القدّيس باسيليوس بأنّ من يقتلون في الحرب لديهم «أيدٍ نجسة».
إذا رفضت كنيسة القرن العاشر منح الاستشهاد للمدافعين ضدّ الجيوش المسلمة، فعلى أيّ أساس يمكن لكنيسة القرن الحادي والعشرين أن تمنح الحلّ التلقائي لمن يموتون في حرب عدوانية ضدّ مسيحيين أرثوذكس؟
ما يتطلّبه القانون
الذين يقتلون في الحرب لا يمكن عدّهم مع الشهداء (كما سنفحص لاحقًا في هذا النصّ)، حتّى وإن كانوا يحاربون البرابرة دفاعًا عن الأراضي المسيحية، وحتّى وإن باركتهم الكنيسة.
يبقى سؤال السينودس للإمبراطور نيقيفوروس الذي فُحص سابقًا بلا إجابة من قِبل أولئك الذين يدفعون بمقدّمتهم عن الحرب: كيف يمكننا أن نكرّم كشهداء من حرمهم القدّيس باسيليوس (فرض عليهم إبيتيميا) من الأسرار ثلاث سنوات لأنّ أيديهم نجسة؟
ثانيًا، الجنود المنخرطون فعليًا في الحرب لا يمكنهم التناول. الامتناع ثلاث سنوات عن المناولة المقدسة يبدأ فقط بعد توقّف الحرب. في عصر «الحروب المستمرّة والمتتالية»، هذا يمنع فعليًا الجنود المحترفين من الحياة الأسرارية طوال مدّة خدمتهم بالكامل. أين، في التبريرات الحديثة الكثيرة للحرب، نسمع أيّ ذكر لهذا على الإطلاق؟ إذن، البطريرك كيريل سيذكر كلّ أفكاره وحججه حول الحرب، ما عدا ما يقوله لنا قدّيسونا؟
ثالثًا، حتّى عندما تستوفي الحرب كلّ معيار يضعه الآباء للمشروعية (الدفاع عن الأرثوذكس من اضطهاد غير أرثوذكسي، الردّ على عدوان أجنبي، حماية الضعفاء)، فإنّ من يقتلون لا يزالون يحملون هذا العبء. الإبيتيميا غير قابلة للتفاوض. الجرح الروحي حقيقي، ولا يستطيع المرء ببساطة ممارسة التدبير ليذهب ويقتل من يشاء.
حتّى في معركة كوسوفو عام 1389، حيث استوفت الحرب كلّ معيار آبائي وضعه الآباء للدفاع المشروع، فإنّ المصادر الهاجيوغرافية تمجّد الموت، لا القتل (الفصل 21).
لا يمكن للمرء أن يختبئ وراء مبرّرات تافهة كهذه للحرب والموت. القدّيس باييسيوس الآثوسي يحذّر:
هناك من قتل كثيرين في الحرب آنذاك، ومع ذلك لا يزال على قيد الحياة. سيقول له الله في الحياة الأخرى: «لقد سمحتُ لك أن تعيش أطول بكثير من الناس الأتقياء». لن يُسمَح له بأيّ ظروف مخفّفة.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 2: اليقظة الروحية، ص. 57
لا ظروف مخفّفة. ليس «لكنّها كانت حربًا». ليس «لكنّني كنت أنفّذ الأوامر». ليس «لكنّ الكنيسة باركت ذلك». بالتأكيد كلّ هذه الأعذار كانت موجودة في أزمنة القدّيس باييسيوس الآثوسي. لا؛ من يقتل سيقف أمام الله ويقدّم حسابًا عن الأرواح التي أخذها.
عند هذه النقطة، يجب أن نفهم جيّدًا أنّه حتّى عندما تسمح الكنيسة بالقتل، فإنّه يجرح النفس. حتّى الموت العرَضي يمنع الإكليروس من الخدمة على المذبح طوال حياتهم. الإبيتيميات استجابة للخطيئة؛ وفرض القدّيس باسيليوس للإبيتيميا على القتل في حالة الدفاع عن النفس يُظهر أنّ القتل حتّى في حالة الدفاع عن النفس يجرح النفس وهو إخفاق عن الهدف، ونحن نتجاهل هذا الفرض بسبب الجهل الواسع ورفض الإبيتيميات في أزمنتنا المعاصرة.
الإبيتيميات المتعدّدة السنوات للخطايا الجسيمة، المفروضة من القدّيسين، يُسخَر منها من قِبل رعاتنا المعاصرين الذين يؤمنون سرًّا بأنّ قدّيسينا كانوا صارمين جدًا، بينما هؤلاء الرعاة أنفسهم ينتقون مشاعر القدّيسين أنفسهم (مثل القدّيس باييسيوس الآثوسي) لتأنيب من يستجوبون إخلاصهم، حتّى يختبئوا وراءهم.
الذين يبرّرون الحرب مستخدمين القدّيسين يُغفلون الإبيتيميات بالذات التي فرضها هؤلاء القدّيسون. لا ذكر لإبيتيميا ثلاث سنوات. لا ذكر للتوقّف عن المناولة طوال فترة الحرب وثلاث سنوات بعدها. لا ذكر للدموع والنحيب.
كثيرًا ما نتحدّث عن «القتل المبرَّر» و«الأيدي النظيفة» و«الحرب المقدّسة»… لكن كم مرّة نتحدّث عن الأيدي النجسة، والتلوّث، وسنوات الحرمان من الكأس؟ إذا لم نكن مستعدّين للحديث عن الأيدي النجسة والدموع والإبيتيميا، فنحن لا نتكلّم اللغة نفسها التي يتكلّمها القدّيس باسيليوس الكبير والقدّيس نيقوديموس والدفّة.
الأب سبيريدون بيلي، كاهن محترم في كنيسة الروس في الخارج (ROCOR)، يعلّق على القانون 13 للقدّيس باسيليوس:
الذين شاركوا في المعركة وربّما قتلوا أو قتلوا فعلًا شخصًا يجب أن يمتنعوا عن المناولة المقدسة، بحسب القانون الثالث عشر للقدّيس باسيليوس، لمدّة ثلاث سنوات على الأقلّ، حتّى تُشفى النفس وتتعافى. حتّى لو بوركوا للذهاب إلى القتال، فإنّ النفس تحتاج هذا الوقت للتعافي.
— الأب سبيريدون بيلي، “هل يجب على المسيحيين الذهاب إلى الحرب؟”، https://www.youtube.com/watch?v=OE48zfqFm1k، 14 كانون الثاني 2026

القدّيسون حول القتل في الحرب
عندما ذهب قدّيسونا إلى الحرب وشاركوا فيها، فهموا هم أنفسهم هذا الجرح الروحي إن كانوا سيأخذون حياة أخرى.
لهذا السبب، دون تحفّظ، صلّوا ألّا يضطرّوا لأخذ أيّ أرواح.
يا قدّيستي بربارة، ليتني أتعرّض للخطر في أيّ قتال عسكري؛ ساعديني فقط على ألّا أقتل أحدًا.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 5: الأهواء والفضائل، ص. 288[13]
القدّيس باييسيوس وجّه التوسّل نفسه إلى والدة الإله:
يا والدة الإله: «اتركيني أتألّم، اتركيني أتعرّض للخطر، فقط لا تدعيني أقتل أحدًا؛ واجعليني مستحقًّا لأصير راهبًا».
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، القدّيس باييسيوس من جبل آثوس (الإسقيط المقدّس “الإنجيلي يوحنا اللاهوتي”)، ص. 34
في سيرة القدّيس باييسيوس، نرى أنّ صلاته استُجيبت، فعُيِّن عامل لاسلكي بدلًا من الوحدات القتالية:
عمله كعامل لاسلكي أعفاه من المشاركة المسلّحة في الحرب، بحيث لم يضطرّ، بالنعمة الإلهية، لقتل أحد.
— القدّيس باييسيوس من جبل آثوس (الإسقيط المقدّس “الإنجيلي يوحنا اللاهوتي”)، ص. 38
إذا كان القتل مبرَّرًا إلى هذا الحدّ، فلماذا «النعمة الإلهية» هي التي منعته من قتل أحد؟ ولماذا لم يقتل قدّيسونا الناس بدافع «الطاعة» و«الدفاع عن النفس» ويقضوا وقتهم في تبرير أنفسهم؟
عندما ظهرت إمكانية تعيينه في فرقة إعدام، كان القدّيس باييسيوس واضحًا بشأن ما كان سيفعله:
لم يرسلوني للخدمة في فرقة الإعدام. بالطبع، لم أكن لأقدر على القتل…
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، القدّيس باييسيوس من جبل آثوس (الإسقيط المقدّس “الإنجيلي يوحنا اللاهوتي”)، ص. 41
لاحظ أنّ القدّيس باييسيوس الآثوسي، المُنعَم عليه بالنعمة والممتلئ حكمة من الأدب الآبائي، وله أمثلة كثيرة من أشخاص قدّيسين، لا يلجأ إلى الطاعة أو ما شابه لتبرير القتل. ببساطة يقول إنّه لم يكن ليقدر على القتل.
وأثناء القتال الفعلي، اختار القدّيس باييسيوس أن يخاطر بحياته بدلًا من ترك جندي آخر يموت:
مرّة، أثناء معركة… خرجتُ… «من الأفضل»، فكّرت، «أن أموت أنا مرّة واحدة، من أن يموت شخص آخر ويقتلني ضميري بقيّة حياتي».
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، القدّيس باييسيوس من جبل آثوس (الإسقيط المقدّس “الإنجيلي يوحنا اللاهوتي”)، ص. 42
هذه عقلية القدّيس في زمن الحرب. ليست مجدًا في المعركة. ليست حماسة لقتل العدوّ. بل صلاة ليُعفى من القتل، وامتنان عندما استُجيبت تلك الصلاة، واستعداد للموت بدلًا من أن يكون موت آخر على ضميره.
إذا قرأنا سِيَر القدّيسين بعناية، نرى نمطًا ثابتًا. حتّى الذين خدموا في الجيوش وحضروا المعارك توسّلوا إلى الله أن يعفيهم من القتل. لم يعتبروا الحرب مقدّسة. لم يبرّروا القتل. لم يتحدّثوا عن القتل دفاعًا عن النفس كشيء نظيف أو غير ضارّ روحيًا.
