الفصل 15: العالم الروسي والإثنوفيليتية في آذار 2024، أصدر مجلس الشعب الروسي العالمي، برئاسة البطريرك كيريل، مرسومًا رسميًّا أعلن فيه أنّ الروس والأوكرانيين والبيلاروس «شعب واحد»، واصفًا الحرب في أوكرانيا بأنّها «حرب مقدّسة» (свящённая война)، ومؤكّدًا أنّ رسالة روسيا الحضارية تحمل دلالة أخروية. هل هذا مجرّد فخر ثقافي؟ جميع الأمم الأرثوذكسية تحبّ تراثها، فما الخطأ بالضبط في هذا؟ قبل فحص ما نصّ عليه المرسوم فعلاً، يجب الإجابة على سؤال سابق: ماذا يعلّم الآباء عن العرقية والكنيسة؟ أ. الشهادة: ما يعلّمه الآباء الإثنوفيليتية: الهرطقة التي أدانتها الكنيسة أصلاً في عام 1872، ادّعت الإكسرخية البلغارية (هيئة كنسية شبه مستقلّة تحت السلطة القانونية لبطريركية أخرى) الولاية القضائية على البلغار العرقيين الذين يعيشون في أبرشيات تابعة للبطريركية المسكونية، منظّمةً الكنيسة على أسس قومية بدلاً من إقليمية. عُقد مجمع أرثوذكسي جامع في القسطنطينية، فحص الابتداع، وأدانه بوصفه هرطقة. أعلن المجمع أنّ الفيليتية، مبدأ تنظيم الهيئات الكنسية على أسس عرقية بدلاً من إقليمية، «مخالفة لتعليم الإنجيل والقوانين المقدّسة». هذه هي الهرطقة الوحيدة التي أدانها مجمع أرثوذكسي في العصر الحديث، وهي تتّصل مباشرةً بما يعلّمه البطريرك كيريل. من أين يأتي هذا الفهم؟ الإنجيل لا يعرف عرقًا لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حرّ، لا ذكر ولا أنثى؛ لأنّكم جميعكم واحد في المسيح يسوع. — غلاطية 3:28 كتب الرسول بولس هذه الكلمات لهدم التراتبيات العرقية في الخلاص. الإنجيل عالمي. المسيح مات عن جميع الأمم بالتساوي. المعمودية، لا مكان الولادة، تحدّد العضوية الكنسية. الأرثوذكسية، لا العرقية، تحدّد من ينتمي إلى جسد المسيح. حيث لا يوناني ولا يهودي، لا ختان ولا غرلة، لا بربري ولا سكيثي، لا عبد ولا حرّ، بل المسيح هو الكلّ وفي الكلّ. — كولوسي 3:11 «لكنّ المسيح قال إنّه أُرسل فقط إلى إسرائيل» لدى المدافعين عن القومية الأرثوذكسية حجّة جاهزة. يستشهدون بكلمات المسيح: «لا تمضوا إلى طريق الأمم» (متى 10:5) و«لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة» (متى 15:24). من هذه الآيات يستنتجون أنّ المسيح نفسه أيّد الولاء القومي فوق الرسالة العالمية، وأنّه «اهتمّ أكثر ما يكون بأبناء قوميته». أحد الأرشمندريتات الروس، كاتبًا عام 1913، أعلن صراحةً أنّ «يسوع المسيح كان بذاته أعظم وطني» وأنّ هذه المقاطع تثبت أنّ الوطنية «هواء الروح». لكنّ هذه الحيلة التفسيرية دُحضت داخل الكنيسة الروسية نفسها. في عام 1914، نشر كاهن أرثوذكسي روسي يُدعى ف. بيلييف مقالاً بعنوان «القومية والمُثل الأخلاقية المسيحية» في تسركوفني فيستنيك (رسول الكنيسة). كان يدرك تمامًا أنّ القوميين الإكليريكيين يستشهدون بمتى 15:24 منذ عقود لتبرير برنامجهم. كان جوابه مباشرًا: أعلن المسيح المخلّص بشكل لا لبس فيه أنّه أُرسل أولاً إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. لكن من منظور أوسع، من المحتوى الكلّي للوحي المسيحي وتاريخ الكنيسة، واضح تمامًا أنّ كلماته لا تعبّر عن مبدأ أخلاقي أو وصية. ثم انتقل إلى المقطع الذي يتجنّبه القوميون: تتبادر إلى الذهن فورًا أهمية تعليم القديس بولس. يذكر أنّه داخل الكنيسة لا يوجد «لا يوناني ولا يهودي». فيما يتعلّق بالفوارق القومية، هذا المبدأ لا يقلّ أهمية عن وصية محبة القريب كالنفس. بتمسّكه بهذا المبدأ، تمثّل المسيحية النقيض الأخلاقي لأيّ تعليم يفرط في تعزيز الشعور الطبيعي بحبّ القومية الذاتية. — ف. بيلييف، «القومية والمُثل الأخلاقية المسيحية»، Tserkovnyi vestnik 21، 22 أيار 1914، ص. 618-21، كما نقله John Strickland، The Making of Holy Russia (Jordanville أخذ القوميون متى 15:24 خارج سياقها. تقييد المسيح المؤقت لخدمته لإسرائيل لم يكن تأييدًا للقومية؛ بل كان ضرورة تدبيرية تحقّقت في العنصرة، حين حلّ الروح القدس على «جميع الأمم» (أعمال 2:5) وأُرسل الرسل إلى أقاصي الأرض. تجميد القيد الذي سبق القيامة وتجاهل الإرسالية العظمى (متى 28:19) هو قراءة الأناجيل بالعكس. كاهن أرثوذكسي روسي قال هذا عام 1914، ونشره في الصحافة الكنسية الرسمية، وأثبتت صحّة كلامه الثورة الروسية عام 1917 التي تلت بعد ثلاث سنوات. اللاهوت القومي الذي حذّر منه ربط الكنيسة بالسلطة الإمبريالية لدرجة أنّه حين سقطت الدولة، لم تعد للكنيسة سلطة أخلاقية مستقلّة لتقاوم. الأيديولوجيا التي وعدت بتقوية روسيا عبر المسيحية العرقية لم تستطع إنقاذ الكنيسة ولا الإمبراطورية. هذه الحجّة ذاتها تُستخدم اليوم من المدافعين عن الأيديولوجيا ذاتها، وتفشل للأسباب ذاتها. القدّيسون يتكلّمون بصوت واحد القديس غريغوريوس اللاهوتي: لكلّ ذي عقل سامٍ وطن واحد، أورشليم السماوية، التي فيها نخزّن مواطنتنا.... وهذه الأوطان الأرضية والعائلات هي ألعاب حياتنا المؤقتة ومسرحنا. — القديس غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 33، القسم الثاني عشر، الرسالة إلى ديوغنيتوس: كلّ أرض غريبة هي لهم كوطنهم، وكلّ أرض مولدهم كأرض غرباء. — الرسالة إلى ديوغنيتوس، الفصل 5، المسيحيون الأرثوذكس هم في الأصحّ مواطنو السماء، لا إمبراطوريات عرقية. السلافوفيلية، الحركة الفكرية في القرن التاسع عشر التي تؤكّد التفوّق الروحي