الفصل 31: دفاعًا عن قدّيسي بطريركية موسكو عدّة قدّيسين من بطريركية موسكو تبنّوا مواقف بشأن السرجيانية وإعلان 1927 تناقض الشهادة الإجماعية للشهداء الجدد. يفحص هذا الفصل أخطاءهم بأمانة، ويوضّح لماذا يبقون قدّيسين ورجالًا مقدّسين. في عام 1998، كتب شمّاس موسكوفي شابّ أنّ أسرار ROCOR (الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خارج روسيا) خالية من النعمة، وأنّ المتروبوليت أنطونيوس (خرابوفيتسكي) أسّس «هرطقة محاربة الصليب»، وأنّ المسيحيين المسافرين إلى الخارج «لا يستطيعون الدخول في شركة إفخارستية مع الأجانب». بعد إحدى عشرة سنة، قُتل هذا الرجل نفسه من أجل المسيح. كان قد حوّل ثمانين مسلمًا إلى الأرثوذكسية، بينهم باكستاني كان يتدرّب ليكون انتحاريًّا. حين دخل القاتل الملثّم كنيسته، سار مباشرةً نحوه. دافع الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف عن السرجيانية: الموقف القائل إنّ إعلان المتروبوليت سرجيوس (ستراغورودسكي) عام 1927، الذي تعهّد بولاء الكنيسة للدولة السوفيتية وألزم جميع رجال الدين بالتعبير علنيًّا عن هذا الولاء كشرط لاستمرار خدمتهم، كان مشروعًا قانونيًّا وضروريًّا. وكان أيضًا شهيدًا. دعا الشيخ يوحنّا كريستيانكين الكنيسة السرّيّة «منظّمة انشقاقية» «لا يجرؤ حتى على تسميتها كنيسة». وقد أمضى أيضًا خمس سنوات في الغولاغ، حيث كانت عظاته قد جذبت إلى المسيح أكثر ممّا يحتمله الـ NKVD (KGB). وصف القدّيس لوقا القرمي اليوسيفيين بأنّهم «منشقّون». وقد تحمّل أيضًا إحدى عشرة سنة في السجون السوفيتية، ورفض التخلّي عن إيمانه تحت التعذيب، وشفى الآلاف بصلواته. كيف يمكن أن يكون القدّيسون مقدّسين ويخطئون أيضًا؟ لماذا هذا الفحص ضروري يعلّم التقليد الأرثوذكسي أنّ علينا ستر زلّات القدّيسين لا نبشها. غريزة الكنيسة هي الإكرام لا التشريح. نستغفر عمّا يلي. لم يكن هذا الفحص ليكون ضروريًّا لولا نوعان من قلّة الورع أجبرا عليه. قلّة الورع الأولى تأتي من جدليّي التقويم القديم الذين يستخدمون أخطاء قدّيسي بطريركية موسكو لإنكار قداستهم بالكامل. يشيرون إلى دفاع الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف عن السرجيانية ويخلصون إلى أنّه لا يمكن أن يكون مقدّسًا. يشيرون إلى دعم القدّيس لوقا القرمي للمتروبوليت سرجيوس ويخلصون إلى أنّه كان «معترفًا بالبلشفية». يمزّقون قدّيسي القرن العشرين كما مزّق أسلافهم الطوباوي أوغسطينوس، وكما حاولت رئيسة دير تتبع التقويم القديم ذات مرّة تمزيق القدّيس نكتاريوس البنتابوليسي. يجب أن يسمع هؤلاء النقّاد: القدّيسون أخطأوا، ويبقون قدّيسين. لكنّ أخطاءهم لا تلغي شهادتهم أو قداستهم. الكنيسة أمسكت دائمًا بالحقيقتين معًا. قلّة الورع الثانية تأتي من الاتّجاه المعاكس: أولئك الذين يستخدمون أخطاء القدّيسين كمرجعية. لأنّ الكاهن الشهيد دانييل دافع عن السرجيانية، يخلص بعضهم إلى أنّ السرجيانية يجب أن تكون قابلة للدفاع. لأنّ القدّيس لوقا أيّد المتروبوليت سرجيوس، يخلص بعضهم إلى أنّ إعلان 1927 لا بدّ أنّه كان مقبولًا. لأنّ هؤلاء الرجال كانوا أقدس منّا، يجادل بعضهم أنّنا ملزمون باتّباع مواقفهم في هذه المسائل. هذا المنطق غريب عن التقليد الأرثوذكسي. لو كانت القداسة تمنح العصمة، لكانت أخطاء الطوباوي أوغسطينوس في سبق التعيين والفيليوكوي عقيدة ملزمة. وهي ليست كذلك. لو كان رأي قدّيس في مسألة متنازع عليها يحمل قوّة العقيدة لمجرّد أنّه قدّيس، لما احتاجت الكنيسة إلى مجامع مسكونية قطّ. علّم القدّيس غريغوريوس النيصصي الأبوكاتاستاسيس. كان أقدس منّا جميعًا، ومع ذلك لا يُلزَم أيّ مسيحي أرثوذكسي باتّباعه