هذا مهمّ. القدّيسون يحثّوننا باستمرار على قراءة سِيَرهم حتّى نتّبع مثالهم، ونميّز مشيئة الله، ونحيا حياة مرضية له. ومع ذلك فإنّ أزمنتنا مليئة بأناس يتحدّثون بصوت عالٍ عن الحرب والقتل، ويدّعون معرفة ما هو «أرثوذكسي» وما ليس كذلك، بينما من الواضح أنّهم لم يقرأوا سِيَر القدّيسين وتعاليمهم حول هذا الموضوع بالذات. هذا سطحيّ بشكل صارخ وعاصٍ للآباء والقدّيسين.
القدّيس ياكوفوس من أفيا يقدّم شهادة حيّة من تجربته في الجيش:
أثناء خدمتي العسكرية، كنت أحمل معي دائمًا أيقونة القدّيس خرالمبوس المعجِزة. كنت كثيرًا ما أتوسّل إلى القدّيس أن يعفيني من الخدمة في فوج المسلّحين، لأنّني لم أكن رجل دماء. عندما كان قائد الفوج يختار الجنود الذين سيخدمون في وحدة القتال المسلّحة، كنت أمسك بإحكام بأيقونة القدّيس وأتوسّل إليه ألّا يدع القائد يراني ويختارني من بين المقاتلين. وبالطبع كان القدّيس دائمًا «يُعمي» القائد فلم يخترني أبدًا.
— القدّيس ياكوفوس من أفيا، سيرة وشهادة القدّيس ياكوفوس من أفيا، الفصل 2: حياة الشيخ في الجيش[14]
هنا أيضًا، الطلب ليس «ساعدني على الانتصار»، بل «أعفِني من الاضطرار إلى القتل». ويقول أيضًا إنّه ليس رجل دماء. هذا مميِّز لجميع قدّيسينا، ونحن مدعوّون لاتّباع مثالهم.
القدّيس باييسيوس أكثر صراحة بشأن ما يبدو عليه «الرجل الصالح» في الحرب. يكتب:
البطولات يصنعها الشجعان؛ كبار القلوب لا كبار الأجسام، المصمّمون على التضحية بأنفسهم. وفي زمن الحرب، أصحاب الشجاعة الحقيقية لديهم أيضًا طيبة ولا يقتلون بلا ضرورة. الشجاعة لا مكان فيها للوحشية. قد يطلقون النار حول العدوّ بطريقة تُجبره على الاستسلام. الرجل الصالح يفضّل أن يُقتَل على أن يَقتُل. وعندما يكون لدى المرء مثل هذه النوايا، يتلقّى قوى إلهية. الأشرار جبناء، غير رجال، متنمّرون؛ يخافون من أنفسهم ومن الآخرين؛ لهذا يظلّون يطلقون النار باستمرار من الخوف أكثر من الهدف. أثناء حرب العصابات عندما كنتُ أخدم في الجيش، ذهبنا مرّة إلى قرية. قالوا لنا: «ليس هنا أحد من رجال العصابات؛ لقد رحلوا جميعًا. بقيت فقط امرأة مجنونة». أحد رجالنا رآها من بعيد وأطلق فورًا رشقة أو اثنتين من سلاحه! المسكينة صرخت: «ماذا فعلتُ لكم؟» ثمّ سقطت. هل فعل ذلك من الخوف؟ نعم، من الخوف. مثل هذا الشخص يبحث عن الحلّ السهل لنفسه. حتّى يكون متأكّدًا يقول: «من الأفضل أن أتخلّص من العدوّ». الأقلّ جبنًا هو أيضًا الأقلّ شرًّا. سيحاول أن يُعطِّل العدوّ، سيحاول مثلًا أن يكسر ذراعه أو ساقه، لا أن يقتله.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 2: اليقظة الروحية، ص. 241-242[15]
عند القدّيس باييسيوس، الشجاعة الحقيقية لا تنفصل عن الطيبة. البطل الحقيقي يفضّل أن يموت على أن يقتل، وعندما يضطرّ للقتال يهدف إلى الإيقاف لا إلى التدمير. القتل بدافع الخوف وحماية الذات هو علامة الجبن لا الشجاعة. يوضّح الروح نفسها في مثال والده:
الرجولة والشجاعة شيء، والخبث والإجرام شيء آخر. ليس من الرجولة أن تمسك بالأعداء، الأسرى، وتذبحهم. الرجولة تعني أن أمسك العدوّ، أكسر سلاحه ثمّ أطلقه حرًّا. هذا ما كان يفعله أبي. كلّما أمسك بالتسيتيس الذين يُغيرون على فاراسا، كان يأخذ أسلحتهم ويكسرها، ويقول للمغيرين: «أنتم نساء؛ لستم رجالًا». ثمّ يطلقهم أحرارًا. مرّة تنكّر بزيّ امرأة تركية وذهب إلى معسكرهم وطلب القائد. قبل ذلك كان قد اتّفق مع رجاله على الهجوم فور إعطاء الإشارة. عندما أخذه التسيتيس إلى القائد، قال له: «أبعِد رجالك حتّى نبقى وحدنا». عندما بقيا وحدهما، انتزع سلاح القائد، وكسره وقال له: «الآن أنت المرأة وأنا إزنيبيدس». ثمّ أعطى الإشارة، واندفع رجاله الشجعان وطردوا التسيتيس من القرية.
— القدّيس باييسيوس الآثوسي، إرشادات روحية، المجلّد 2: اليقظة الروحية، ص. 241-242[16]
الهدف هو إيقاف العدوّ، نزع سلاحه، طرده، لا ذبحه وإبادته. هذه عقلية شخص متشرّب بروح الكنيسة.
المطران المؤسِّس لكنيسة الروس في الخارج
المطران أنطونيوس (خرابوفيتسكي)، المطران المؤسِّس لكنيسة الروس في الخارج (ROCOR)، يقدّم مثالًا على ما تبدو عليه العقلية المسيحية في الحرب:
في بداية هذا العام عندما ذهبتُ إلى ثكنات سابّرز في خاركوف لمحادثات روحية، أشار لي ضابط الخدمة إلى جندي يحمل صليب القدّيس جاورجيوس وقال: «لقد وصلنا للتوّ من الجبهة للنقاهة في الأيام القليلة الماضية؛ في نهاية إحدى الهجمات ضرب كتف نمساوي ثمّ ركض فورًا ليحضر ماء، وجلبه في قبّعته، وغسل جرح عدوّه، وربطه بقميصه، وحمله على كتفيه إلى أقرب نقطة طبّية».
— المطران أنطونيوس (خرابوفيتسكي)، “الإيمان المسيحي والحرب”، https://www.rocorstudies.org/2016/11/16/the-christian-faith-and-war/
هذا جندي مُوسَّم، مخضرم في الجبهة. القصّة الملموسة الوحيدة التي تُروى عنه ليست أنّه قتل كثيرًا من الأعداء، بل أنّه بعد جرح جندي عدوّ عالج فورًا جراحه وحمله إلى بِرّ الأمان. هذه هي العقلية والغريزة المسيحية الأرثوذكسية في الحرب.
ثمّ يصف المطران أنطونيوس الروح العامّة للجنود الروس الذين أرسلهم إلى الجبهة:
جنودنا الذاهبون إلى ساحة المعركة (أرسلنا أكثر من 150,000 منهم من خاركوف في هاتين السنتين) لم يفكّروا في كيف سيقتلون، بل في كيف سيموتون. في أعينهم، الجندي ليس فاتحًا مكتفيًا بذاته، بل ناسكًا يضحّي بذاته، يبذل حياته من أجل الإيمان والقيصر والوطن.
— المطران أنطونيوس (خرابوفيتسكي)، “الإيمان المسيحي والحرب”، https://www.rocorstudies.org/2016/11/16/the-christian-faith-and-war/
حتّى في حرب اعتقد أنّها دفاعية فعلًا (مختلفة جدًّا عن الحرب في أوكرانيا)، يصرّ المطران أنطونيوس على أنّ الجنود المؤمنين لم يتفاخروا بالقتل. استعدّوا للموت. رأوا أنفسهم يبذلون حياتهم لا يأخذون حياة الآخرين. وعندما اضطرّوا لجرح عدوّ، استجابوا بالرحمة.
عند هذه النقطة، سيكون من المفيد العودة إلى كلمات البطريرك كيريل، وفحص كلمة «شهيد».
كيف يعرّف الآباء الاستشهاد؟
يدّعي البطريرك كيريل أنّ الموت في ساحة المعركة «يغسل جميع الخطايا». ليس هناك سوى تعليم واحد في الكنيسة يشير إليه هذا، وهو تعليم الكنيسة حول الشهداء والاستشهاد.
ماذا تعلّم الكنيسة حول ما إذا كان يجب تكريم الجنود الذين يموتون في المعركة كشهداء؟ قبل فحص هذا، يجب أن نفهم ما يعنيه الآباء بـ«شهيد».
التعريف: شاهد
الكلمة اليونانية μάρτυς (مارتيس) تعني «شاهد». الشهيد هو من يشهد للمسيح. كما يشرح الكاهن الشهيد دانيال سيسويف:
اللغة السلافية تخذلنا دائمًا. منذ أن أخطأ السلاف في ترجمة كلمة «شهيد»، كنّا دائمًا نسيء فهمها. يجب ألّا نقرأ كلمة «شهيد» كما تُفهم عادةً [شخص عُذِّب]. الشهيد هو شاهد… وهكذا فإنّ الشهيد هو من شهد بموته أنّ المسيح غلب الموت، وأنّه قام من بين الأموات. هذا معنى «شهيد»: شاهد، وليس شخصًا عُذِّب.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، تعليمات للخالدين، ص. 28
أن يشهد للمسيح: من خلال حياته، ومن خلال ألمه، ومن خلال موته، هو المعنى الجوهري للكلمة.