والثقافي للحضارة السلافية على الحضارة الغربية، هي الجدّة الأيديولوجية لـ«العالم الروسي». المدافعون عنها يخفون القومية بقناع التقوى بشكل متكرّر: أيّ تصحيح لهيرارك روسي يصبح «روسوفوبيا» أو «سلافوفوبيا»، وحتى الروس الذين يقاتلون من أجل التقوى داخل بلدهم يُتّهمون بخيانة شعبهم. النمط ثابت: تهمة التمييز تحلّ محلّ الالتزام بالإجابة على الحجّة اللاهوتية. القديس يوستينوس (بوبوفيتش)، اللاهوتي الصربي العظيم المُمجَّد عام 2010، رأى من خلال هذا في دراسته للمتروبوليت أنطونيوس (خرابوفيتسكي)، أوّل رئيس هيراركية لكنيسة الروس في المهجر: السلافوفيلية لا قيمة لها في ذاتها، إلاّ بوصفها حاملة الأرثوذكسية ووعاءها... لذلك، لا يمكن للأرثوذكسي الحقيقي أن يكون شوفينيًّا أبدًا. — القديس يوستينوس (بوبوفيتش)، «سرّ شخصية المتروبوليت أنطونيوس»، Orthodox Life، المجلد 34، العدد 5، 1984 ثم سجّل القديس يوستينوس مقارنة المتروبوليت أنطونيوس المدمّرة ذاتها: «في جبل أثوس عادة أنّ الراهب الذي لا يسامح على الإساءات يُعاقب بحذف عبارة ‹واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا لمن أذنب إلينا› عند قراءة الصلاة الربيّة، إلى أن يغفر الإساءة المرتكبة بحقّه. وقد اقترحت أنا نفسي»، أضاف القدّيس العظيم، «أن لا يقرأ الشوفينيون القوميون البند التاسع من دستور الإيمان». — المتروبوليت أنطونيوس (خرابوفيتسكي)، منقول في القديس يوستينوس (بوبوفيتش)، «سرّ شخصية المتروبوليت أنطونيوس»، Orthodox Life، المجلد 34، العدد 5، 1984 البند التاسع من دستور الإيمان: «وبكنيسة واحدة، جامعة، مقدّسة، رسولية». أوّل رئيس هيراركية لكنيسة الروس في المهجر شبّه الشوفينيين القوميين برهبان يرفضون المسامحة، واقترح منعهم من الاعتراف بإيمانهم بجامعية الكنيسة. الشوفيني الذي يضع أمّته فوق الإنجيل يكون بذلك الفعل قد رفض عالمية الكنيسة. تابع القديس يوستينوس: «الصربيانية» و«الروسيانية» و«البلغاريانية» تُختزل إلى شوفينية عبثية وضارّة... إن كانت «الصربيانية» لا تزدهر بقوة الجهادات الإنجيلية ولا نحو الجامعية الأرثوذكسية، فستختنق في شوفينيتها الأنانية... الأمم تمرّ، والإنجيل أبدي. — القديس يوستينوس (بوبوفيتش)، «سرّ شخصية المتروبوليت أنطونيوس»، Orthodox Life، المجلد 34، العدد 5، 1984 قدّيس مُمجَّد من الكنيسة الصربية، يكتب في أكثر مجلات كنيسة الروس في المهجر مرجعيةً، يعلن أنّ «الروسيانية» بلا أرثوذكسية «شوفينية عبثية وضارّة». كما سنرى، أيديولوجيا «العالم الروسي» عند البطريرك كيريل هي بالضبط ما يدينه القديس يوستينوس. التعليم المتّسق للكنيسة جميع الأمم متساوية أمام الله. لا مجموعة عرقية لها مكانة روحية خاصة. يونان، وروس، وعرب، ورومانيون، وصرب: جميعهم يقفون بالتساوي أمام الصليب. دم المسيح وحده يخلّص. لا خدمة عسكرية، ولا انتماء قومي، ولا هوية عرقية تمنح الخلاص: وليس بأحد غيره الخلاص، لأنّه ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص. — أعمال 4:12 الكنيسة تُنظَّم بحسب الإيمان الرسولي، لا العرقية. أيّ أمّة أرثوذكسية يمكن أن تنال الاستقلال الذاتي حين يكون ذلك مناسبًا قانونيًّا. الأوكرانيون ليسوا مقيّدين إلى الأبد بموسكو بسبب تاريخ معموديّ مشترك، تمامًا كما أنّ البلغار ليسوا مقيّدين إلى الأبد بالقسطنطينية لأنّ مبشّرين يونانيين جلبوا لهم الإنجيل. هرطقات قديمة أدانتها الكنيسة أصلاً لنفحص أمثلة مشابهة أخرى أدانت فيها الكنيسة هذه العقلية. المتهوّدون في القرن الأوّل علّموا أنّ الأمم يجب أن يصبحوا يهودًا (بالختان) ليكونوا مسيحيين كاملين. أدانت الكنيسة هذا في مجمع أورشليم (أعمال 15). أيّ تعليم يجعل العرقية مساوية للإنجيل أو أعلى منه هو ببساطة أحدث تكرار لهذه الأخطاء القديمة. ب. ما تبدو عليه الوطنية المشروعة قبل فحص تصريحات البطريرك كيريل المحدّدة، يجب وضع معيار آخر: كيف تبدو الوطنية الأرثوذكسية المشروعة؟ إن كانت الإثنوفيليتية هي الهرطقة، فما البديل الصحّي؟ حبّ التراث دون الوقوع في الإثنوفيليتية رومانيا تدافع عن القيم التقليدية وتقاوم العلمنة. لكنّ الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية لا تدّعي تفوّقًا روحيًّا على أمم أرثوذكسية أخرى. ولا تنظّم إكليسيولوجيتها حول العرقية الرومانية. اليونان كذلك تدافع عن تقاليدها. لكنّ اليونان لا تدّعي أنّها «اليونان المقدّسة» ذات رسالة كونية فريدة. قدّيسون من قوميات مختلفة مدحوا دور اليونان العنائي، لكنّ اليونانيين أنفسهم لا يتكلّمون عن «اليونان المقدّسة» بوصفها ضرورية لوجود الأرثوذكسية. كتب القديس نكتاريوس الأيجيني: نعم، وُلد اليوناني، بالعناية الإلهية، معلّمًا للبشرية. هذا العمل أُوكل إليه؛ هذه كانت رسالته؛ هذه دعوته بين الأمم. تاريخه القومي شهادة؛ فلسفته شهادة؛ ميوله شهادة؛ طباعه النبيلة شهادة؛ التاريخ العالمي شهادة؛ طول عمره شهادة، يمكننا منها أن نستنتج دون تردّد حتى أبديّته، بسبب العمل الأبدي للمسيحية الذي ارتبطت به الهيلينية. لأنّه بينما جميع الأمم التي ظهرت على المسرح العالمي جاءت وذهبت، وحده اليوناني بقي شخصًا فاعلاً على المسرح العالمي عبر جميع العصور. — القديس نكتاريوس الأيجيني، في الفلسفة اليونانية بوصفها مربّي اليونانيين نحو المسيحية، قدّيسون غير يونانيين يؤكّدون هذا. القديس يوستينوس بوبوفيتش الصربي كان يقول كثيرًا