في هذا الخطأ، وقد أدانته الكنيسة رسميًّا. المبدأ بسيط: نتّبع إجماع الآباء (انظر الملحق أ: عن إجماع الآباء)، لا الرأي المعزول لأيّ قدّيس فرد مهما بلغت قداسته. حين يناقض قدّيس واحد الشهادة الإجماعية لكلّ قدّيس آخر عالج المسألة ذاتها، نتّبع الإجماع لا الاستثناء. كلّ شهيد جديد مُكرَّم عالج إعلان 1927 مباشرةً أدانه. الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف والشيخ يوحنّا كريستيانكين والقدّيس لوقا القرمي دافعوا عنه. الإجماع كلّه ضدّهم. نكرمهم. لا نتّبعهم حيث أخطأوا. أن نفعل خلاف ذلك يعني أن نجعل القداسة بديلًا عن الحقيقة. القدّيسون أنفسهم سيرفضون هذا. الإطار الآبائي: كيف يمكن للقدّيسين أن يُخطئوا القدّيسون يرثون الخطأ من معلّميهم سُئل القدّيس برصنوفيوس الكبير (القرن السادس) مباشرةً: «لماذا يُخطئ القدّيسون أحيانًا في فهم بعض المسائل ويناقضون بعضهم البعض؟» فأجاب: القدّيسون، إذ صاروا معلّمين... تلقّوا دعمًا من الأعالي وعرضوا تعليمًا جديدًا، لكنّهم في الوقت ذاته حفظوا ما أخذوه من معلّميهم السابقين، أي التعليم الخاطئ... واختلطت آراء معلّميهم بتعليمهم الخاصّ، وكان هؤلاء القدّيسون يقولون أحيانًا ما تعلّموه من معلّميهم وأحيانًا الخير الذي أُلهموه من عقولهم... ولم يصلّوا إلى الله ليكشف لهم ما إذا كان ما علّمهم إيّاه معلّموهم من الروح القدس... ولهذا اختلطت آراء معلّميهم بتعليمهم الخاصّ. — القدّيس برصنوفيوس الكبير، Sts. Barsanuphius and John: Questions and Answers (القدّيسان برصنوفيوس ويوحنّا: أسئلة وأجوبة) يمكن للقدّيسين أن يرثوا تعاليم خاطئة من مرشديهم. القدّيسون لا يسألون الله دائمًا عن كلّ موقف يتبنّونه. ليس كلّ ما يقوله قدّيس يحمل تصديقًا إلهيًّا. نكرم القدّيسين الذين أخطأوا لكن لا نتّبع أخطاءهم عالج القدّيس فوتيوس الكبير (بطريرك القسطنطينية) هذا مباشرةً حين حاول اللاهوتيون اللاتين استخدام أخطاء الآباء الغربيين ضدّ الكنيسة: أليس قد وُجدت ظروف معقّدة أجبرت كثيرًا من الآباء أحيانًا على التعبير بشكل غير دقيق، وأحيانًا على الكلام تكيّفًا مع الظروف تحت هجمات الأعداء، وأحيانًا بسبب جهل بشري كانوا هم أيضًا عُرضة له؟... وإن تكلّم بعضهم بشكل غير دقيق، أو لسبب لا نعرفه انحرفوا عن الطريق المستقيم، ولم يُطرح عليهم سؤال ولم يتحدَّهم أحد ليتعلّموا الحقيقة: نقبلهم في قائمة الآباء كما لو لم يقولوا ذلك، بسبب استقامة حياتهم وفضيلتهم المتميّزة وإيمانهم الخالي من العيب في سائر الأمور. لكنّنا لا نتّبع تعليمهم حيث حادوا عن طريق الحقيقة... ونحن، إذ نعلم أنّ بعض آبائنا ومعلّمينا القدّيسين ضلّوا عن إيمان العقائد الصحيحة، لا نأخذ عقيدةً تلك المواضع التي ضلّوا فيها، لكنّنا نحتضن الرجال. — القدّيس فوتيوس الكبير، رسالة إلى بطريرك أكويلايا القدّيس مرقس الأفسسي، حين ضغط عليه اللاهوتيون اللاتين في مجمع فلورنسا الذين جادلوا بأنّ الآباء الذين أخطأوا يجب «طردهم مع الهراطقة»، أعطى الجواب الأرثوذكسي: يمكن للمرء أن يكون معلّمًا ومع ذلك لا يقول كلّ شيء بدقّة مطلقة، فأيّ حاجة كانت للآباء إذًا إلى مجامع مسكونية؟ — القدّيس مرقس الأفسسي، العظة الثانية حول نار المطهر في ذلك المجمع نفسه، استشهد القدّيس مرقس بالطوباوي أوغسطينوس ذاته في هذا المبدأ: لا ينبغي لنا أن نعتبر حكم إنسان، حتى لو كان هذا الإنسان أرثوذكسيًّا ذا سمعة رفيعة، بمنزلة الأسفار القانونية من حيث المرجعية، إلى حدّ اعتبار أنّه غير مقبول لنا، بسبب التوقير الذي ندين به لهؤلاء الرجال، أن نستهجن ونرفض شيئًا في كتاباتهم إن صادف واكتشفنا أنّهم علّموا خلاف الحقيقة التي، بعون الله، بلغها آخرون أو بلغناها نحن. هكذا أنا تجاه كتابات الرجال الآخرين، وأرغب أن يتصرّف القارئ هكذا تجاه كتاباتي أيضًا. — الطوباوي أوغسطينوس أسقف هيبو (نقلًا عن القدّيس مرقس الأفسسي في مجمع فلورنسا) لهذا يهمّ إجماع الآباء. كما يشرح الملحق أ: عن إجماع الآباء، حين يعلّم قدّيسون عبر القرون والقارّات، كلّ منهم بلغ الثيوريا مستقلًّا، الأمر ذاته في مسألة إيمانية، فالروح القدس يتكلّم من خلالهم جماعيًّا. اتّفاقهم ينقّي الخطأ الفردي ويؤكّد ما تسلّمته الكنيسة من الرسل. يمكن أن يخطئ القدّيسون أفرادًا؛ لكنّ الشهادة الجماعية (إجماع الآباء) تصحّحهم. التطبيق: قدّيسو بطريركية موسكو والشهداء الجدد حين أخطأ الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف في السرجيانية، فإنّ إجماع الشهداء الجدد الذين عالجوا إعلان 1927 مباشرةً، وكلّ واحد منهم أدانه بلا استثناء، يصحّحه. نتّبع الإجماع لا الخطأ المعزول. عالج الأب سيرافيم روز هذا السؤال بعينه في دراسته لعلاقة الطوباوي أوغسطينوس بالقدّيس يوحنّا كاسيان: الأمر المهمّ الذي يجب مراعاته هنا هو أنّ الخلاف بين كاسيان وأوغسطينوس لم يكن بين أب أرثوذكسي وهرطوقي (كما كان مثلًا الخلاف بين أوغسطينوس وبيلاجيوس)، بل بين أبوين أرثوذكسيين اختلفا فقط في تفاصيل عرضهما لعقيدة واحدة. كلاهما، القدّيس كاسيان والطوباوي أوغسطينوس، كانا يحاولان تعليم العقيدة الأرثوذكسية عن النعمة والإرادة الحرّة ضدّ هرطقة بيلاجيوس؛ لكنّ أحدهما فعل ذلك بكامل عمق التقليد اللاهوتي الشرقي، بينما انقاد الآخر إلى تشويه معيّن لهذا التعليم ذاته بسبب مقاربته المنطقية المفرطة. — الأب سيرافيم روز، "The Place of Blessed Augustine in the Orthodox Church" (مكانة الطوباوي أوغسطينوس في الكنيسة الأرثوذكسية)، The Orthodox Word، المجلّد 14، العدد 2 (آذار–نيسان 1978)، ص. 70 الكاهن الشهيد دانييل والشهداء الجدد كانوا كلاهما يحاربون الإلحاد السوفيتي. كلاهما كانا أرثوذكسيَّين. لكنّ الشهداء الجدد شهدوا «بكامل عمق» مَن واجهوا الوضع مباشرة. سيسوييف «انقاد إلى تشويه معيّن» بسبب إطاره المؤسّسي الموروث. في كلتا الحالتين، الخلاف لا يجعل أيًّا من الطرفين هرطوقيًّا. كلاهما يبقى شاهدًا أرثوذكسيًّا. ليكن معلومًا أنّ حتى الرسل أخطأوا. أنكر القدّيس بطرس المسيح ثلاث مرّات. وكان بين بولس وبرنابا «مشاجرة حادّة» بشأن يوحنّا مرقس (أعمال 15: 39). القداسة تعني التخصيص لله، التقديس بالنعمة. لا تعني العصمة الفكرية أو الكمال اللاهوتي. أن يكون المرء قدّيسًا يعني أن يكون قد بلغ التألّه، وأن يملك محبّة حقيقية للمسيح أظهرتها حياته، وأن يتمسّك بالعقائد الجوهرية للإيمان تمسّكًا صحيحًا. لا يُضمن للقدّيسين أن يفهموا كلّ وضع تاريخي بشكل صحيح، أو أن يملكوا حكمًا سياسيًّا كاملًا، أو أن يكونوا محصّنين من الضغوط المؤسّسية. بعد إرساء هذا الإطار، لنفحص الحالات المحدّدة. الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف في كتاباته، جادل سيسوييف بأنّ إعلان المتروبوليت سرجيوس كان مشروعًا قانونيًّا، وأدان الكنيسة السرّيّة بوصفها منشقّة، وكتب مطوّلًا ضدّ ROCOR متّهمًا إيّاهم بالانشقاق والهرطقة. لكنّه لم يكن سوى في الرابعة والعشرين من عمره ولا يزال شمّاسًا حين كتب عمله الأكثر جدليّة عام 1998، وقد تكوّن في تسعينيات القرن العشرين في موسكو حيث كانت كتابات الشهداء الجدد غير متاحة إلى حدّ كبير. لم تُكرِّم بطريركية موسكو الشهداء الجدد حتى عام 2000، أي بعد عامين من مقاله. لم يُستدعَ قطّ أمام مجمع ليُجيب عن موقفه، ولم تُعرض عليه حجج الشهداء الجدد. ومن المحتمل جدًّا أنّه غيّر رأيه. تفصيل لافت يكشف عمق تناقضه المعرفي. تكشف أرملته يوليا في كتاب نيزفيستني دانييل (2012) أنّه بينما كان يعدّ جدله ضدّ ROCOR، كان في الوقت ذاته «مبهورًا» بأعجوبة أيقونة مونتريال المقدّسة الإيفيرونية المنسكبة طيبًا التابعة لـ ROCOR و«يرغب جدًّا في رؤيتها». الأخ خوسيه مونيوز كورتيس، حارس الأيقونة، أُكرِم لاحقًا كقدّيس في ROCOR. اعترف سيسوييف بالنعمة في ROCOR بينما كان يستعدّ لمهاجمتهم بوصفهم خالين من النعمة. مسيرته تروي بقيّة القصّة. بعد وحدة MP-ROCOR عام 2007، سافر سيسوييف شخصيًّا إلى نيويورك مع الشمّاس جورج ماكسيموف للقاء المتروبوليت إيلاريون (كابرال)، مسهّلًا قبول مجموعة انشقاقية في ROCOR. هذا يعني أنّ الرجل الذي وصف ROCOR بأنّها خالية من النعمة عام 1998 كان، بحلول 2009، ينقل الناس فعليًّا إلى حياة ROCOR الأسرارية. لم ينشر تراجعًا رسميًّا؛ أفعاله ذاتها كانت التراجع. ومع ذلك يحذف الانشقاقيون من أتباع التقويم القديم هذه التفاصيل لأنّها تضرّ روايتهم. القدّيس لوقا القرمي أيّد القدّيس لوقا المتروبوليت سرجيوس، وخدم في مجمعه المقدّس بعد مجمع 1943، ووصف المعارضة اليوسيفية صراحةً بأنّها «انشقاق مدمّر». لكن خلافًا لسيسوييف، لم يكتب قطّ دفاعًا لاهوتيًّا عن إعلان 1927 نفسه. لا تذكره سيرته الذاتية. كان دعمه مؤسّسيًّا لا اعتذاريًّا. نقضت حياته السرجيانية ببلاغة أكثر ممّا دافع عنها قلمه. تحمّل إحدى عشرة سنة في السجون السوفيتية، رفض خلع ثوبه الكهنوتي أو أيقونة والدة الإله من غرفة العمليات، أخبر الـ GPU (KGB) أنّه «بالتأكيد لست صديقكم» لأنّهم يضطهدون المسيح، تبرّع بجائزة ستالين كاملة لأيتام الحرب، وكتب لأولاده: «كونوا مستعدّين حتى للاستشهاد، إذ أنتم تبحرون ضدّ التيّار». اختار المنفى والمعاناة والاعتراف، بينما أيّد متروبوليتًا اختار المساومة. كان يفهم أنّ «الكنيسة نفسها لم تصبح عظيمة وقوية بواسطة أتباعها الحصيفين والعقلاء، بل من خلال شهدائها ونسّاكها و"مجانين المسيح" الذين تحدّوا المنطق وكلّ غريزة ورغبة طبيعية». عاش هذا المبدأ. اختار نقيض ما تُعلّمه السرجيانية. الأب سيرافيم روز، الذي يبجّله أتباع التقويم القديم أنفسهم، استشهد بالقدّيس لوقا كشاهد موثوق على الخلق في كتابه Genesis, Creation and Early Man (التكوين والخلق والإنسان الأوّل)، عمله الموسوعي بألف صفحة عن العقيدة الآبائية في الخلق (ص. 809؛ انظر الفصل 14: احتضان التطوّر وتشارلز داروين). لم يتسامح روز مع القدّيس لوقا كشخصية مساومة فحسب؛ بل عامله كصوت لاهوتي موثوق يستحقّ الاستشهاد. اتّباعًا للقدّيس فوتيوس: «نتركهم بين الآباء... لكنّنا لا نتّبع تلك الكلمات حيث أخطأوا». الشيخ يوحنّا كريستيانكين الشيخ يوحنّا كريستيانكين (1910–2006)، أحد أكثر الآباء الروحيين محبّة في أواخر الحقبة السوفيتية وما بعدها، أمضى خمس سنوات في الغولاغ بتهمة «التحريض المعادي للسوفييت»، وهو في لغة الـ NKVD (KGB) يعني أنّ عظاته جذبت إلى الإيمان أكثر ممّا ينبغي. بعد إطلاق سراحه، تحمّل إحدى عشرة سنة من النقل المستمرّ بين ستّ رعايا في ريازان قبل دخوله دير كهوف بسكوف عام 1967، حيث خدم لنحو أربعين عامًا كأحد أكثر المعرّفين المطلوبين في روسيا. في رسائله المجموعة، المنشورة عن دير كهوف بسكوف والمترجمة إلى الإنكليزية بعنوان May God Give You Wisdom! (ليمنحك الله حكمة!)