ما نعنيه عادةً بـ«شهيد»
في حين أنّ التعريف هو «شاهد»، فإنّنا نحن المسيحيين الأرثوذكس عندما نتحدّث عن الشهداء، نشير عادةً وبالعامية إلى من قُتل لاعترافه بالمسيح. الشهيد النموذجي هو من:
- يواجه معارضة للإيمان (مطالبة بإنكار المسيح أو التوقّف عن الاعتراف)
- يستجيب بشهادة فعّالة (رفض الإنكار، الاستمرار في الوعظ)
- يُقتَل تحديدًا بسبب تلك الشهادة
- يموت ضمن شركة الكنيسة (ليس كهرطوقي أو منشقّ)
هذا ما نعنيه عادةً عندما نقول «شهيد»: من قُتل لاعترافه بالمسيح تحت الاضطهاد.
التمييز بين الشهادة واللقب
ليس كلّ من يشهد للمسيح يُدعى شهيدًا. القدّيس باييسيوس الآثوسي شهد من خلال نسكه وإرشاده، لكنّنا لا نمنحه لقب شهيد بحدّ ذاته.
ومع ذلك تكرّم الكنيسة بعض القدّيسين كشهداء مع أنّهم لم يُعدَموا. القدّيسة تقلا، المسمّاة «أولى الشهيدات بين النساء»، حُكم عليها بالحرق والوحوش لكنّها نجت بأعجوبة؛ وماتت بشكل طبيعي. القدّيسة غولينذوخا عُذِّبت في ظلّ اضطهاد زرادشتي؛ وعندما منعها ملاك من الموت، يئست من الاستشهاد، لكنّ الملاك قال لها: «بعد كلّ ما مررتِ به، أنتِ شهيدة».
هؤلاء القدّيسات شهدن من خلال ألمهنّ ويُدعَين شهيدات، مع أنّهنّ لم يُعدَمن لاعترافهنّ.
الاستشهاد يتطلّب الشركة مع الكنيسة
الآباء مجمعون على أنّ الاستشهاد يتطلّب البقاء ضمن شركة الكنيسة. لا يمكن للمرء أن يكون شهيدًا وهو في هرطقة أو انشقاق. الكاهن الشهيد دانيال سيسويف نفسه يقول هذا صراحة، في الصفحة التي تسبق تعريفه للاستشهاد:
موت الشهيد يغسل جميع الخطايا باستثناء الهرطقة والانشقاق. جميع الخطايا الأخرى، الزنى، القتل، الفسق، تُغسَل. الهرطقة هي تحريف لتعاليم الكنيسة، تحريف لا يصدر عن جهل، بل تحريف واعٍ، يتعارض مع مشيئة الله. أليس كذلك؟ الانشقاق هو تمرّد منظَّم ضدّ الكنيسة. جميع الخطايا الأخرى تُغسَل.
— الكاهن الشهيد دانيال سيسويف، تعليمات للخالدين، ص. 27
وهكذا نرى أنّه حتّى لو مُنحت فئة الشهيد افتراضيًا للجنود الذين يموتون في الحرب، فإنّ تعليم سيسويف نفسه يستبعد من هم في هرطقة أو انشقاق من فائدتها. الشهود الآبائيون يؤكّدون هذا بالإجماع:
ينبغي أن ينتقل إلى الهراطقة والمنشقّين؛ حيث، وإن قُتل بعد ذلك من أجل الاسم، فإنّه إذ يكون موضوعًا خارج الكنيسة، ومنفصلًا عن الوحدة والمحبّة، لا يمكن أن يُكلَّل بموته.
— القدّيس كبريانوس القرطاجي، الرسالة 51 (إلى أنطونيانوس)، الفصل 17، https://www.newadvent.org/fathers/050651.htm
لا يمكن لأحد، مهما أعطى من صدقات، حتّى لو سفك دمه من أجل اسم المسيح، أن يخلص، ما لم يبقَ في حضن الكنيسة الجامعة ووحدتها.
— القدّيس فولجنتيوس الروسبي، في الإيمان، إلى بطرس (De Fide ad Petrum)، 38.81
الكنيسة في كلّ مكان، بسبب تلك المحبّة التي تكنّها لله، ترسل في كلّ زمان جمهورًا من الشهداء إلى الآب؛ بينما جميع الآخرين لا يملكون شيئًا من هذا القبيل ليُشيروا إليه بين أنفسهم، بل يؤكّدون أنّ مثل هذه الشهادة ليست ضرورية إطلاقًا.
— القدّيس إيريناوس الليوني، ضدّ الهرطقات، IV.33.9، https://www.newadvent.org/fathers/0103433.htm
هذا مهمّ: ليس كلّ من يحارب في هذه الحرب مسيحي أرثوذكسي. وعد البطريرك كيريل لا يمكن أن ينطبق على المسلمين أو غيرهم خارج الكنيسة. ومع ذلك تحدّث دون أيّ تحفّظ. الجماهير غير المثقّفة التي تسمع مثل هذه الكلمات لن تُحلّل التمييزات اللاهوتية. سيسمعون بالضبط ما قاله: الموت في المعركة يغسل جميع الخطايا. دور البطريرك هو أن يعلّم المؤمنين، لا أن يضلّلهم. حتّى الذين يحاجّون بأنّه قصد مجموعة معيّنة لا يمكنهم الإفلات من عدم مسؤولية الكلام بهذه الطريقة.
وهكذا، القضية، لا الألم، هي التي تصنع الشهيد. لهذا السبب الأمثلة أعلاه مهمّة. القدّيسة تقلا والقدّيسة غولينذوخا شهيدتان ليس بسبب مقدار ما عانتاه، بل لأنّهما عانتا من أجل القضية الصحيحة: الشهادة للمسيح. كما يعلّم القدّيس أغسطينوس:
ليست العقوبة هي التي تصنع الشهيد بل القضية.
— القدّيس أغسطينوس، العظة 327، 1
القدّيس كبريانوس يعزّز هذا:
مع أنّهم يُحرَقون، مسلَّمين للّهب والنار، أو يبذلون أرواحهم، ملقين أمام الوحوش، فلن يكون ذلك إكليل الإيمان، بل عقوبة الغدر؛ ولن يكون النهاية المجيدة للشجاعة الدينية، بل هلاك اليأس. يمكن أن يُقتَل مثل هذا الشخص؛ أمّا أن يُكلَّل فلا يمكن.
— القدّيس كبريانوس القرطاجي، في وحدة الكنيسة، الفصل 14، https://www.newadvent.org/fathers/050701.htm
القضية مهمّة. الألم وحده لا يشكّل استشهادًا. يجب أن تكون الشهادة للمسيح، ضمن شركة الكنيسة، من أجل الإيمان.

الدفاعات الشائعة عن ادّعاء غسل الخطايا
تعليم الآباء حول الإبيتيميا والقتل والاستشهاد قد تأسّس الآن. قبل تطبيقه مباشرة على عظة البطريرك كيريل، يجب معالجة اعتراضين. كلاهما يحاول الدفاع عن ادّعاء غسل الخطايا تحديدًا: أنّ وجود القدّيسين الجنود يثبت أنّ الموت العسكري خلاصي، وأنّ صلوات الكنيسة الليتورجية من أجل الجنود تعادل مباركة لقتلهم. السؤال الأوسع حول ما إذا كانت هذه الحرب ذاتها يمكن تبريرها على أسس أرثوذكسية يُفحَص بشكل منفصل في الفصل 20.
«لكن ماذا عن قدّيسينا الجنود؟»
ماذا عن جميع قدّيسينا الجنود؟ بالتأكيد هم يبرّرون الحرب المسيحية، كما يعتقد كثيرون ممّن لم يقرأوا بعد سِيَر القدّيسين بعناية.
كما أسّسنا سابقًا، μάρτυς تعني «شاهد»: الاستشهاد هو الشهادة للمسيح، والموت بسبب تلك الشهادة. لا تعني «محاربًا بطوليًّا» أو شخصًا يموت ببساطة في الحرب، بالمعنى القومي الحديث الذي تُعامَل به غالبًا.
يلجأ المدافعون المعاصرون عن الحرب غالبًا إلى ما يُسمّى بالشهداء الجنود: القدّيس ديمتريوس، القدّيس جاورجيوس، القدّيس ثيوذوروس ستراتيلاتيس، وغيرهم. الحجّة بسيطة: بما أنّ لدينا قدّيسين وشهداء جنودًا، ولأنّنا نصوّرهم بالرماح والسيوف كمحاربين عظام، فإنّ القتال والقتل في الحرب يجب أن يكون مبرَّرًا تمامًا.
هذا ليس ما تقدّمه سِيَر هؤلاء القدّيسين، وليس كيف يعملون في حياة الكنيسة. يُشجَّع القرّاء على العودة إلى قراءة السنكسار (مجموعة سِيَر القدّيسين التي تُقرأ في خدمات الكنيسة) لهؤلاء الشهداء وفحصها عن كثب، ليروا إن كانت فكرتهم عن هؤلاء القدّيسين تتطابق مع سِيَرهم المسجَّلة.
بعض أمثلة الشهداء
هنا ستُفحَص بعض أمثلة الشهداء، مع التفاصيل التي تجعلهم شهداء.
الشهداء الاثنان والأربعون من عمّورية كانوا جنودًا بيزنطيين أُسِروا بعد سقوط عمّورية واحتُجِزوا في الأسر الإسلامي سبع سنوات. أُمِروا مرارًا باعتناق الإسلام وأُعدِموا فقط بعد رفضهم. حياتهم العسكرية لم تجعلهم شهداء؛ اعترافهم الثابت ورفضهم قبول الإسلام تحت التهديد هو ما جعلهم كذلك.
الكاهن الشهيد دانيال سيسويف (†2009) تلقّى تهديدات بالقتل متكرّرة لتبشيره المسلمين في روسيا وأُطلقت عليه النار وهو يعظ في كنيسته. مات لأنّه أصرّ على الشهادة. لو قُتل في حادث غير متّصل، لتذكّرته الكنيسة ببساطة ككاهن؛ الاستشهاد ينبع من سبب موته، الذي كان تبشيره بعد التهديد، والذي كان شهادته (μάρτυς).

الآن سننظر إلى القدّيس ديمتريوس المرّ الجاري كمثال، مستخدمين مقتطفات مباشرة من السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية.