لتلاميذه: حين ينهض اليوناني الأرثوذكسي ويتكلّم، تخرج من كلامه المجامع المسكونية السبعة.... إخوتنا اليونانيون: أحبّوهم دائمًا كآبائكم الروحيين وأشبينائكم، وكمعلّميكم الدائمين في الإيمان والتقوى والحياة الكنسية. — القديس يوستينوس بوبوفيتش، رواه الأسقف أثناسيوس يفتيتش في حياة الأب القدّيس يوستينوس بوبوفيتش، القديس صفروني أسيكسي، الروسي المولد، صرّح: كان اليونانيون دائمًا أرستقراطيين روحيين. — القديس صفروني أسيكسي، حتى في العصور القديمة، كتب فيلون الإسكندري، فيلسوف يهودي متأغرق حفظ عمله أوسابيوس القيصري: لأنّ اليونان وحدها هي حقًّا أمّ البشر، إذ أنجبت نبتة ذات أصل سماوي، وبذرة شبيهة بالإله بلغت الكمال، وهي العقل المتّحد بالعلم. — فيلون الإسكندري، في العناية (الشذرة الثانية)، منقول في أوسابيوس القيصري، التمهيد للإنجيل، الكتاب الثامن، الفصل الرابع عشر، قدّيس يوناني يمتدح دور اليونان العنائي. قدّيس صربي يسمّي اليونانيين «آباء روحيين وأشبيناء». قدّيس روسي المولد يسمّي اليونانيين «أرستقراطيين روحيين». فيلسوف يهودي في العصور القديمة بالغ في مدح اليونان بأنّها «نبتة ذات أصل سماوي». لكن رغم قرون من هذا المديح، لا أحد يدّعي «اليونان المقدّسة» بوصفها ضرورية لوجود الأرثوذكسية. لم تُرفع اليونان أبدًا إلى مرتبة كيان روحي كالذي يدّعيه البطريرك كيريل لروسيا. المتروبوليت أوغوسطينوس كانتيوتيس (1907-2010)، الذي قال عنه القديس باييسيوس إنّه «متروبوليت جيّد جدًّا»، وضع المعيار الذي يميّز المدح المشروع عن الهرطقة القومية: الأهمّ [في قياس الأمة] يُقاس بكمّية ونوعية الخدمة التي تقدّمها للبشرية. لا في إكراه العالم أو استغلاله بالقوة بل في خدمته ماديًّا وروحيًّا: هذا هو المثال الذي يجب أن يتطلّع إليه كلّ إنسان وكلّ أمة. نحن لا نحتقر ولا ننتقص أيّ أمة. لكلّ أمة مكان تحت الشمس، كما لكلّ إنسان. ويمكن لكلّ أمة أن تطوّر المواهب الممنوحة لها وتسهم في تقدّم البشرية. كان اليونانيون دائمًا محبّين للحرية ومحرّرين، لكن ليسوا غزاة قط. — المتروبوليت أوغوسطينوس كانتيوتيس، الأمة اليونانية (1998)، ص. 13، 17 مقياس الأمة هو خدمتها، لا إكراهها. بهذا المعيار، تُمتدح اليونان لما أعطته: الفلسفة، واللغة اليونانية لنشر الإنجيل، ودماء الشهداء. تُمتدح اليونان لخدمتها، لا لإخضاع جيرانها. السؤال الذي لا مفرّ منه إن كان الرسول بولس أعلن أنّه لا يهودي ولا يوناني في المسيح... إن كان مجمع 1872 أدان تنظيم الكنيسة على أسس عرقية بوصفه هرطقة... إن كان القديس غريغوريوس علّم أنّ وطننا الحقيقي هو أورشليم السماوية... إن كان قدّيسون من أمم متعددة مدحوا دور اليونان العنائي، ومع ذلك لا أحد يدّعي «اليونان المقدّسة»... فعلى أيّ أساس ممكن يستطيع البطريرك كيريل أن يدّعي «روسيا المقدّسة» ذات رسالة كونية فريدة لا تملكها أمة أرثوذكسية أخرى؟ القديس ثيوفان الحبيس، كاتبًا إلى مسيحي أرثوذكسي انجذب إلى واعظ هرطوقي، صاغ المبدأ بوضوح. الواعظ كان يتكلّم الروسية ويكرز بالمسيح بحماسة. لم يُبدِ القديس ثيوفان الحبيس أيّ محاباة بسبب كونه روسيًّا. قد يكون روسيًّا فعلاً، لكنّه لا يملك الإيمان الروسي! كان أرثوذكسيًّا، لكنّه سقط من الأرثوذكسية. إنّه هرطوقي. — القديس ثيوفان الحبيس، التبشير بمسيح آخر: نظرة أرثوذكسية في الإنجيلية (Orthodox Witness، 2011)، ص. 18 أن تكون روسيًّا لا يعني أن تحمل الإيمان الأرثوذكسي الروسي. يمكن للمرء أن يتكلّم الروسية، ويحمل ألقابًا مؤثّرة، ويكرز بالمسيح، ومع ذلك يكون قد انحرف عن الأرثوذكسية تمامًا. المعيار وُضع. والآن لنفحص ما يعلّمه البطريرك كيريل. ج. الدليل: ما يعلّمه البطريرك كيريل تشكّل أيديولوجيا «العالم الروسي» (Russkiy Mir) عند البطريرك كيريل هرطقة الإثنوفيليتية المدانة من مجمع القسطنطينية عام 1872. جعل العرقية الروسية مساوية للإيمان الأرثوذكسي في مؤتمر العالم الروسي الثالث في 3 تشرين الثاني 2009، عرّف البطريرك كيريل رسميًّا نظامًا إكليسيولوجيًّا منظَّمًا حول العرقية: В основе Русского мира лежит православная вера, которую мы обрели в общей Киевской купели крещения.... Другой опорой Русского мира является русская культура и язык. Наконец, третьим основанием Русского мира является общая историческая память и общие взгляды на общественное развитие. في أساس العالم الروسي يقع الإيمان الأرثوذكسي، الذي اكتسبناه في جرن المعمودية الكييفي المشترك.... الدعامة الأخرى للعالم الروسي هي الثقافة واللغة الروسية. وأخيرًا، الأساس الثالث للعالم الروسي هو الذاكرة التاريخية المشتركة والرؤى المشتركة للتطوّر الاجتماعي. — البطريرك كيريل، خطاب في المؤتمر الثالث للعالم الروسي، 3 تشرين الثاني 2009، هذه هي هرطقة الإثنوفيليتية. بإدراج الأرثوذكسية إلى جانب الثقافة واللغة الروسية كأسس متساوية، يُخضع كيريل الحقيقة المسيحية العالمية للخصوصية العرقية. الإيمان الأرثوذكسي هو الأساس الوحيد. يعلّم القديس بولس: «فإنّه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع، الذي هو يسوع المسيح» (1 كورنثوس 3:11). أدان مجمع 1872 «إدخال المصالح العرقية في المسائل الكنسية». أسس كيريل الثلاثة تُدخل صراحةً الثقافة واللغة الروسية كمحدّدات متساوية للهوية الكنسية. ربّما يقول أحد إنّه يصف