، دافع عن بطريركية موسكو بالإطار الموروث ذاته الذي استخدمه سيسوييف والقدّيس لوقا. وصف الكنيسة السرّيّة بأنّها «منظّمة انشقاقية» «لا يجرؤ حتى على تسميتها كنيسة» ورفض مَن اتّبعوا حركة الكنيسة السرّيّة بعد تيخون بوصفهم «تحوّلوا إلى طائفة». وفي حاشية رسالة إلى أسقف، أوصى بلطف بكتاب عن المتروبوليت سرجيوس (ستراغورودسكي) «لتعزيتك وإلهامك». وفي المسألة العامّة لمساومات بطريركية موسكو، صاغ كريستيانكين الإطار الدقيق الذي تعتمد عليه السرجيانية: أنّ الأخطاء البشرية، «أخطاءك وأخطائي وأخطاء أعضاء المجمع وأخطاء البطريرك»، كلّها أمام حكم الله، وأنّ «ما يبدو للعقل الملتهب خطأً يتبيّن في الوقت الذي يحدّده الله أنّه عمل مقدّس». لكنّ موقف كريستيانكين تجاه ROCOR كان أكثر اعتدالًا من موقف سيسوييف بشكل ملحوظ. قَبِل مناولة ROCOR للروس المقيمين في الخارج وصلّى صراحةً لكي «يهدم الربّ جدار العداوة بيننا وبين الكنيسة في الخارج». يُلحق مترجمو الطبعة الإنكليزية حاشيتين سياقيتين يحذفهما دائمًا جدليّو التقويم القديم الذين يستشهدون به: أنّ أشدّ تصريحات كريستيانكين ضدّ ROCOR كانت استجابة رعائية لوضع شاذّ محدّد هو تأسيس ROCOR ولاية قضائية موازية على الأراضي الروسية في التسعينيات، لا لـ ROCOR عمومًا أو للشهداء الجدد التاريخيين، وأنّه بحلول وقت الطبعة الإنكليزية «فُتح التواصل بين بطريركية موسكو والكنيسة الروسية في الخارج، والشركة الإفخارستية في طريقها إلى الاستعادة». كسيسوييف، مسيرته انحنت نحو الوحدة عام 2007 التي صلّى من أجلها. لكنّ الإطار الأساسي ظلّ سرجيانيًّا. ورث كريستيانكين موقفه من معلّميه بدل أن يبتكره، ولم يتناول كتابات الشهداء الجدد بشروطها الخاصّة. يوضّح تجاور لافت في مراسلاته عمق هذا التناقض المعرفي: الرسالة ذاتها التي يوصي فيها كريستيانكين بكتاب عن سرجيوس يتبعها مباشرة في المجموعة رسالة أخرى بعنوان «الشهداء الجدد»، يمدح فيها هؤلاء القدّيسين أنفسهم بوصفهم معلّمين «نافذين بشكل خاصّ» تعكس «ظروف حياتهم» حربنا الروحية اليوم. الرسالتان متجاورتان في الصفحة لا يفصل بينهما سوى عنوان فرعي. في رسالة لاحقة إلى كاهن آخر، ذهب الشيخ يوحنّا كريستيانكين أبعد، واصفًا الشهداء الجدد بأنّهم «شهادة حيّة على كيفية الوقوف في الحقّ، وكيفية التعامل مع السياسة، وكيف لا ننزلق في الجدالات المعادية لروح المسيحية»، وحاثًّا المراسَل على «أن يستقي المياه الحيّة من هذه الينابيع المقدّسة». بجّل كريستيانكين كلا جانبي المسألة السرجيانية دون أن يبدو أنّه أدرك أنّ كثيرًا من الشهداء الجدد الذين مدحهم قد استُشهدوا تحديدًا لرفضهم مساومة سرجيوس عام 1927. كان أبوه الروحي في طفولته، رئيس الأساقفة سيرافيم (أوستروموف) أسقف أوريول، قد أُكرِم هو نفسه من بطريركية موسكو عام 2000 كأحد الشهداء الجدد الروس: القدّيسون أنفسهم الذين ناقض كريستيانكين لاحقًا موقفهم هم الذين كوّنوه منذ سنّ الثالثة عشرة. وفي عناية إلهية أبلغ من أن تُتجاهل، رقد كريستيانكين في 5 شباط 2006، وهو عيد الشهداء الجدد والمعترفين الروس المقدّسين، كأنّ هؤلاء القدّيسين، «الذين عرف بعضهم شخصيًّا، أظهروا بذلك قرابتهم بهذه النفس الطويلة المعاناة»، كما جاء في مقدّمة الكتاب. استغلال أتباع التقويم القديم الأب سيرافيم روز، الذي يبجّله كثيرون من أتباع التقويم القديم أنفسهم، عالج تحديدًا أسلوبهم في مهاجمة القدّيسين. في دراسته للطوباوي أوغسطينوس، حذّر روز: في أدنى الأحوال، من قلّة الأدب والتطاول أن يتكلّم المرء بازدراء عن أبٍ أحبّته الكنيسة وآباؤها ومجّدوه. «صوابنا»، حتى لو كان «صوابًا» حقًّا بقدر ما نظنّ، لا يمكن أن يكون عذرًا لمثل هذا الازدراء... فليخشَ الذين هم أكثر «صوابًا» منهم في فهمهم أن يفقدوا هذه النعمة بالكبرياء. — الأب سيرافيم روز، "The Place of Blessed Augustine in the Orthodox Church" (مكانة الطوباوي أوغسطينوس في الكنيسة