سيرة القدّيس ديمتريوس الفعلية
نعم، كان للقدّيس ديمتريوس تدريب ومهارة عسكرية. يقول السنكسار صراحة:
كما مارس فنون الحرب، إذ في ذلك الزمان كان الشباب يقدّرون المهن العسكرية تقديرًا عاليًا. كان في عنفوان شبابه وقد اشتُهر بقوّته ومهارته في المعركة.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
إذن نقرّ بهذا. كان مدرَّبًا. كان ماهرًا. كان مشهورًا بقدرته في الحرب. لكن لاحظ ما يأتي مباشرة بعد ذلك:
لكن أكثر من ذلك أثنى الآخرون على فضائله الروحية، إذ كان عاقلًا ومنضبطًا. أحبّ البرّ وأبغض الظلم.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
أكثر. ليس «بالتساوي». ليس «أُثني أيضًا». أكثر من ذلك أثنى الآخرون على فضائله الروحية من مهارته العسكرية. لهذا نكرّم القدّيس ديمتريوس: فضيلته المقدّسة. ليس لأنّه كان قاتلًا ماهرًا.
اعترف الإمبراطور بهذه الفضائل ورفعه إلى منصب عالٍ:
اختار غاليريوس ديمتريوس، من بين جميع قادة تسالونيكي، ورفعه إلى رتبة دوكس، أي قائد عسكري لكلّ تساليا.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
الآن انتبه لما يقوله السنكسار بعد ذلك:
مع أنّه لم يكن مستاءً من التعيين الإمبراطوري كقائد عسكري وحامٍ للشعب، لم يكن شيء يسعده أكثر من سعيه لزيادة الفضيلة.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
قَبِل القيادة العسكرية. لم يكن مستاءً من كونه حامي الشعب. لكنّ ما أسعده، ما شغل قلبه، كان زيادة الفضيلة المسيحية.
قَبِل دورًا دفاعيًا، موجَّهًا نحو حماية الشعب، وهو ما يتّسق مع الإطار الآبائي الضيّق. ومع ذلك حتّى ضمن هذه الدعوة المشروعة، ما استهلكه لم يكن النجاح العسكري بل الفضيلة. عمله لم يكن الحرب بل الوعظ.
يصف السنكسار كيف بدا ذلك عمليًا:
ليلًا ونهارًا، لم يتوقّف أبدًا عن تعليم كلمة الله والإيمان بالمسيح. كان يعلّم الشعب علنًا، دون أيّ محاولة للتخفّي أو خوف من أن يعلم الإمبراطور بنشاطاته. جعل عمله الرئيسي زرع بذور التقوى بطريقة ملائمة تتكيّف مع تلك النفوس التي تستمع.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
إذن، العمل الرئيسي للقدّيس ديمتريوس المرّ الجاري كان التعليم الديني. ليس تدريب الجنود. ليس التخطيط للحملات. ليس الدفاع عن الأسوار. ليس اختراق صفوف الأعداء. العمل الرئيسي للقدّيس ديمتريوس كان تعليم كلمة الله، ليلًا ونهارًا.
المطران أفغوستينوس كانديوتيس، معلّقًا على هذا، لا يسمّيه آلة حرب ماهرة؛ بل يسمّيه معلِّمًا دينيًّا:
الذين لا يحبّون التعليم الديني فليسمعوا. التعليم الديني ليس شيئًا جديدًا، بل مؤسّسة قديمة في كنيستنا المقدسة. المعلِّمون الدينيون لم يكونوا رجال دين فحسب بل علمانيين أيضًا، ومن أبرزهم كان القدّيس ديمتريوس.
— المطران أفغوستينوس كانديوتيس، قدّيسون من جميع مناحي الحياة، ص. 31
فلا نضطرب إذن؛ هذه الفضيلة المسيحية والوعظ بالإنجيل مع التعليم الديني هي بالذات السبب الذي يُثنى فيه على القدّيس ديمتريوس، بسبب غيرته لله ووعظه بالإنجيل.
يتابع السنكسار:
هذه كانت مواضيع خطب القدّيس ديمتريوس. كان يعلّم باستمرار، وكثيرون طبّقوا كلماته في حياتهم.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
ثمّ تأتي العبارة التي تدمّر أيّ محاولة لاستخدام القدّيس ديمتريوس كنموذج لـ«الحرب المقدّسة»:
وهكذا، إذ لم يعتبر شيئًا آخر ربحًا سوى تحويل مدينة تسالونيكي بأكملها إلى الإيمان بالمسيح، لم يتوقّف أبدًا عن الوعظ.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
لا شيء آخر ربحًا. ليس الانتصارات العسكرية. ليس الدفاع الناجح. ليس المجد في المعركة. فقط تحويل النفوس إلى المسيح. هذا ما استهلكه. هذا ما قدّره.
هذا الوعظ، وهذا فقط، هو سبب سعي إبليس لقتله:
إبليس، عدوّ الحقّ، الذي يحمل دائمًا الحقد على نفوس البشر، لاحظ أنّ المسيحيين يتكاثرون وعبّاد الأصنام يتناقصون. فتملّكه الحسد واستخدم مكائد متنوّعة لعرقلة وعظ القدّيس. بعد أن فشل في إحباط الرجل المقدّس، سعى إبليس إلى الطريقة الوحيدة لتحقيق إسكات ديمتريوس الدائم، وهي قتله.
— السنكسار الكبير للكنيسة الأرثوذكسية، سيرة القدّيس ديمتريوس
في أيّ مكان هنا في سيرة القدّيس ديمتريوس لا نقرأ أنّ إبليس لاحقه بسبب «قتله المقدّس»، أو بسبب طريقة القدّيس ديمتريوس في استخدام «سيفه المقدّس»، وما إلى ذلك ممّا يتخيّله البعض. الشيطان احتقره بسبب وعظه وتحويله لعبّاد الأصنام. لهذا استُشهد، لا لأنّه كان جنديًا ماهرًا.
الإمبراطور أيضًا أراد وقف انتشار المسيحية؛ لهذا مات ديمتريوس.
إذا نظرنا إلى الشهداء الجنود المشهورين الآخرين، نرى النمط نفسه. القدّيس جاورجيوس اللابس الظفر خدم كضابط تحت دقلديانوس. عندما أمر الإمبراطور باضطهاد المسيحيين وأمر جاورجيوس بالمشاركة، رفض، واعترف بالمسيح علنًا، وشجب المرسوم كظالم. لأجل هذا عُذِّب وقُطع رأسه. الكنيسة تسبّح اعترافه وصبره، لا مآثره العسكرية.
القدّيس ثيوذوروس التيرون خدم كجندي لكنّه استُشهد لإحراقه معبدًا وثنيًا ورفضه التضحية للأصنام. أُحرق حيًّا لأنّه لم ينكر المسيح. مرّة أخرى، ما نحتفل به هو اعترافه الجريء، لا خدمته في الجيش بحدّ ذاتها.
أليس النمط واضحًا؟
هؤلاء شهداء صادف أنّهم كانوا جنودًا، لا محاربين يُمجَّدون لذبحهم وتشويههم وقتلهم. نكرّم شهادتهم للمسيح، ورفضهم طاعة الأوامر التي تنتهك الإيمان، واستعدادهم للموت بدلًا من خيانة الربّ. لا نغنّي عن المعارك التي انتصروا فيها. لا نحتفل بأعياد الأعداء الذين قتلوهم. لا نمجّد سجلّهم العسكري.
استخدام القدّيسين الجنود كتبرير لـ«الحرب المقدّسة» هو قراءة سِيَرهم بالعكس تمامًا. هو إسقاط ما نريدهم أن يمثّلوه عليهم، بدلًا من استقبال ما تعطينا الكنيسة فعلًا في سِيَرهم وترانيمهم. وُصف القدّيس ديمتريوس بأنّه «لم يعتبر شيئًا آخر ربحًا سوى تحويل مدينة تسالونيكي بأكملها إلى الإيمان بالمسيح».
هل يمكن قول الشيء نفسه عمّن يباركون الحروب الحديثة؟ أم أنّهم يعتبرون شيئًا آخر ربحًا (الأرض، النفوذ، المجد القومي) بينما يستخدمون أسماء القدّيسين لتبرير شهوة الدم ورغبة السلطة والانتقام؟
الذين يشيرون إلى هؤلاء الشهداء للدفاع عن الحرب يُظهرون قلّة اهتمام بقراءة سِيَرهم المقدّسة، لكنّهم يبذلون جهدًا أكبر بكثير لتحريفها لتبرير ميولهم. لقد حوّلنا القدّيسين إلى أيقونات لما لم يكونوا عليه قطّ. السنكسار، إذا سمحنا له أن يتكلّم، وإذا كنّا منشغلين بقراءته، سيعيدنا إلى ما قدّره هؤلاء القدّيسون حقًّا: لا المجد العسكري، بل خلاص النفوس.
«لكنّ الكنيسة تصلّي من أجل الجنود!»
لا يزال آخرون يشيرون إلى القدّاس الإلهي نفسه، مستشهدين بطلبات من أجل «القوّات المسلّحة» ثمّ يقولون «نحن نصلّي من أجل جنودنا في الكنيسة. أليس هذا مباركة لقتلهم؟»
أوّلًا، الافتراض بأنّ الدور الأساسي للجندي هو أخذ الأرواح افتراض خاطئ. هل نظنّ أنّ كلّ من ينضمّ إلى الجيش يؤمن بأنّه من المفترض تقريبًا أنّه سيضطرّ لأخذ حياة أخرى؟ هذا بالطبع ليس صحيحًا، وليس كذلك كيف فهمت الكنيسة يومًا دور الجندي. حتّى في الجيوش الحديثة، نسبة صغيرة فقط من الجنود تقتل أحدًا في القتال.
عمل العسكريين يشمل أدوارًا متنوّعة كثيرة مثل الخدمات اللوجستية والإدارة والطبّ والاتّصالات والهندسة وأنواع أخرى من أدوار الدعم. في العالم القديم كان هذا أكثر وضوحًا.
الآباء والقدّيسون لم يختزلوا هويّة الجندي في فعل القتل، كما لو كان جوهره. لذلك عندما تصلّي الكنيسة من أجل «قوّاتنا المسلّحة» أو «الذين يخدمون بلادهم»، يجب ألّا يُفسَّر هذا كتأييد لسفك الدماء.