الثقافة الروسية فحسب، لا يعرّف الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. لكنّ أفعاله اللاحقة تثبت العكس: يستخدم «جرن المعمودية» المشترك هذا ليصرّ على أنّ الأوكرانيين يجب أن يبقوا تحت ولاية موسكو لأنّهم «شعب واحد». «الأسس الثلاثة» تعمل سياسةً كنسية، تحدّد أيّ أمم تنتمي تحت ولاية موسكو. لذلك، هذا ليس ببساطة بيانًا ثقافيًّا. ألكسندر فيرخوفسكي من مركز SOVA، في عرض بمركز كارنيغي موسكو عام 2011، وثّق أنّ كيريل اعترف علنًا بهذه الإكليسيولوجيا القومية: لا يُنكر كيريل، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أنّه يرى العقيدة الرسمية للكنيسة أداةً لبناء هوية قومية... في نظر كيريل، لا ينبغي النظر إلى الروس والأوكرانيين والبيلاروس كشعوب منفصلة، بل كتنويعات عرقية لأرض مشتركة تتشارك إيمانًا أرثوذكسيًّا مشتركًا. وبالتالي، كما صاغها فيرخوفسكي، الانتماء للأمة يُعبَّر عنه من خلال الانتماء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية. — ألكسندر فيرخوفسكي، "Nationalism Among the Russian Orthodox Church's Leaders During the First Decade of the Twenty-First Century"، Carnegie Moscow Center، 27 كانون الثاني 2011، وُثّق هذا قبل عقد كامل من غزو 2022، فلا يمكن القول إنّ هذه الأيديولوجيا كانت مجرّد ردّ فعل على ظروف سياسية أيضًا. كيريل نفسه جعل الغرض الجيوسياسي صريحًا، معاملاً الهوية الأرثوذكسية بوصفها لا تنفصل عن القوة العسكرية الروسية: أصرّ المتروبوليت كيريل على أنّ التخريب الأيديولوجي يجب أن يُنظر إليه كسلاح دمار شامل، بخطورة الإكراه النووي. ولتوضيح نقطته، كان يشير كثيرًا إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي حدث دون حرب كبرى، بل عبر استبدال القيم الروحية الروسية التقليدية بقيم مادية أجنبية وعبادة الربح. «لا ينبغي أن نخجل من الذهاب إلى الكنائس وتعليم أطفالنا الأرثوذكسية. [...] في تلك الحالة سيكون لدينا ما نحميه بغوّاصاتنا النووية». — Dmitry Adamsky، Russian Nuclear Orthodoxy (Stanford University Press، 2019)، ص. 86 تنظيم الولاية الكنسية بحسب العرقية في عام 2024، تبنّى مجلس الشعب الروسي العالمي، برئاسة البطريرك كيريل، رسميًّا عقيدة «الوحدة الثلاثية»: عقيدة الوحدة الثلاثية للشعب الروسي، التي بموجبها يتألف الشعب الروسي من الروس الكبار، والروس الصغار (الأوكرانيين)، والبيلاروس، الذين هم فروع (مجموعات عرقية فرعية) من شعب واحد. — مرسوم مجلس الشعب الروسي العالمي، 27 آذار 2024، هذا جوهر الإثنوفيليتية: الادّعاء بأنّ الهوية العرقية تحدّد الحدود الكنسية. بإعلانه أنّ الأوكرانيين («الروس الصغار») والبيلاروس مجرّد «مجموعات عرقية فرعية» من الروس، تُنكر هذه العقيدة الهوية المستقلّة لهذه الشعوب وتؤكّد الولاية الكنسية الروسية عليها على أسس عرقية. يجب فهم موقف كيريل بوضوح: لا يعترف بالأوكرانيين كشعب مستقلّ. في نظره، الأوكرانيون هم روس: «روس صغار»، فرع من الأمة الروسية. من هذه المقدّمة، تتبع ادّعاءاته الكنسية منطقيًّا: إن كان الأوكرانيون روسًا، فهم ينتمون إلى بطريركية موسكو لأنّ هذا حيث ينتمي الروس. إنّه لا يدّعي ولاية على شعب أجنبي؛ بل يدّعي أنّه لا يوجد شعب أجنبي أصلاً. لهذا الحوار حول الإقليم القانوني مستحيل: كيريل لا يعترف بالاستقلال الكنسي الأوكراني كسؤال مشروع، لأنّه لا يعترف بالأوكرانيين كشعب مستقلّ له حاجاته الكنسية الخاصة. أصرّ كيريل مرارًا على ادّعاء «شعب واحد» هذا: Мы действительно единый народ, и я никогда не боюсь об этом говорить. У нас разные наречия, разные культурные особенности, но мы единый народ, происходящий от Киевской купели Крещения. نحن فعلاً شعب واحد، ولا أخاف أبدًا من قول ذلك. لدينا لهجات مختلفة، وخصوصيات ثقافية مختلفة، لكنّنا شعب واحد ينحدر من جرن المعمودية الكييفي. — البطريرك كيريل، 28 تشرين الأول 2018، بعد ثلاثة أسابيع من الغزو الروسي، أعاد تأكيد هذا الادّعاء: Русская Церковь, несмотря на очень негативный политический контекст, призвана сегодня сохранять духовное единство нашего народа — русского и украинского народов — как единого народа, вышедшего из Киевской купели Крещения. الكنيسة الروسية، رغم السياق السياسي السلبي جدًّا، مدعوّة اليوم لحفظ الوحدة الروحية لشعبنا: الشعبَين الروسي والأوكراني، بوصفهما شعبًا واحدًا خرج من جرن المعمودية الكييفي. — البطريرك كيريل، خطاب أمام المجلس الكنسي الأعلى، 18 آذار 2022، هذا ينتهك مباشرةً إدانة 1872، التي أدانت «التمييز العرقي، والعداوات القومية، والأحقاد والانقسامات داخل كنيسة المسيح». بإصراره على أنّ الأوكرانيين والروس «شعب واحد» يجب أن يبقوا في بنية كنسية واحدة، ينظّم كيريل الكنيسة بحسب العرقية بدلاً من الإيمان والإقليم القانوني. المعيار الآبائي يناقض هذا: تلقّى البلغار المسيحية الأرثوذكسية من القديسَين كيرلّس وميثوديوس. تلقّى الصرب الإيمان عبر البعثات البيزنطية. لكن لا بلغاريا ولا صربيا تبقيان تحت ولاية القسطنطينية لمجرّد أنّ يونانيين جلبوا لهم الإنجيل. كلّ منهما نالت في نهاية المطاف الاستقلال الذاتي وصارت كنيسة محلية ثابتة بإقليم قانوني محدّد خاص بها. المعمودية التاريخية لا تخلق ولاية دائمة. والتاريخ المشترك لا يحدّد الحدود الكنسية. ملاحظة رعوية: يتشارك الروس والأوكرانيون روابط تاريخية وثقافية وروحية عميقة: معمودية روس الكييفية عام 988، والروابط العائلية، والقرابة اللغوية. يجب تكريم هذه الروابط. محبة الأمم الشقيقة أمر صحيح. لكن كون الشعبَين «شعبًا واحدًا» لا يتطلّب كونهما ولاية واحدة. اليونانيون أيضًا شعب واحد، يتشاركون اللغة والثقافة والإيمان الأرثوذكسي، ومع ذلك لديهم ولايات أرثوذكسية مستقلّة متعدّدة: كنيسة اليونان، وكنيسة قبرص، والبطريركية المسكونية، ومؤمنون ناطقون باليونانية تحت بطريركيات الإسكندرية وأورشليم وأنطاكية. لا أحد يدّعي أنّ هذا التعدّد ينتهك وحدتهم كشعب، ومع ذلك هذا ما يسعى إليه البطريرك كيريل. لذلك، المطالبة بولاية كنسية على أساس الوحدة العرقية بدلاً من الإقليم القانوني هي إثنوفيليتية. تكريم المعمودية المشتركة أمر صحيح. استخدام المعمودية المشتركة للمطالبة بولاية دائمة هو إثنوفيليتية. إخضاع ملكوت الله للقوة الجيوسياسية الروسية في خطابه أمام مؤتمر العالم الروسي في 3 تشرين الثاني 2009، صرّح البطريرك كيريل صراحةً بالغرض الجيوسياسي لـ«العالم الروسي»: Верю, что только сплоченный Русский мир может стать сильным субъектом глобальной международной политики, сильнее всяких политических альянсов. أؤمن بأنّ عالمًا روسيًّا متماسكًا وحده يمكن أن يصبح فاعلاً قويًّا في السياسة الدولية العالمية، أقوى من أيّ تحالفات سياسية. — البطريرك كيريل، خطاب في المؤتمر الثالث للعالم الروسي، 3 تشرين الثاني 2009، هذا ينتهك تعليم المسيح نفسه. حين سأل بيلاطس يسوع عن ملكوته، أجاب المسيح: «مملكتي ليست من هذا العالم» (يوحنا 18:36). الكنيسة وُجدت لتقود الناس إلى ملكوت السماء، لا لتجعل روسيا «فاعلاً قويًّا في السياسة الدولية العالمية». هذا يجعل الكنيسة صراحةً تخدم القوة الجيوسياسية بدلاً من الخلاص الروحي. إعلان آذار 2022 ضدّ أيديولوجيا «العالم الروسي» أدان هذا بالضبط: لذلك ندين بوصفه غير أرثوذكسي ونرفض أيّ تعليم يُخضع ملكوت الله... لأيّ مملكة من هذا العالم. يكشف تصريح كيريل الغرض النهائي لأيديولوجيته الإثنوفيليتية: ليس الوحدة الروحية، بل القوة السياسية. رفع الإقليم الروسي إلى مرتبة شبه مقدّسة في 31 كانون الثاني 2019، صرّح البطريرك كيريل: Украина — это не периферия нашей Церкви. Мы называем Киев «матерью городов русских», для нас Киев — то, чем для многих является Иерусалим. Оттуда началось русское православие, и ни при каких обстоятельствах мы не можем отказаться от этой исторической и духовной связи. أوكرانيا ليست على أطراف كنيستنا. نسمّي كييف «أمّ المدن الروسية». بالنسبة لنا كييف ما هي أورشليم للكثيرين. بدأت الأرثوذكسية الروسية هناك، ولا يمكننا تحت أيّ ظرف أن نتخلّى عن هذه العلاقة التاريخية والروحية. — البطريرك كيريل، لقاء مع وفود الكنائس الأرثوذكسية المحلية، 31 كانون الثاني 2019، التغطية في 27 تموز 2009، خلال زيارته الأولى لأوكرانيا بطريركًا، صرّح بشكل أكثر تأكيدًا: Если хотите, Киев — наш общий «Иерусалим». إن شئتم، كييف هي «أورشليمنا» المشتركة. — البطريرك كيريل، فلاديميرسكايا غوركا، 27 تموز 2009؛ نُشر أصلاً في Izvestia بقلم بوريس كلين (ITAR-TASS)، هذا يرتكب هرطقات متعدّدة: رفع إقليم روسي إلى مرتبة أرض مقدّسة (منافسًا أورشليم الحقيقية) جعل الجغرافيا محدّدة للانتماء الكنسي (يجب أن يبقى الأوكرانيون تحت موسكو بسبب تاريخ كييف) إخضاع إرادة المؤمنين الأرثوذكس الحاليين للمطالب القومية الروسية (لا يستطيع الأرثوذكس الأوكرانيون اختيار مسارهم لأنّه يهدّد الهوية الروسية) المشكلة اللاهوتية لمصطلح «روسيا المقدّسة» الاستخدام الروسي لمصطلح «روسيا المقدّسة» (Святая Русь) بحدّ ذاته يكشف الطبيعة الإثنوفيليتية لهذه الأيديولوجيا. لا أمة أرثوذكسية أخرى تسمّي نفسها «[اسم الأمة] المقدّسة». اليونانيون لا يتكلّمون عن «اليونان المقدّسة». الصرب لا يدّعون «صربيا المقدّسة». البلغار لا يؤكّدون «بلغاريا المقدّسة»، رغم أنّ هذه الأماكن أنتجت قدّيسين لا حصر لهم. اليونان روّجت لـ«الهيلينية» و«الفكرة الكبرى»، الرؤية السياسية في القرن التاسع عشر لاستعادة القسطنطينية، لكنّ هذه كانت رؤى سياسية وثقافية صريحة، لا ادّعاءات لاهوتية بأنّ الأمة اليونانية نفسها مقدّسة. اللاهوت الأرثوذكسي يحصر القداسة في الكنيسة نفسها، لا في الأمم الأرضية أبدًا. القداسة (هاغيوس/سفياتوست) تعني الاشتراك في الحياة الإلهية عبر التأليه (ثيوسيس)، وهي تنطبق على الأشخاص وعلى الكنيسة بوصفها جسد المسيح السرّي، لكن لا على دول محدّدة جغرافيًّا أو عرقيًّا. يعترف دستور الإيمان النيقاوي-القسطنطيني: «وبكنيسة واحدة، مقدّسة، جامعة، رسولية». القداسة صفة للكنيسة، لا للأمم. القديس كيرلّس الأورشليمي (العظة التعليمية 18) يعلّم أنّ الكنيسة مقدّسة بوصفها «عروس ربنا يسوع المسيح»، مقدّسة بالروح، عروسه وجسده، مسكن الثالوث الأقدس. أمّة، بوصفها كيانًا سياسيًّا وجغرافيًّا، لا يمكن أن تُقدَّس بهذا المعنى السرّي. تسمية أمة «مقدّسة» ينسب إلى المخلوق ما لا ينتمي إلاّ لله وجسده السرّي. حتى البطريرك برثلماوس القسطنطيني (الذي يعتنق هو نفسه هرطقات كثيرة) يستطيع أن يرى بصواب أنّ هذا خطأ واضح: «يعلنون بلا