الأرثوذكسية)، The Orthodox Word، المجلّد 14، العدد 2 (آذار–نيسان 1978)، ص. vii يقدّم روز مثالًا ملموسًا: «المحاولة المؤسفة الأخيرة في اليونان لإنكار قداسة القدّيس نكتاريوس البنتابوليسي، صانع العجائب العظيم في قرننا، بدعوى أنّه علّم بشكل خاطئ في بعض النقاط العقائدية». في عام 1975، نشرت رئيسة دير تتبع التقويم القديم اسمها مجدلينا كتابًا يهاجم صانع العجائب العظيم بـ«اتّهامات سخيفة ووضيعة». نشر الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس كتابًا يدحض أوهامها؛ وكانت هذه الحادثة من أسباب استنتاجه أنّ المصالحة مع المتطرّفين من أتباع التقويم القديم مستحيلة. فعلوها بالقدّيس نكتاريوس، ويفعلونها الآن بالكاهن الشهيد دانييل. النمط واحد دائمًا: ابحث عن خطأ، مهما كان طفيفًا، واستخدمه لهدم قدّيس. أتباع التقويم القديم الذين يهاجمون الكاهن الشهيد دانييل متخصّصون في تمزيق رجل استُشهد من أجل المسيح، حوّل انتحاريين، حوّل كثيرًا من المسلمين إلى الأرثوذكسية، ومشى مباشرةً نحو قاتله. يبالغون في أخطائه بدل أن يعذروها. وبهذا يفتقرون إلى التواضع والحكمة اللذين أظهرهما القدّيس فوتيوس حين قال «نحتضن الرجال» مع عدم اتّباع أخطائهم. ثقل الشهادة المباشرة ثمّة نمط في المسألة السرجيانية لا بدّ من بيانه صراحةً: الخطّ الفاصل بين القدّيسين الذين أدانوا إعلان 1927 والقدّيسين الذين دافعوا عنه ليس زمنيًّا، بل مؤسّسي. كلّ قدّيس خارج بطريركية موسكو عارض السرجيانية، سواء عاش في زمن سرجيوس أو بعده بعقود. فقط القدّيسون الذين تكوّنوا داخل بطريركية موسكو دافعوا عنها. كلّ شهيد جديد مُكرَّم عالج استسلام المتروبوليت سرجيوس مباشرةً فعل ذلك كمعاصر، شاهدًا خيانة حرّية الكنيسة في الوقت الحقيقي. القدّيس يوسف البتروغرادي، القدّيس كيرلّس القازاني، القدّيس فيكتور الغلازوفي، القدّيس أندراوس الأوفي: هؤلاء الرجال شاهدوا سرجيوس يتعهّد بولاء الكنيسة للدولة السوفيتية، شاهدوا إخوتهم الأساقفة يُعتقلون لرفضهم الامتثال، فقالوا لا. دفعوا ثمن ذلك منفى واعتقالًا وموتًا. لم تنتهِ المعارضة بجيلهم. استمرّ القدّيسون خارج بطريركية موسكو في إدانة الإعلان بعد عقود. شهد القدّيس يوحنّا الشنغهائي وسان فرنسيسكو (†1966) أنّ إعلان سرجيوس «لم يعد على الكنيسة بأيّ نفع» (انظر الفصل 9: تمجيد السرجيانية وكنيسة الـ KGB). حافظ المتروبوليت فيلاريت رئيس أساقفة ROCOR (†1985) على الانفصال طوال فترته كرئيس أوّل للأساقفة. عارض الأب سيرافيم روز (†1982)، المولود بعد سبع سنوات من الإعلان، السرجيانية من الستّينيات حتى وفاته. عاش هؤلاء الرجال ثلاثين وأربعين وخمسين عامًا بعد 1927، وعارضوا السرجيانية بالحزم ذاته الذي عارضها به الشهداء الجدد الذين شهدوا عليها مباشرة. لم يخفّف مرور الزمن حكمهم، لأنّهم لم يتكوّنوا داخل المؤسّسة التي اعتمدت على الإعلان لوجودها. القدّيسون الذين دافعوا عن السرجيانية جاؤوا من عالم مختلف. كان القدّيس لوقا القرمي معاصرًا لسرجيوس، لكنّ دعمه كان مؤسّسيًّا لا لاهوتيًّا: خدم في مجمع سرجيوس بعد مجمع 1943 دون أن يكتب دفاعًا لاهوتيًّا واحدًا عن الإعلان نفسه. وُلد الشيخ يوحنّا كريستيانكين عام 1910. وُلد الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف عام 1974، بعد جيلين كاملين من الجدال الأصلي، في موسكو التسعينيات حيث كانت كتابات الشهداء الجدد غير متاحة إلى حدّ كبير وقد تلاشت الكنيسة السرّيّة إلى أسطورة. لم يشهد أيّ منهم كيف بدا استسلام سرجيوس في وقته الحقيقي؛ ورثوا المؤسّسة التي نشأت منه. ليس هذا فريدًا بالكنيسة، بل هو ببساطة نمط بشري كوني: الجيل الذي يشاهد نظامًا