كثير ممّا تصلّي من أجله الكنيسة هو السلام، وإذا كانت الكنيسة تصلّي من أجل الجيش، فيجب اعتبار هذا صلاة من أجل السلام، وليس هناك مهنة أخرى تحتاج مثل هذه الصلاة بيأس مثل العسكريين، القادرين على أخذ أرواح المئات إن لم يكن أكثر. الكنيسة إذن تصلّي لا كتأكيد، بل متوسّلة إلى الله أن يمنع الحرب وسفك الدماء بلا معنى، إن أمكن.
نصلّي من أجل الجنود حتّى يُحمَوا، وحتّى تتوقّف الحرب، وحتّى لا يُجبَروا على مواقف يضطرّون فيها للقتل، وفوق كلّ شيء حتّى لا يُطلَب منهم رفع أيديهم ضدّ مسيحيين أرثوذكس آخرين، كما سيُشرَح في الفصل 20.
قداسة القدّيسين لا تأتي من الخدمة العسكرية بل في كثير من الأحيان رغمًا عنها. عندما تصلّي الكنيسة من أجل الجنود، تصلّي من أجل حمايتهم، ومن أجل توبتهم، ومن أجل عودتهم سالمين، ومن أجل السلام. إنّها لا تصلّي لكي يقتلوا بفعالية أكبر.
الادّعاء مقاسًا على التعليم
التعليم تأسّس. القتل يجرح النفس. حتّى الحرب المبرَّرة تتطلّب سنوات من الإبيتيميا. الاستشهاد يتطلّب الشهادة للمسيح، لا الموت في ساحة المعركة. الكنيسة حكمت سابقًا في هذه المسألة بالذات وأجابت: لا.
الآن نقيس ادّعاء البطريرك كيريل على هذه الشهادة.
كما فُحص سابقًا، أعلن البطريرك كيريل أنّ الجندي الذي «يهلك في أداء الخدمة العسكرية» يقوم بـ«فعل يعادل الذبيحة»، وأنّ «هذه الذبيحة تغسل جميع الخطايا التي ارتكبها الإنسان».
القانون الثالث عشر للقدّيس باسيليوس يفرض ثلاث سنوات من المنع من الكأس للجنود الذين يقتلون حتّى في الدفاع المشروع.[17] الدفّة تذهب أبعد: من يقتل في الحرب «يبدو مع ذلك مسؤولًا عن ارتكاب خطيئة وجريمة».[18]
حيث يفرض القدّيس باسيليوس الإبيتيميا، يعد كيريل بأنّ الموت نفسه يمنح الحلّ التلقائي. حيث تقول الدفّة إنّ القتل في الحرب لا يزال يترك الشخص «مسؤولًا عن ارتكاب خطيئة وجريمة»، يقول كيريل إنّ الذبيحة «تغسل جميع الخطايا التي ارتكبها الإنسان».
هاتان ليستا طريقتين لقول الشيء نفسه. هما نقيضتان. الإطار الآبائي يعامل القتل كجرح يتطلّب سنوات من الشفاء. كيريل يعامل الموت في هذه الحرب كسرّ يطهّر فوريًا.
حتّى المطران أوجين، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في إستونيا، ابتعد علنًا عن هذا الادّعاء. تحت ضغط وزارة الداخلية الإستونية لتوضيح موقفه بعد تصريح كيريل في 25 أيلول 2022، أكّد أوجين في 12 تشرين الأوّل 2022 أنّه «لا يشارك آراء البطريرك كيريل الموسكوفي التي بموجبها يُحَلّ الجنود الروس الذين ماتوا في أوكرانيا من خطاياهم».[19]
الأب توماس هيرفويا من الكنيسة الإستونية ردّ مباشرة:
هذا مخالف تمامًا للتعاليم الأرثوذكسية. حتّى المطران [أوجين] قال ذلك. دم المسيح هو الذي يحلّ الإنسان من الخطيئة إذا تبنا واعترفنا وأقررنا. قتل إنسان في الحرب يعني المنع من المناولة لثلاث سنوات، إنّها فترة إبيتيميا.
— الأب توماس هيرفويا، ERR News، 17 تشرين الأوّل 2022، https://news.err.ee/1608753883/professor-metropolitan-eugene-answered-as-he-was-asked
عندما لا يستطيع حتّى أسقف كبير وإكليروس في بطريركية موسكو نفسها تأكيد تعليم البطريرك، فهذا يُظهر ابتداعًا يناقض إجماع الآباء.
السؤال الأعمق هو ما إذا كان بطريرك يتكلّم خلافًا لتعليم الكنيسة يتكلّم باسم الكنيسة أصلًا. مقال في الحياة الأرثوذكسية عام 1990 صاغ المبدأ:
إذا لم تعترف الدولة وتخضع لقانون أخلاقي إلهي أعلى، فلن تحظى بدعم الكنيسة [كسلطة حاكمة] (مع أنّه من المرجّح جدًّا أنّ الدولة ستُجبر أفرادًا وحتّى غالبية الأساقفة على دعمها، وفي هذه الحالة سيكونون يتصرّفون لا كممثّلين للكنيسة، بل كأفراد خطأة).
— “صراع الكنيسة والدولة في روسيا”، الحياة الأرثوذكسية، المجلّد 40، العدد 1 (كانون الثاني - شباط 1990)، ص. 14
عندما تطلب الدولة من بطريركها أن يبارك حربًا عدوانية ويعد بالحلّ التلقائي للجنود، والبطريرك يمتثل، فإنّه يتصرّف لا كممثّل للكنيسة بل كفرد وضع الطاعة للدولة فوق الطاعة للقوانين.
التناقضات الأربعة
تعليم البطريرك كيريل يناقض الإجماع الآبائي في أربعة أوجه محدّدة:
- الشهادة مُزالة: عظته تقدّم الحلّ فقط لـ«أداء الخدمة العسكرية»، دون اشتراط أيّ اعتراف بالمسيح أو مواجهة مع مضطهدين.
- الانضباط مقلوب: حيث يدعو القدّيس باسيليوس المقاتلين إلى التوبة وسنوات من الامتناع عن المناولة، يصرّ كيريل على أنّ موتهم يطهّرهم تلقائيًا، حتّى عندما تكون الحرب نفسها أخوية.
- الحدود مُمحاة: توسيع هذا الوعد لجميع من يحاربون من أجل «روس المقدّسة» يمنح ضمنيًا مكانة خلاصية حتّى للمحاربين غير الأرثوذكس أو غير المسيحيين، مما يناقض إصرار الآباء على الاستشهاد ضمن وحدة الكنيسة.
- القضية استُبدلت بالظرف: بمساواة الموت في ساحة المعركة بالاستشهاد، يخلط بين طريقة الموت (الموت العنيف) وسبب الموت (الشهادة للمسيح)، مُفرِّغًا التعريف الآبائي من محتواه.
إذا حصل كلّ ضحية في حرب قومية على إكليل الشهيد، فإنّ الشهداء الحقيقيين، الذين يواجهون التعذيب تحديدًا لأنّهم يعلنون المسيح، لم يعودوا علامات فريدة للأمانة. الكنيسة كرّمت الجنود دائمًا من خلال صلوات التذكار والصدقات والشفاعة، لكنّها لم تمنح أبدًا الحلّ التلقائي من خلال الذبيحة العسكرية. فعل ذلك يرقى إلى محاولة إعادة هندسة السوتيريولوجيا (العقيدة اللاهوتية للخلاص).
أربع دفاعات أخرى عن ادّعاء كيريل بغسل الخطايا تبقى. كلّ منها تحاول إنقاذ العظة ذاتها، لا تبرير الحرب على أسس مستقلّة.
اعتراض التدبير
قد يحاجّ البعض بأنّ تعليم البطريرك كيريل يمثّل تطبيقًا مشروعًا للتدبير (الأويكونوميا)، التمييز الرعوي الذي تمارسه الكنيسة في ظروف استثنائية. هذا أقوى اعتراض لديهم، لذلك يستحقّ بعض الفحص.
أوّلًا، هذا الاعتراض يهزم نفسه. التدبير يفترض مسبقًا أنّ القاعدة المُخفَّفة إلزامية، لا استشارية.
هذا مربك بعض الشيء، لذلك دعونا ننتبه: إذا كان القانون الثالث عشر للقدّيس باسيليوس مجرّد اختياري (كما يجب على مدافعي كيريل أن يدّعوا ضمنيًا ليصنعوا مساحة لتعليمه)، فلن تكون هناك حاجة للتدبير أصلًا. بمعنى آخر، قاعدة اختيارية أصلًا لن تحتاج أبدًا إلى إعفاء رعوي بشكل التدبير. هذه ازدواجية نراها كثيرًا: محاولة الاستناد إلى أنّ القوانين مجرّد اقتراحات، بينما يحاولون في الوقت نفسه استدعاء الاستثناء الذي يفترض أنّها ليست كذلك.
في اللحظة التي يحاجّ فيها أحد لصالح التدبير أو يحاول استدعاءه، فإنّه هو نفسه يقدّم حجّة بأنّ قانونًا معيّنًا ملزِم، وليس اختياريًا.
بصرف النظر عن هذا الفخّ المنطقي، يفشل دفاع التدبير في كلّ شرط أسّسه الآباء لاستخدامه المشروع.[20] القدّيس أناسطاسيوس السينائي يعرّفه بدقّة: «التدبير هو تنازل إرادي يُنجَز لأجل خلاص بعض».[21] كلمة «بعض» حاسمة: التدبير موجَّه لأشخاص محدَّدين ومعيَّنين في ضعف حقيقي، لا لمجموعات بأكملها غير محدَّدة (مثل الجيش).
- يجب الاعتراف بالتدبير كانحراف. من يطبّقونه يجب أن يتصرّفوا «بوعي كامل بأنّ هذا يشكّل انحرافًا عن الدقّة».[22] البطريرك كيريل لم يفعل شيئًا من هذا. لم يعترف بأنّ تعليمه ينحرف عن القانون الثالث عشر للقدّيس باسيليوس. بل قدّمه كعقيدة أرثوذكسية.
- يفترض التدبير قاعدة يُخفِّفها مؤقّتًا. كيريل لم يخفّف قانون القدّيس باسيليوس لأفراد محدّدين في ظروف استثنائية. لقد ألغاه مبدئيًا لفئة كاملة من الناس، دون الاعتراف بوجوده.[23] هذا ليس تدبيرًا؛ بل هو استبدال قانون بعقيدة مضادّة.