حياء أنّهم روس أوّلاً ثم أرثوذكس». كلّ هذا يمثّل انحرافًا تاريخيًّا. مفهوم الراهب فيلوثيوس عن «روما الثالثة» (القرن السادس عشر) ركّز على دور موسكو كحامية للإيمان، لا على قداسة روسيا الذاتية. معاصره، القديس مكسيموس اليوناني، انتقد القيصروبابوية الناشئة (سيطرة الدولة على الكنيسة) التي شهدها في روسيا الموسكوبية، مظهرًا أنّ القلق الأرثوذكسي من الخلط بين السلطة السياسية والروحية عمره قرون. التحوّل من مفهوم لاهوتي إلى تبرير إمبريالي يُظهر كيف صارت أيديولوجيا «روسيا المقدّسة» أداة للتوسّع السياسي بدلاً من الشهادة الروحية. خلق نظام خلاص ذي مستويين الخطأ هنا أعمق من السياسة: إنّه تشويه جذري لكيفية عمل الخلاص. تعليم البطريرك كيريل يخلق نظام خلاص ذا مستويين: المستوى الأوّل (الروس): مكانة روحية خاصة بوصفهم «الممسك» (الكاتيخون)، و«روسيا المقدّسة»، برسالة أخروية فريدة. الموت في سبيل المصالح القومية الروسية يمنح الخلاص («يغسل جميع الخطايا»). كونك روسيًّا ذو أهمية روحية لمصيرك الأبدي. (هذه الادّعاءات موثّقة بمصادر أولية في هذا الفصل وفي الفصول الفصل 16: الأورانوبوليتية في مواجهة القومية-الفصل 17: هل الموت في الحرب يغسل جميع خطايانا؟.) المستوى الثاني (أرثوذكس آخرون): لا مكانة خاصة، ولا رسالة كونية، ولا وعد بحلّ تلقائي عبر الخدمة القومية. هويتهم العرقية لا تحمل وزنًا خلاصيًّا. هذا ينتهك مباشرةً تعليم الرسول بولس. كما ثبت في قسم الشهادة أعلاه، أعلن الرسول: «لا يهودي ولا يوناني... لأنّكم جميعكم واحد في المسيح يسوع» (غلاطية 3:28)، و«المسيح هو الكلّ وفي الكلّ» (كولوسي 3:11). الإنجيل يلغي التراتبيات العرقية في الخلاص: تعليم أنّ الروس لهم مكانة روحية خاصة، وأنّ كونك روسيًّا مهمّ لمصيرك الأبدي، وأنّ الموت في سبيل روسيا يغسل الخطايا، يعني إعادة بناء الجدار بين اليهودي واليوناني الذي هدمه المسيح. التوافق مع أيديولوجيا الدولة التوافق بين لاهوت البطريرك كيريل وأيديولوجيا الرئيس بوتين الحكومية دقيق. مقال بوتين في تموز 2021 «عن الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين» يستخدم كلمة «أرثوذكسي» ثلاث عشرة مرة. يعلن أنّ الروس والأوكرانيين «كانوا شعبًا واحدًا»، مرتبطين «بعد معمودية الروس» بـ«الإيمان الأرثوذكسي». قارن صياغة كيريل: الروس والأوكرانيون «شعب واحد خرج من جرن المعمودية الكييفي»، متّحدون بثلاثة أسس: الإيمان الأرثوذكسي، والثقافة واللغة الروسية، والذاكرة التاريخية المشتركة. اللغة قابلة للتبادل. حين تعكس صياغات بطريرك لاهوتية بيان رئيس سياسي كلمة بكلمة، يتّضح مصدر العقيدة: الكرملين. المفردات أرثوذكسية في مصطلحاتها المستعارة فحسب. الأب أندريه كوردوشكين، الذي قاد عريضة رجال الدين في آذار 2022 بـ300 توقيع تدعو لإنهاء الحرب وجُرّد لاحقًا من رتبته الكهنوتية، وصف كيف تعمل هذه الأيديولوجيا: أيّ حرب لها مكوّنان: الأفكار والأسلحة... إن كانت الدولة توفّر الأسلحة، فإنّ الأفكار وراء الحرب يوفّرها إلى حدّ كبير بطريركية موسكو. — الأب أندريه كوردوشكين، ندوة مركز أوراسيا في المجلس الأطلسي، 17 أيلول 2025، الأيديولوجيا تقدّم العدوان دفاعًا: مفهوم العالم الروسي... يقدّم غزو روسيا لأوكرانيا كشكل من الدفاع... ليست روسيا هي التي غزت أوكرانيا، بل هذا العالم الروسي الذي يدافع عن نفسه على الإقليم الأوكراني. وقدّست الدولة إلى حدّ صار فيه الاختلاف السياسي جريمة دينية: إن لم يكن الذين يموتون في الحرب مجرّد أبطال بل قدّيسين، فإنّ أيّ شكل من الاختلاف يصبح تدنيسًا. النتيجة المنطقية هي تأليه الزعيم القومي: إن صُنّفت الحرب مقدّسة، فالزعيم القومي الذي يقود الحرب لم يعد موظّفًا مدنيًّا. يصبح شخصية مسيانية. ثم حدّد الأب كوردوشكين ما تفعله بطريركية موسكو فعلاً: بدعمها الأيديولوجيا وراء الحرب، بطريركية موسكو لا تضحّي بالحرب فحسب، بل النظام نفسه يُقدَّم بوصفه أداة الله. كما قال بوتين، كانت مشيئة الرب بدء الغزو، وأعتقد أنّه يؤمن بذلك بصدق. — الأب أندريه كوردوشكين، مركز أوراسيا في المجلس الأطلسي، 17 أيلول 2025، هذه هي الآلية التي تنتج بها الإثنوفيليتية القيصروبابوية: أوّلاً الأمة مقدّسة، ثم حروبها مقدّسة، ثم زعيمها مقدّس، وأخيرًا الاختلاف عن أيّ منهم هرطقة. د. ثلاثة اعتراضات شائعة ثلاثة اعتراضات تُثار كثيرًا للدفاع عن تعليم البطريرك كيريل عن «العالم الروسي». جميعها تفشل تحت التمحيص. الاعتراض الأوّل: «لكنّ أوكرانيا تضطهد الكنيسة الأوكرانية القانونية» أوكرانيا تضطهد الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية تحت المتروبوليت أونوفريوس، لذلك يجب على روسيا الدفاع عنهم. (للخلفية الكاملة عن الكنيسة الأوكرانية وكنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية وكيف ترتبطان، انظر الفصل 28: فهم الكنائس الأوكرانية.) هذا الاعتراض يفشل لأربعة أسباب: أوّلاً، اضطهاد الكنيسة الأوكرانية بدأ بعد الغزو الروسي، لا قبله. قبل شباط 2022، كانت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية تعمل بحرية نسبية في أوكرانيا. كانت هناك بالطبع توتّرات مع كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية الانشقاقية التي أنشأها البطريرك برثلماوس عام 2018 ومضاعفات سياسية. لكن لم يكن هناك اضطهاد منهجي حكومي للكنيسة الأرثوذكسية القانونية. الاضطهاد واسع النطاق (مداهمات SBU على الأديرة، وعقوبات على الأساقفة، وإنهاء عقد إيجار لافرا كييف بتشيرسك، ومصادرة الكنائس) بدأ في أواخر 2022 وتصاعد في 2023. الغزو خلق الاضطهاد ذاته الذي ادّعى أنّه يمنعه. ثانيًا، المتروبوليت أونوفريوس نفسه عارض الغزو من اليوم الأوّل. في 24 شباط 2022، أصدرت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية بيانًا: دفاعًا عن سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، نتوجّه إلى رئيس روسيا ونطالبه بالتوقّف الفوري عن الحرب الأخوية. — المتروبوليت أونوفريوس، بيان 24 شباط 2022، إن كانت روسيا غزت لحماية الكنيسة الأوكرانية المفترضة، فلماذا أدانت الكنيسة الأوكرانية الغزو تمامًا؟ لماذا توقّفت فورًا عن ذكر البطريرك كيريل؟ لماذا أعلنت استقلالها عن موسكو في 27 أيار 2022؟ (هذه الأحداث موثّقة بالتفصيل في الفصل 29: كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية توقف الذِّكر.) على هذه الأسئلة، ليس لدى مؤيّدي البطريرك كيريل أجوبة نوعية، سوى هجمات شخصية وادّعاءات بأنّهم «معادون لروسيا»، وكارهون للروس، وجواسيس غربيون، وأيّ ادّعاء آخر لا يشكّل ردًّا مشروعًا يتعامل مع هذه المفارقة الظاهرية. الكنيسة الأوكرانية ذاتها التي يبدو أنّ كثيرين يدعمونها في الكنيسة الروسية لا تدعم البطريرك كيريل بتاتًا. الكنيسة ذاتها التي تدّعي روسيا حمايتها، رفضت حمايتهم. هذا يستحقّ التكرار: هل يمكن تسمية الحماية حماية، حين يقول من يُفترض أنّهم محميّون إنّها ليست حماية؟ الطريقة الوحيدة لصحّة هذا هي أن ندّعي أنّ الكنيسة الأوكرانية تكذب. ثالثًا، حتى لو كان الاضطهاد موجودًا، فالغزو لا يستوفي المعايير الآبائية. الفصل 20: متى يمكن اعتبار الحرب دفاعًا عن النفس؟ يفحص الشروط الضيّقة التي أجاز فيها الآباء التدخّل العسكري ويثبت أنّ الغزو الروسي لا يستوفي أيًّا منها. يُدعى القارئ لفحص ذلك الدليل قبل استخلاص نتائج. رابعًا، الاعتراض يثبت أكثر ممّا يقصد. إن كان اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس يبرّر تلقائيًّا الغزو العسكري من أمم أرثوذكسية أخرى، فإنّ: اليونان تستطيع غزو تركيا لـ«تحرير» البطريركية المسكونية روسيا تستطيع غزو تركيا لـ«تحرير» المسيحيين الأرثوذكس هناك أيّ بلد أرثوذكسي يستطيع غزو أيّ بلد آخر حيث يواجه المسيحيون الأرثوذكس صعوبات هذه إمبريالية تلبس لغة دينية، لا إكليسيولوجيا أرثوذكسية. الاعتراض الثاني: «لكنّ الغرب يروّج لأيديولوجيا المثلية والعولمة» اعتراض آخر: «الغرب ينشر أيديولوجيا المثلية الجنسية، ونظرية الجنوسة، والقيم العولمية المعادية للمسيحية. روسيا تدافع عن الحضارة المسيحية التقليدية. لهذا العالم الروسي ضروري». هذا الاعتراض يخلط بين مقاومة أخطاء الغرب الثقافية واعتناق إكليسيولوجيا إثنوفيليتية. الغرب سقط فعلاً في أخطاء أخلاقية وروحية جسيمة. المسيحيون الأرثوذكس التقليديون لا يدحضون هذا. ترويج الفجور الجنسي، وإعادة تعريف الزواج، والاعتداء على الأسرة، واحتضان المادية والعلمنة: هذه شرور حقيقية يجب على المسيحيين الأرثوذكس مقاومتها. لكنّ مقاومة أخطاء الغرب لا تتطلّب تنظيم الكنيسة على أسس عرقية. رومانيا وصربيا وبلغاريا تقاوم أيضًا أيديولوجيا المثلية والانحلال الأخلاقي الغربي. لكنّها لا تدّعي أنّها «الممسك» ضدّ الشرّ الكوني. ولا تنظّم إكليسيولوجيتها حول الهوية العرقية. ولا تعلّم أنّ الموت في سبيل أمتها يغسل الخطايا. لم تكن بحاجة ولا هي بحاجة لمزج قومي لمحاربة الروح العلمانية. علاوة على ذلك، الدفاع عن الأرثوذكسية ضدّ أخطاء الغرب واجب جميع المسيحيين الأرثوذكس في جميع الأمم. لا ينتمي لروسيا وحدها. هذا ما يجب أن نتّفق عليه جميعًا. لذلك، لا يمكن تبرير خلق لاهوت تحمل فيه الهوية الروسية دلالة أخروية. هذان ليسا الشيء ذاته. المزج بين الدفاع الثقافي والإكليسيولوجيا الإثنوفيليتية هو كيف يكسب الخطأ الفيليتي القبول: بالاختباء وراء مخاوف مشروعة بشأن الانحلال الأخلاقي الغربي. الاعتراض الثالث: «هذه دعاية معادية لروسيا» اعتراض ثالث يرفض كلّ نقد لهيراركيي الروس بوصفه «روسوفوبيا» أو «دعاية معادية لروسيا». أيّ نقد للبطريرك كيريل، كما تذهب الحجّة، هو في الحقيقة هجوم على روسيا ذاتها، على «روسيا المقدّسة»، على التقليد الأرثوذكسي الروسي. (للاطّلاع على أمثلة موثّقة عن تكتيك التحويل هذا عمليًّا، بما في ذلك ردّ السفارة الروسية على أرشيفات KGB السويسرية المفكّكة، انظر الفصل 13: الـ KGB وإدارة العلاقات الكنسية الخارجية.) هذا الاعتراض يفشل لأنّ قدّيسي روسيا أنفسهم حذّروا من أنّ هيراركيي الروس سيسقطون من الأرثوذكسية. القديس سيرافيم ساروفسكي، أحد أحبّ القدّيسين في التاريخ الروسي، تنبّأ: سيأتي زمان يتجاوز فيه كفر أساقفة روسيا كفر الأساقفة اليونان في زمن الإمبراطور ثيودوسيوس الأصغر. حينئذ يتمّ ما قيل: هذا الشعب يقترب إليّ بفمه ويكرمني بشفتيه، أمّا قلبه فبعيد عنّي، وباطلاً يعبدونني وهم يعلّمون وصايا الناس وتعاليمهم (إش 29:13). في أرض روسيا ستكون ضيقات عظيمة. هيراركيو كنيسة الله وإكليريكيون آخرون سيسقطون من نقاوة الأرثوذكسية، ولهذا سيعاقبهم الرب بشدّة. — القديس سيرافيم ساروفسكي، كما نُقل في Orthodox Life، المجلد 42، العدد 5 (أيلول-تشرين الأول 1992)، ص. 45 لم يكن القديس سيرافيم «معاديًا لروسيا». أحبّ روسيا والشعب الروسي. يُبجَّل في العالم الأرثوذكسي كله بوصفه عمودًا من أعمدة الروحانية الروسية. لكنّه تنبّأ بأنّ أساقفة روسيا سيسقطون من الأرثوذكسية، وأنّ كفرهم سيتجاوز حتى الهيراركيين اليونان المتساهلين في القرن الخامس. *وعليه، إن كان نقد الهيراركيين الروس «روسوفوبيا»، فبحسب حجّتهم هم، القديس سيرافيم ساروفسكي كان كارهًا للروس.