- يجب أن تبقى السلامة العقائدية دون ضرر. لا يمكن استدعاء التدبير لمناقضة التعليم الآبائي حول الخلاص، وطبيعة الاستشهاد، ومعنى الصليب. لا مجال للتنازل في مسائل الإيمان الأرثوذكسي.
- يجب أن يقبله ضمير الكنيسة. عندما لا يستطيع المطران أوجين من تالين، وأساقفة كبار، وإكليروس في جميع أنحاء الكنيسة الروسية تأكيد هذا التعليم، فإنّ ضمير الكنيسة لم يقبله. البطاركة الأرثوذكس الأربعة الشرقيون قالوا بوضوح: «ليس لأحد إذن في الكنيسة أن يفعل ما يبدو له صوابًا، بل الحكم والقرار في الشؤون الكنسية يتمّ بمداولة مجمعية، وكذلك التنازل أو التدبير، إذا نشأت حاجة ضرورية له».[24]
المغبوط ثيوفيلاكتوس البلغاري يوضّح المبدأ بمثال القدّيس بولس الذي ختن تيموثاوس:
«حسنًا»، يحاجّ الرسل الكذبة، «ألم تختن تيموثاوس؟» «نعم، فعلتُ»، يجيب بولس، «لكن فقط بالتدبير. شيء واحد أن تختن مرّة واحدة، في مناسبة معيّنة ولسبب معيّن، وشيء آخر تمامًا أن تعظ بالختان للجميع».
— المغبوط ثيوفيلاكتوس البلغاري، تفسير رسالة القدّيس بولس إلى أهل غلاطية، ص. 69-70
القدّيس بولس طبّق التدبير على شخص واحد، تيموثاوس. لم يعلن أنّ الختان ينطبق الآن على الجميع، ولم يحاول استخدام التدبير لتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
القدّيس كيرلّس الإسكندري وصف المنطق بصورة حيّة: البحّارة في عاصفة يلقون بعض الحمولة في البحر لإنقاذ بقية السفينة. «عندما لا يمكن الحفاظ على الدقّة التامّة، نتغاضى عن أشياء معيّنة، حتّى لا نتكبّد خسارة في كلّ شيء».[25] هذا لا يعني أنّ الحمولة لا تُلقى كـسياسة دائمة؛ بل تُضحّى في أقصى الظروف للحفاظ على الأثمن.
ما فعله البطريرك كيريل هو عكس المثالين كليهما. لقد أصدر سياسة دائمة، ادّعاءً عقائديًا شاملًا ينطبق تلقائيًا على ملايين الجنود الذين لم يلتقِ بهم قطّ، ولا يعرف حالاتهم الروحية، ولم يسمع اعترافاتهم. هذا لا يمثّل بأيّ شكل من الأشكال التقليد الآبائي والتعليم المتعلّق بالتدبير، وبالتالي لا يمكن استدعاء التدبير هنا.
حذّر ثيوذوروس بلسامون: «ما أُدخل بالتدبير لغاية نافعة يجب ألّا يتحوّل إلى مثال ويُعَدّ من ثمّ قانونًا».[26] القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي يؤكّد: «فإنّ للتدبير حدودًا ومقاييس، وليس دائمًا ولا بلا حدود».[27]
البطريرك كيريل فعل بالضبط ما يحظره بلسامون: حوّل الاستثنائي إلى معياري. هذا هو بالذات الخطأ الذي حدّده آباء الكوليفاذيس (بقيادة القدّيس نيقوديموس) كمدمِّر روحيًا: تحويل التدبير إلى ممارسة معيارية.[28]
حكم القدّيس ثيوذوروس الستوديتي على مثل هذه المحاولات: «لا تعترف بعد الآن بهذا كنمط من التدبير، بل بالأحرى كدَين حكم على المخالفة وانتهاك القوانين الإلهية».[29]
وهكذا يفشل دفاع التدبير في كلّ نقطة.
دفاع «الشعور بالواجب»
يحاجّ بعض المدافعين أخيرًا بأنّ عظة البطريرك كيريل تنطبق على الجنود «المدفوعين بالشعور بالواجب» من حبّهم لإخوتهم وأخواتهم.
هذا التحفّظ بالطبع هراء.
إذا كان الاقتناع الصادق والشعور بالواجب كافيَين لغسل الخطايا، فليس للمبدأ أيّ عامل مقيِّد سوى الحالة الذهنية الذاتية للجندي.
كلّ جندي في كلّ حرب يعتقد أنّ قضيته عادلة.
الألمان في ستالينغراد كان لديهم شعور بالواجب. الصليبيون في القسطنطينية عام 1204 كان لديهم شعور بالواجب. كلا الطرفين في كلّ حرب أهلية كان لديهما شعور بالواجب. إذا كان الدافع الذاتي هو المعيار، فإنّ جميع الجنود في جميع الحروب الذين يموتون مؤمنين بقضيتهم تُغسَل خطاياهم، بصرف النظر عن أيّ شيء آخر.
ليس هناك أيّ حرب لا يستطيع هذا المنطق تعميدها.
الآباء عرفوا هذا. القدّيس باسيليوس لم يسأل الجنود عن نواياهم. هل قال «إذا قتلت بقلب صافٍ، فلا حاجة للإبيتيميا»؟
لا، بل فرض ثلاث سنوات من المنع من الكأس بصرف النظر عن النيّة، لأنّ فعل القتل يجرح النفس بشكل مستقلّ عن الحالة الذهنية للقاتل. الإطار الآبائي يقيس الفعل وسياقه وفق معايير موضوعية (كما سنفهم بشكل أكمل في الفصل 20: متى يمكن اعتبار الحرب دفاعًا عن النفس؟ والفصل 22: ماذا يحدث للكهنة الذين يصلّون من أجل السلام؟): هل كانت الحرب دفاعية حقًّا؟ هل كان المسيحيون الأرثوذكس فعلًا تحت هجوم من معتدين غير أرثوذكس؟ هل استُنفدت كلّ الخيارات الأخرى؟ هذه أسئلة عن الواقع، لا عن شعور الجندي أثناء القتال.
وهكذا، جعل الدافع الذاتي معيارًا يلغي الإطار الذي أسّسه الآباء بالذات ويستبدله بشيء لم يعلّمه التقليد الأرثوذكسي قطّ: أنّ الإخلاص كافٍ لمغفرة الخطايا.
«ليس لأحد حبّ أعظم من هذا»
من الدفاعات الكتابية الشائعة عن تصريح البطريرك كيريل الاستشهاد بيوحنا 15: 13: «ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبّائه».
الآية تتطلّب أحبّاء. تتطلّب أن يكون الموت لأجلهم، لا عليهم.
الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية (انظر الفصل 28: فهم الكنائس الأوكرانية)، الشعب ذاته الذي تدّعي روسيا حمايته، أدانت الغزو من اليوم الأوّل كـ«حرب أخوية» (братоубийственную войну) «ليس لها أيّ تبرير لا أمام الله ولا أمام الناس» (не имеет оправдания ни у Бога, ни у людей).[30] المطران أونوفريوس من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية قطع الشركة مع البطريرك كيريل (انظر الفصل 29: كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية توقف الذِّكر). المؤمنون في كييف وماريوبول صلّوا من أجل الخلاص من حماتهم الروس المزعومين.
عندما يسمّي من تدّعي حمايتهم حربك غير مبرَّرة أمام الله، هل تبذل نفسك لأجل أحبّائك؟ أم أنّك تأخذ حياتهم منهم؟
وهكذا، هذا ليس يوحنا 15: 13، بل انقلابه الكامل.
«هو فعلًا قصد كذا»
سيعترض البعض: «من الواضح أنّه قصد الجنود الأرثوذكس، لا الجميع». أو: «من الواضح أنّه قصد الروس». أو تنويعات أخرى. كلّ هذه مغالطات تضليلية.
مهما كان قصده، النتيجة هي ما يهمّ. سمع الناس كلماته وتوصّلوا إلى الاستنتاج الذي يمكن لأيّ شخص أن يتوصّل إليه بناءً على ما قاله. ليس شخصًا واحدًا، ليس مجموعة هامشية: جميع المنافذ الإعلامية، الناس في جميع أنحاء روسيا، الناس في جميع أنحاء أوكرانيا، أرثوذكس وغير أرثوذكس على حدّ سواء. روسييسكايا غازيتا، صحيفة الكرملين ذاتها، أفادت بالطريقة نفسها. كوميرسانت، الصحيفة التجارية الروسية الرائدة، أفادت بالطريقة نفسها. كلّ منفذ بكلّ لغة توصّل إلى الاستنتاج نفسه.[2] لا يمكن رفض هذا كرهاب روسي غربي أو تدوير إعلامي معادٍ: الروس أنفسهم فسّروا بطريركهم بهذه الطريقة. إذا نظرت إلى كلماته الفعلية، فالاستنتاج الذي توصّل إليه الجميع هو الاستنتاج الواضح. لم يسيئوا تفسيره. فسّروه بناءً على ما قاله.
البطريرك كيريل لم يصحّح هذا التصريح أبدًا. لم يوضّحه أبدًا. لم يضف سياقًا أبدًا. الجهاز المؤسّسي المحيط به لم يطالبه بذلك أبدًا. ومدافعوه، بدلًا من مطالبة متروبوليتيهم وأساقفتهم بتصحيحه، بدلًا من المطالبة بالتراجع أو التوضيح، ببساطة يؤكّدون: «هذا ما قصده».
لكنّ هذه ليست المشكلة التي يجب معالجتها. المشكلة هي الأغلبية الساحقة التي فسّرت كلماته بقيمتها الظاهرية وتبنّت ذلك التفسير كموقف أرثوذكسي. حدث ضرر. العائلات تؤمن أنّ أبناءها محلولون. الجنود يقتربون من الموت دون الجدّية التي يطلبها الآباء.
عندما يتكلّم أحد ليشير إلى هذا، يقول المدافعون: «أنت تسيء تفسيره». لكن هذه هي المغالطة التضليلية. الناقد لا يسيء تفسير شيء. الناقد يشير إلى ما استنتجه الملايين بناءً على كلمات البطريرك نفسها. إذا أراد المدافعون معالجة المشكلة، يجب أن يقولوا: «تحدّث بشكل غير دقيق. تحدّث بشكل خاطئ. يجب ألّا يستمع الناس إليه هنا. يجب أن يتراجع عن تصريحه».
لن يقولوا هذا. سيقولون فقط إنّ أيّ شخص لديه الشجاعة لإثارة المسألة يسيء التفسير. وسيتجاهلون الملايين الذين فسّروه بشكل صحيح، بناءً على ما قاله بالضبط.
الحكم
ادّعاء أنّ الموت في ساحة المعركة «يغسل جميع الخطايا» يناقض الإجماع الآبائي في كلّ نقطة. حيث يفرض القدّيس باسيليوس الإبيتيميا، يعد كيريل بالحلّ. حيث رفض السينودس إمبراطورًا، يعلن كيريل ما حُرم منه الإمبراطور. حيث صلّى القدّيسون ألّا يقتلوا، يعلن كيريل أنّ موتهم سرّ مقدّس. لا دفاع يصمد أمام الفحص: لا التدبير، ولا الدافع الذاتي، ولا يوحنا 15: 13، ولا «هو فعلًا قصد كذا».
هذا هو الادّعاء المركزي. الفصل التالي يفحص لاهوت الحرب المبني عليه: إعلان «الحرب المقدّسة»، وعقيدة الكاتيخون، والتقديس النووي، وما إذا كان هذا الغزو يستوفي معيارًا واحدًا وضعه الآباء لمباركة الحرب.
الأصل الروسي: “Отличие же по цели состоит в том, что языческая вера населяет небо только воинами, вера христиан небо обещает святым.” ↩
المصدر الأساسي: البطريرك كيريل، “Патриаршая проповедь в Неделю 15-ю по Пятидесятнице”، Patriarchia.ru، 25 أيلول 2022. https://www.patriarchia.ru/article/103723. أوكراني: Ukrainska Pravda https://www.pravda.com.ua/eng/news/2022/09/25/7369023/؛ Slovo i Dilo https://ru.slovoidilo.ua/2022/09/26/novost/mir/patriarx-rpcz-kirill-zayavil-chto-smert-vojne-ukrainy-smyvaet-grexi؛ Korrespondent.net، “Патриарх Кирилл заявил, что смерть на войне в Украине смывает грехи” https://korrespondent.net/world/worldabus/4519521-patryarkh-kyryll-zaiavyl-chto-smert-na-voine-v-ukrayne-smyvaet-hrekhy؛ Euromaidan Press https://euromaidanpress.com/2022/09/26/getting-killed-in-ukraine-washes-away-sins-russian-patriarch-tells-soldiers/ (أرشيف). روسي: Kommersant https://www.kommersant.ru/doc/5581307؛ The Moscow Times Russian edition https://ru.themoscowtimes.com/2022/09/25/eto-smivaet-vse-grehi-patriarh-prizval-rossiyan-neboyatsya-zhertvovat-soboi-navoine-sukrainoi-a24659؛ Rossiyskaya Gazeta https://rg.ru/2022/09/25/patriarh-kirill-pozhertvovavshie-soboj-ispolniaia-prisiagu-smoiut-vse-grehi.html. دولي: RFE/RL https://www.rferl.org/a/russia-patriarch-kirill-dying-ukraine-sins/32052380.html؛ GlobalSecurity.org https://www.globalsecurity.org/wmd/library/news/ukraine/2022/09/ukraine-220926-rferl02.htm (مرآة RFE/RL)؛ Religion News Service https://religionnews.com/2022/09/27/moscow-patriarch-russian-war-dead-have-their-sins-forgiven/؛ Euronews https://www.euronews.com/2022/09/27/ukraine-crisis-russia-patriarch؛ Orthodox Times https://orthodoxtimes.com/patriarch-of-moscow-any-russian-soldier-who-dies-in-the-war-in-ukraine-is-forgiven-for-his-sins/؛ Deacon’s Bench https://thedeaconsbench.com/patriarch-kirill-russian-war-dead-have-their-sins-forgiven/؛ Yahoo/Business Insider https://news.yahoo.com/russian-orthodox-leader-said-russian-000433571.html؛ Aleteia https://aleteia.org/2022/09/27/patriarch-kirill-says-russian-soldiers-who-die-in-ukraine-have-sins-washed-away/. ↩
المطران أوجين من تالين وكلّ إستونيا، ردّ على وزارة الداخلية الإستونية، 7 تشرين الأوّل 2022. الأصل الروسي: «Я не разделяю слова Святейшего Патриарха Кирилла, произнесённые им в проповеди 25.09.2022, об отпущении всех грехов военнослужащим, погибшим при исполнении воинского долга.» الترجمة العربية: «لا أشارك كلمات قداسة البطريرك كيريل، التي قالها في عظته في 25.09.2022، حول مغفرة جميع خطايا العسكريين الذين ماتوا في أداء الخدمة العسكرية». https://orthodox.ee/articles/otvet-mitropolita-tallinskogo-i-vseja-estonii-jevgenija-na-pismo-iz-mvd-ot-07-10-2022/. صدر تصريح أوجين تحت ضغط من الحكومة الإستونية، التي هدّدت بسحب إقامته إن لم يوضّح موقفه من تصريحات كيريل في 25 أيلول. ↩
الأصل اليوناني: “«Τοὺς ἐν πολέμοις φόνους οἱ Πατέρες ἡμῶν ἐν τοῖς φόνοις οὐκ ἐλογίσαντο, ἐμοὶ δοκεῖ συγγνώμην διδόντες τοῖς ὑπὲρ σωφροσύνης καὶ εὐσεβείας ἀμυνομένοις.»” ↩
الأصل اليوناني: “«Τάχα δὲ καλῶς ἔχει συμβουλεύειν, ὡς τὰς χεῖρας μὴ καθαρούς, τριῶν ἐτῶν τῆς κοινωνίας μόνης ἀπέχεσθαι.»” ↩
الأصل اليوناني: “«Πρέπει νὰ καταλάβη ὅτι τὸ ἐπιτίμιο θὰ τὸν βοηθήση.»” ↩
الأصل اليوناني: “«Τὰ ἐπιτίμια εἶναι στὴν διάκριση τοῦ πνευματικοῦ. Στοὺς ἐν ψυχρῷ ἁμαρτάνοντας ὁ πνευματικὸς πρέπει νὰ εἶναι ἀνυποχώρητα αὐστηρός.»” ↩
الأصل اليوناني: “«Ἂν ὁ πνευματικὸς χρησιμοποιῆ τοὺς κανόνες σάν… κανόνια, καὶ ὄχι μὲ διάκριση, ἀνάλογα μὲ τὸν ἄνθρωπο, μὲ τὴν μετάνοια ποὺ ἔχει κ.λπ., ἀντὶ νὰ θεραπεύη ψυχές, θὰ ἐγκληματῆ.»” ↩
الأصل اليوناني: “«Δηλαδή, ἂν δύο ἄνθρωποι κάνουν τὴν ἴδια ἁμαρτία, ὁ πνευματικός, ἀνάλογα μὲ τὴν μετάνοια τοῦ καθενός, μπορεῖ στὸν ἕναν νὰ βάλη κανόνα νὰ μὴν κοινωνήση δύο χρόνια καὶ στὸν ἄλλον δύο μῆνες. Τόση διαφορὰ δηλαδή!»” ↩
الدفّة (البيذاليون)، تحرير D. Cummings، تعليق على القانون 13 للقدّيس باسيليوس، ص. 803. ↩
The Canons of Hippolytus، القانون 14، تحرير Paul Bradshaw، ترجمة Carol Bebawi (Gorgias Press، 2010)، ص. 18. ↩
القانون 2 من المجمع الخامس-السادس (692 م) يصادق على قوانين القدّيس باسيليوس بالاسم: «لكنّنا نضع ختمنا كذلك على جميع القوانين المقدّسة الأخرى التي وضعها آباؤنا القدّيسون والمغبوطون… باسيليوس، رئيس أساقفة قيصرية في كبادوكية… وألّا يُسمَح لأحد بأن يتعدّى القوانين المذكورة آنفًا أو يتجاهلها». https://www.newadvent.org/fathers/3814.htm ↩
الأصل اليوناني: «ἔκανα προσευχὴ στὴν Ἁγία Βαρβάρα… Ἂς κινδυνεύσω στὸν πόλεμο, εἶπα, ἀλλὰ μόνον ἄνθρωπο νὰ μὴ σκοτώσω.» ↩
الأصل اليوناني: “«Ως στρατιώτης είχα μαζί μου πάντοτε το θαυματουργό εικονισματάκι του Αγίου Χαραλάμπους. Τακτικά παρακαλούσα τον Άγιο να με απαλλάξει από την υπηρεσία των περιπόλων του στρατού, γιατί εγώ δεν ήμουν άνθρωπος αιμάτων. Όταν ο αξιωματικός διάλεγε από τη γραμμή των στρατιωτών τους άνδρες της περιπόλου, έβαζα το χέρι μου μέσα στο χιτώνιό μου, έπιανα την εικόνα του Αγίου και τον παρακαλούσα να μη με δει ο αξιωματικός, και με διαλέξει γιά περίπολο. Και φυσικά ο Άγιος πάντοτε τον «τύφλωνε» και δε με έβγαζε ποτέ από τη γραμμή.»” ↩