* هذا عبثي. القدّيسون لا يشاركون المفهوم الحديث بأنّ الهيراركيين الروس فوق النقد أو أنّ «العالم الروسي» محميّ بشكل فريد من الخطأ. مفهوم «روسيا المقدّسة»، حين يُستخدم لحماية الهيراركيين من المحاسبة، يناقض شهادة قدّيسي روسيا أنفسهم. القديس سيرافيم ساروفسكي عرف ما ينكره أيديولوجيو «العالم الروسي»: أنّ الإكليريكيين والهيراركيين الروس، مثل اليونان والصرب وغيرهم، يمكن أن يسقطوا في الهرطقة، وأنّه حين يفعلون، يجب على المؤمنين الشهادة ضدّهم. هذا التوثيق إذن مع الأرثوذكسية. المعايير الآبائية ذاتها التي تنطبق على البطريرك برثلماوس، وعلى الهيراركيين اليونان، وعلى الهيراركيين الأمريكيين، تنطبق بالتساوي على البطريرك كيريل. الولاء للولاية لا يلغي الحقيقة اللاهوتية. الهوية العرقية لا تعفي أحدًا من القوانين. من يرفضون هذا النقد بوصفه «روسوفوبيا» يثبتون فورًا النقطة ذاتها: لقد رفعوا الهوية الروسية فوق الحقيقة الأرثوذكسية. إنّهم يدافعون لا عن إيمان الآباء، بل عن شرف ولايتهم. هذه إثنوفيليتية عمليًّا. الخطوتان المكشوفتان حين يأتي النقد من الغرب، يسمّيه النظام «روسوفوبيا». وحين يأتي النقد ذاته من روس، يسمّيهم النظام خونة. هذه إثنوفيليتية عمليًّا. التهمة ليست لاهوتية؛ بل قومية. الكهنة الذين جُرّدوا بسبب صلاتهم من أجل السلام لم يُتّهموا بخطأ عقائدي. اتُّهموا بعدم الولاء: رفض قراءة صلاة لنصر روسيا، واستبدال «النصر» بـ«السلام»، والوعظ بأنّ «لا تقتل» غير مشروطة. معيار الأمانة صار الولاء لروسيا، لا الأمانة للإنجيل. في آذار 2022، خاطب الرئيس بوتين الروس المعارضين للحرب: [الشعب الروسي] سيستطيع دائمًا التمييز بين الوطنيين الحقيقيين والحثالة والخونة وسيبصقهم ببساطة كبعوضة طارت في أفواههم بالخطأ. أنا مقتنع بأنّ هذا التطهّر الذاتي الطبيعي والضروري للمجتمع سيقوّي بلدنا فحسب. كلمة «التطهّر الذاتي» (очищение) تستحضر عمدًا مصطلحات تطهيرات ستالين. ليست مجازًا. النظام يعمل بموجبها. بحلول شباط 2025، وثّق OVD-Info 1,185 شخصًا يواجهون ملاحقة جنائية بسبب تصريحات أو أفعال معادية للحرب، 372 منهم في أماكن اعتقال. أكثر من ثلث من صُنّفوا «عملاء أجانب» أو «منظمات غير مرغوبة» هم فاعلون إعلاميون. وثّقت لجنة حماية الصحفيين 22 صحفيًّا مسجونًا في روسيا حتى أواخر 2025. داخل الكنيسة، ينطبق المنطق ذاته. أكثر من 100 قائد ديني وناشط اضطُهدوا بسبب معارضتهم الحرب. ثمانية وثلاثون إكليريكيًّا أرثوذكسيًّا واجهوا محاكمات كنسية: 17 جُرّدوا، و14 أُوقفوا، و7 أُحيلوا قسرًا إلى التقاعد. أعلنت محاكم البطريرك كيريل رسميًّا أنّ السلمية هرطقة، مستشهدة بالغنوصيين والبوغوميليين والتولستويين. ما يقارب 30 كاهنًا وشمّاسًا فرّوا إلى البطريركية المسكونية بعد إيقافهم أو تجريدهم من موسكو. هؤلاء ليسوا عملاء غربيين. هؤلاء صحفيون روس، وناشطون روس، وكهنة روس. الأب أندريه كوردوشكين، الذي أُوقف بسبب معارضته الحرب، قال: «إن قلت إنّ قتل الناس ليس شكلاً مقبولاً من المواجهة، فهذا ليس رأيي، بل إيماني». النظام لا يستطيع تسمية هؤلاء الروس «كارهين للروس»، فيسمّيهم خونة بدلاً من ذلك. التحوّل في المصطلح يكشف الإثنوفيليتية: الذنب ليس الهرطقة بل عدم الولاء. الأمة حلّت محلّ الإنجيل كمقياس للأمانة الأرثوذكسية. من يرفضون هذا التوثيق بوصفه «معاديًا لروسيا» عليهم أن يشرحوا لماذا تسجن روسيا الروس بسبب قوله. هـ. الحكم الرسول بولس، ومجمع القسطنطينية 1872، والقديس غريغوريوس اللاهوتي يتّفقون: تنظيم الكنيسة بحسب العرقية هرطقة. الإنجيل لا يعرف عرقًا. المعمودية، لا مكان الولادة، تحدّد العضوية الكنسية. أيديولوجيا «العالم الروسي» عند البطريرك كيريل: تجعل العرقية الروسية مساوية للإيمان الأرثوذكسي («الأسس الثلاثة») تنظّم الولاية الكنسية بحسب العرقية («شعب واحد»، «مجموعات عرقية فرعية») تُخضع ملكوت الله للقوة الجيوسياسية الروسية («فاعل قوي في السياسة الدولية العالمية») ترفع الإقليم الروسي إلى مرتبة شبه مقدّسة («كييف أورشليمنا المشتركة»، «روسيا المقدّسة») تخلق نظام خلاص ذا مستويين مبنيًّا على العرقية (موثّق في هذا الفصل وفي الفصل 16: الأورانوبوليتية في مواجهة القومية) أكثر من 1,500 باحث وإكليريكي ومؤمن أرثوذكسي من حول العالم حلّلوا هذه التصريحات رسميًّا وخلصوا إلى أنّها تشكّل هرطقة الإثنوفيليتية. الإعلان، المنشور على Public Orthodoxy (منصة تابعة لفوردهام ذات توجّه مسكوني غالبًا)، استقطب مع ذلك توقيعات من مختلف أنحاء الطيف الأرثوذكسي، بما في ذلك إكليريكيون ورهبان تقليديون. يُستشهد به كتأييد معاصر، لا كسلطة مجمعية. هذه هي هرطقة الإثنوفيليتية المدانة من مجمع القسطنطينية 1872، المرفوضة من الرسل، والمحظورة من الآباء. القدّيسون يتكلّمون بصوت واحد: لا يهودي ولا يوناني في المسيح. تعليم البطريرك كيريل، الذي يجعل الهوية الروسية محدّدة روحيًّا، لا يمكن التوفيق بينه وبين تعليمهم.