الأصل اليوناني: «Τὰ ἀνδραγαθήματα τὰ κάνουν αὐτοὶ ποὺ ἔχουν παλληκαριά, μεγάλη καρδιὰ – ὄχι μεγάλο μπόι – καὶ εἶναι ἀποφασισμένοι νὰ θυσιασθοῦν. Καὶ στὸν πόλεμο, ὅσοι ἔχουν παλληκαριά, ἐπειδὴ ἔχουν καλωσύνη, δὲν σκοτώνουν, γιατὶ ἡ παλληκαριὰ δὲν ἔχει βαρβαρότητα. Ρίχνουν γύρω‐γύρω ἀπὸ τὸν ἐχθρὸ καὶ τὸν ἀναγκάζουν νὰ παραδοθῆ. Ὁ καλὸς προτιμάει νὰ σκοτωθῆ ἐκεῖνος παρὰ νὰ σκοτώση. Καὶ ὅταν κανεὶς ἔχη τέτοια διάθεση, δέχεται θεϊκὲς δυνάμεις. Οἱ κακοὶ εἶναι φοβητσιάρηδες, ἄνανδροι, θρασύδειλοι· φοβοῦνται καὶ τὸν ἑαυτό τους καὶ τοὺς ἄλλους, γιʹ αὐτὸ ρίχνουν συνέχεια ἀπὸ φόβο. Τότε μὲ τὸν ἀνταρτοπόλεμο, ὅταν ὑπηρετοῦσα στὸν στρατό, εἴχαμε πάει μιὰ φορὰ σὲ ἕνα χωριό. «Δὲν εἶναι ἐδῶ κανεὶς ἀπὸ τοὺς συμμορίτες, μᾶς εἶπαν· ἔχουν φύγει ὅλοι. Μόνο μιὰ τρελλὴ γυναίκα ἔμεινε». Ἕνας λοιπὸν τὴν εἶδε ἀπὸ μακριὰ καὶ ἔρριξε μιὰ–δυὸ ριπὲς μὲ τὸ ὁπλοπολυβόλο! Ἡ καημένη φώναξε «τί σᾶς ἔκανα;», καὶ ὕστερα ἔπεσε κάτω. – Ἀπὸ τὸν φόβο του τὸ ἔκανε; – Ναί, ἀπὸ τὸν φόβο του. Ἕνας τέτοιος ἄνθρωπος θέλει τὴν εὔκολη λύση γιὰ τὸν ἑαυτό του. Γιὰ νὰ εἶναι σίγουρος, λέει: «Καλύτερα νὰ τὸν ξεκάνω τὸν ἐχθρό». Ὁ λιγώτερο φοβητσιάρης εἶναι καὶ λιγώτερο κακός. Θὰ κοιτάξη νὰ τὸν ἀχρηστέψη τὸν ἐχθρό, νὰ τοῦ σπάση λ.χ. τὸ πόδι, τὸ χέρι· δὲν θὰ τὸν ξεκάνη.» ↩
الأصل اليوناني: «Ἄλλο ἀνδρισμός, λεβεντιά, καὶ ἄλλο κακότητα, ἐγκληματικότητα. Δὲν εἶναι ἀνδρισμὸς νὰ πιάνης τοὺς ἐχθρούς, τοὺς αἰχμαλώτους, καὶ νὰ τοὺς σφάζης. Ἀνδρισμὸς θὰ πῆ νὰ πιάσω τὸν ἐχθρό, νὰ τοῦ σπάσω τὸ ντουφέκι καὶ μετὰ νὰ τὸν ἀφήσω ἐλεύθερο. Ὁ πατέρας μου ἔτσι ἔκανε. Ὅταν ἔπιανε τοὺς Τσέτες ποὺ ἔκαναν ἐπιδρομὲς στὰ Φάρασα, ἔπαιρνε τὰ ντουφέκια τους, τὰ ἔσπαζε καὶ τοὺς ἔλεγε: «Εἶστε γυναῖκες· δὲν εἶστε ἄνδρες». Ὕστερα τοὺς ἄφηνε ἐλεύθερους. Μιὰ φορὰ ντύθηκε χανούμισσα, πῆγε στὸ λημέρι τους καὶ ζήτησε τὸν καπετάνιο. Προηγουμένως εἶχε συνεννοηθῆ μὲ τὰ παλληκάρια του, νὰ ἐπιτεθοῦν ἀμέσως μετὰ τὸ σύνθημα ποὺ θὰ τοὺς ἔδινε. Ὅταν οἱ Τσέτες τὸν πῆγαν στὸν καπετάνιο, τοῦ εἶπε: «Διῶξε τοὺς ἄνδρες σου, γιὰ νὰ μείνουμε μόνοι μας». Μόλις ἔμειναν οἱ δυό τους, τοῦ ἅρπαξε τὸ ντουφέκι, τὸ ἔσπασε καὶ τοῦ εἶπε: «Τώρα ἐσὺ εἶσαι γυναίκα· ἐγὼ εἶμαι ὁ Ἐζνεπίδης». Ἔδωσε τότε τὸ σύνθημα, ὅρμησαν τὰ παλληκάρια του καὶ ἔδιωξαν τοὺς Τσέτες ἀπὸ τὸ χωριό.» ↩
القدّيس باسيليوس الكبير، الرسالة القانونية الأولى إلى أمفيلوخيوس (الرسالة 188، القانون 13). https://www.newadvent.org/fathers/3202188.htm ↩
الدفّة (البيذاليون)، تحرير D. Cummings (شيكاغو: الجمعية التربوية المسيحية الأرثوذكسية، 1957)، تعليق على القانون 13 للقدّيس باسيليوس، ص. 803. ↩
المطران أوجين، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في إستونيا، ردّ على وزارة الداخلية الإستونية، 12 تشرين الأوّل 2022. “Head of Russian Orthodox Church in Estonia not sharing Patriarch Kirill’s views” («رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في إستونيا لا يشارك آراء البطريرك كيريل»)، The Baltic Times، https://www.baltictimes.com/head_of_russian_orthodox_church_in_estonia_not_sharing_patriarch_kirill_s_views/. صدر تصريح أوجين تحت ضغط من الحكومة الإستونية، التي هدّدت بسحب إقامته إن لم يوضّح موقفه من تصريحات كيريل في 25 أيلول. ↩
Ieronymos Kotsonis، Προβλήματα τῆς Ἐκκλησιαστικῆς Οἰκονομίας (أثينا، 1957)، ص. 104-105، 209. مقتبَس في البروتوبريسفيتر أناسطاسيوس غوتسوبولوس، On Common Prayer with the Heterodox According to the Canons of the Church (عن الصلاة المشتركة مع غير الأرثوذكس بحسب قوانين الكنيسة) (Uncut Mountain Press، 2019)، ص. 60-61. ↩
القدّيس أناسطاسيوس السينائي، مقتبَس في Kotsonis، Προβλήματα، ص. 50؛ أيضًا في Gotsopoulos، On Common Prayer، ص. 60. يوناني: «Οἰκονομία ἐστὶν ἑκούσιος συγκατάβασις πρὸς σωτηρίαν τινῶν ἐπιτελουμένη». ↩
القدّيس فوتيوس الكبير، Amphilochia، PG 101، 65؛ أيضًا في S. Oikonomos، Τὰ Ἀμφιλόχια (أثينا، 1858)، ص. 7. يعتبر التقليد القانوني اليوناني هذا أكمل تعريف آبائي للتدبير. ↩
Kotsonis، Προβλήματα، ص. 51، 95. يوناني: «τὸ χαρακτηριστικὸν τῆς οἰκονομίας εἶναι ἡ προΰπαρξις θεσμοῦ τινος ἀπαγορεύοντος τὸ κατ᾿ οἰκονομίαν ἐπιτρεπόμενον.» الترجمة العربية: «خاصيّة التدبير هي سبق وجود مؤسّسة تحظر ما يُسمَح به بالتدبير». ↩
رسالة البطاركة الأرثوذكس الأربعة الشرقيين إلى الأنغليكان غير المُقسِمين (1716-1725)، في Dositheos Notaras، Σύνταγμα Μεθόδου (ΔΣΜ2)، 808. يوناني: «Οὐ γὰρ ἔχει τις ἄδειαν ἐν τῇ Ἐκκλησίᾳ ποιεῖν, ὅπερ ἂν αὐτῷ δόξοι, ἀλλὰ μετὰ συνοδικῆς συνδιασκέψεως ἡ περὶ τῶν ἐκκλησιαστικῶν ὑποθέσεων κρίσις τε καὶ ἀπόφασις γίνεται, ὡσαύτως καὶ συγκατάβασις ἢ οἰκονομία, εἰ τούτων γένηται χρεία τις ἀναγκαία». ↩
القدّيس كيرلّس الإسكندري، PG 77، 320. الأصل اليوناني: «ὅταν μὴ ἐξῇ τὸ λίαν ἀκριβὲς ἀποσώζειν, παρορῶμέν τινα, ἵνα μὴ τοῦ παντὸς πάθωμεν ζημίαν». استعارة السفينة مُطوَّرة في الفقرة نفسها: كما يلقي البحّارة الحمولة في عاصفة لإنقاذ السفينة، تتغاضى الكنيسة عن أمور ثانوية في أقصى الظروف للحفاظ على الإيمان بالكامل. ↩
ثيوذوروس بلسامون، تعليق على القانون 16 من مجمع خلقيدونية. مقتبَس في Gotsopoulos، On Common Prayer، ص. 124. ↩
القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الدفّة (Ἱερὸν Πηδάλιον)، تعليق على القانون الرسولي 46. الأصل اليوناني: «ἡ οἰκονομία γὰρ ἔχει μέτρα καὶ ὅρια, καὶ δεν εἶναι παντοτεινὴ καὶ ἀόριστος.» ↩
رئيس الأساقفة خريسوستوموس، “مقدّمة”، في القدّيس نيقوديموس الأجيوريتي، الأخلاق المسيحية (بلمونت، ماساتشوستس: معهد الدراسات البيزنطية واليونانية الحديثة، 2012)، ص. xxxi-xxxii. يلخّص خريسوستوموس: “أشار نيقوديموس نفسه إلى أنّ ‘الممارستين داخل الكنيسة’ كانتا مسألة ‘أكريفيا أو دقّة وتدبير’، وأنّه في ظروف الحاجة الحقيقية أو العاجلة، يمكن تخفيف تطبيق الممارسة الصحيحة بحقّ. آباء الكوليفاذيس ببساطة عارضوا تحويل الاستثناء إلى ممارسة معيارية.” ↩
القدّيس ثيوذوروس الستوديتي، الرسالة I.24. PG 99، 985. مقتبَس في Gotsopoulos، On Common Prayer، ص. 67. ↩
المطران أونوفريوس من كييف وكلّ أوكرانيا، “Обращение Блаженнейшего Митрополита Киевского и всея Украины Онуфрия к верным гражданам Украины”، 24 شباط 2022، https://news.church.ua/2022/02/24/obrashhenie-blazhennejshego-mitropolita-kievskogo-vseya-ukrainy-onufriya-k-vernym-grazhdanam-ukrainy/?lang=ru. ↩