يستولي على السلطة يقاومه، والجيل المولود في ظلّ ذلك النظام يقبله كالعالم الوحيد الذي عرفه. الروس الذين تذكّروا الحياة قبل 1917 لم يكفّوا قطّ عن الحزن على ما فُقد. أحفادهم، الذين تربّوا على الكتب المدرسية والأعياد السوفيتية، لم يستطيعوا تخيّل شيء آخر. سار الإطار السرجياني لبطريركية موسكو في المسار ذاته: الأساقفة الذين شهدوا 1927 أدركوا أنّه استسلام؛ الكهنة المولودون بعد عقود قبلوا المؤسّسة المساوَمة ببساطة بوصفها «الكنيسة». بحلول وقت تكوين كريستيانكين لآرائه، لم يكن الإعلان جدلًا حيًّا بل تاريخًا محسومًا. وبحلول وقت كتابة سيسوييف، لم تكن الكنيسة السرّيّة شاهدًا منافسًا بل أسطورة تتلاشى. هذا بالضبط ما حذّر منه القدّيس برصنوفيوس الكبير (المُستشهَد أعلاه): يمكن للقدّيسين أن يرثوا تعاليم من مرشديهم دون أن يسألوا الله عمّا إذا كانت صحيحة. «اختلطت آراء معلّميهم بتعليمهم الخاصّ». دفاع قدّيسي بطريركية موسكو عن السرجيانية كان موروثًا لا مُتحقَّقًا منه باستقلال. قبلوا ما تعلّموه، كأيّ شخص نشأ في بيت لم يتساءل قطّ عن الأساس لأنّه لم يشهد وضعه. سيسوييف، كريستيانكين، القدّيس لوقا: كلّ واحد منهم يحمل الموقف ذاته من السرجيانية. لا أحد منهم يخالف. لا أحد منهم يساءل الإعلان بشروطه الخاصّة. في المقابل، لم يؤكّد صوت واحد خارج الفلك السوفيتي أنّ تعهّد ولاء الكنيسة لدولة إلحادية كان مقبولًا لاهوتيًّا. حين يصل كلّ عضو في مؤسّسة واحدة إلى الاستنتاج ذاته في مسألة تخصّ شرعية تلك المؤسّسة مباشرة، ولا يوافقه أحد خارجها، فنحن لا نشهد إجماع الآباء، بل نشهد صوت مؤسّسة يتكلّم عبر الرجال الذين كوّنتهم. امتصّ هؤلاء الرجال المقدّسون موقفهم من بيئتهم الروحية. أيّ منّا، لو نشأ في البيئة ذاتها، كان على الأرجح سيحمل الآراء ذاتها. نحن نملك ميزة المسافة؛ هم لم يملكوها. حتى القدّيس يوحنّا الشنغهائي ضلّ مؤقّتًا. عام 1945، حين أدّى الضغط السوفيتي ما بعد الحرب إلى خضوع كلّ أسقف روسي في الصين تقريبًا، ذكر القدّيس يوحنّا البطريرك ألكسي الموسكوفي لفترة وجيزة. توقّف فور تلقّيه خبر أنّ مجمع ROCOR لا يزال يعمل، وكان الأسقف الوحيد في الصين الذي فعل ذلك. لاحقًا، أدان السرجيانية بلا لبس: الإعلان «لم يعد على الكنيسة بأيّ نفع»، والهرمية التي أدارته كانت لا تتمايز عن الحكومة السوفيتية ذاتها (انظر الفصل 9: تمجيد السرجيانية وكنيسة الـ KGB). تكشف مسيرة القدّيس يوحنّا كلا الجانبين. أتباع التقويم القديم الذين يهاجمون قداسة الكاهن الشهيد دانييل والشيخ كريستيانكين يقبلون تمامًا قداسة القدّيس يوحنّا. لا يقولون: «القدّيس يوحنّا ذكر البطريرك ألكسي عام 1945، إذًا لا يمكن أن يكون مقدّسًا». يعترفون بأنّ القدّيس يمكن أن يضلّ مؤقّتًا ويبقى قدّيسًا. فلماذا يرفضون الاعتراف ذاته لقدّيسي بطريركية موسكو؟ ظروف القدّيس يوحنّا سمحت له بإعادة النظر؛ ظروفهم لم تسمح. ذلك ليس فرقًا في القداسة. وأمّا الذين يحتجّون بتأييد قدّيسي بطريركية موسكو للسرجيانية كحجّة: القدّيس يوحنّا الشنغهائي روسي أصيل، وُلد في أداموفكا في محافظة خاركوف. عاش الثورة، فرّ من البلاشفة، وأمضى حياته في المنفى. ليس أجنبيًّا أساء فهم الظروف الروسية. منذ الوحدة عام 2007، هو قدّيسكم أيضًا، مُكرَّم في كنائسكم، يستحيل أن يُرفض كجدلي مهاجر أو متطرّف تقويم قديم. شهادته قويّة تحديدًا لأنّه حمل الموقف المعاكس يومًا ثمّ رفضه. كان عليه أن يتغلّب على التزامه السابق. كان رفضه مبنيًّا على المعرفة. أُتيح للقدّيس يوحنّا أن يكون خارج الاتّحاد السوفيتي، حيث استطاع سماع كلا الطرفين بحرّية. سمع كلا الطرفين. أعاد النظر. ووصل إلى الاستنتاج ذاته الذي وصل إليه كلّ صوت أرثوذكسي آخر خارج الفلك السوفيتي. إن كنتم تكرمون هذا القدّيس الروسي الحرّ من الضغط السوفيتي، أليس تغيير رأيه جديرًا بالتأمّل؟ كلا الجمهورين يعرفان المبدأ. يعجزان ببساطة عن تطبيقه باتّساق. إن كان ضلال القدّيس يوحنّا المؤقّت لا ينقض قداسته، فكذلك ضلال سيسوييف أو كريستيانكين. وإن كان ضلال القدّيس يوحنّا المؤقّت لا يثبت أنّ السرجيانية مقبولة، فكذلك ضلالهما. فهم الأب سيرافيم روز نفسه هذا الديناميك. حين هاجمه رجال دين يونانيون في ROCOR لنشره مادّة عن الشيخ تاڤريون، عضو الكنيسة السرّيّة الذي انضمّ إلى بطريركية موسكو لخدمة المؤمنين المشتّتين، دافع روز عن الموقفين معًا. أكّد أنّ ROCOR محقّة في عدم المناولة مع الكنيسة السوفيتية، لكنّه أكّد أيضًا أنّ حياة أرثوذكسية أصيلة كانت موجودة داخلها: «كنيستنا الروسية خارج روسيا لم تعلّم قطّ» أنّ الكنيسة السوفيتية خالية من النعمة، كتب؛ «هذا رأي أُدخل إليكم من بعض المهتدين الذين يظنّون رأيهم أعلى من أساقفتنا». أرسل المتروبوليت فيلاريت رئيس أساقفة ROCOR شخصيًّا مادّة تاڤريون إلى روز لنشرها، واصفًا تاڤريون بأنّه «شيخ حكيم وتقيّ» «انتمى أوّلًا إلى الكنيسة السرّيّة» لكنّه «انضمّ إلى الكنيسة الرسمية» حين رأى «كيف كان الشعب المؤمن مشتّتًا كخراف بلا راعٍ». يُنير مثال تاڤريون الدقّة التي يغفلها كلا الطرفين المتطرّفين. كان قدّيسو بطريركية موسكو رجالًا مقدّسين حقًّا يعيشون حياة أرثوذكسية أصيلة داخل مؤسّسة مساوَمة. قداستهم ليست موضع تساؤل. لكنّ قبولهم للمساومة التأسيسية لتلك المؤسّسة لا يحمل ثقل الشهادة المباشرة للقدّيسين الذين شهدوا المساومة تتمّ ورفضوها. مجموعة رأت الخيانة. والأخرى نشأت في أعقابها. هذا هو المبدأ الذي يحكم قراءتنا لهؤلاء القدّيسين: نتّبع الإجماع الذي يعبر الحدود المؤسّسية. حين يجيب كلّ قدّيس عالج المسألة من خارج مؤسّسة واحدة بالجواب ذاته، حين يدين قدّيسو الكنيسة السرّيّة وقدّيسو ROCOR والعالم الأرثوذكسي الأوسع جميعهم السرجيانية، والأصوات المعارضة الوحيدة هي تلك التي تكوّنت داخل المؤسّسة التي اعتمدت على الإعلان لوجودها القانوني، فالإجماع ليس ملتبسًا. نتّبع الشهود الذين لم يكن لديهم ما يكسبونه من موقفهم. لماذا تختلف هذه الأخطاء عن نمط كيريل سيعترض البعض: «إن كان الكاهن الشهيد دانييل دافع عن السرجيانية، فلماذا تلوم كيريل على تبجيل سرجيوس لكنّك تتغاضى عن الشهيد الذي حمل موقفًا مشابهًا؟» مسيرة القدّيس يوحنّا تجيب عن هذا. غيّر رأيه حين تلقّى معلومات من خارج الفلك السوفيتي. تلقّى البطريرك كيريل أكثر بكثير: تمجيد الشهداء الجدد عام 2000، الوحدة مع ROCOR عام 2007، كتابات كلّ قدّيس أدان الإعلان المنشورة. لم يتغيّر. بل تصلّب. الفرق يكمن في طبيعة الخطأ والموقف من التصحيح. التمييز الأعمق هو بين ارتكاب خطأ والعناد. آمن الكاهن الشهيد دانييل بأنّ اليوسيفيين كانوا منشقّين. كان مخطئًا. لكنّه حمل هذا الاعتقاد بضمير صالح، إذ ورثه من معلّميه، وعاش حياة أرثوذكسية من الصلاة والصوم والغيرة الرسولية والاستشهاد في النهاية. خطؤه لم ينبع من تمرّد على الكنيسة بل من الوثوق بالمعلّمين الخطأ في مسألة لم يفحصها بعمق قطّ. حتى القدّيس كيرلّس القازاني، أحد أبرز الشهداء الجدد الذين أدانوا سرجيوس، أتاح هذا التمييز حين خاطب سرجيوس مباشرةً عام 1933: أجد نفسي مضطرًّا إلى هذا، مخاطبًا إيّاك أنت الذي تؤكّد نفسك بوقاحة رئيسَ أساقفة البلاد، ربّما عن ضلال صادق، وفي كلّ حال بالتسامح الصامت من جزء من الإخوة الأساقفة، الذين يشتركون معك الآن في الذنب بانتهاك النظام القانوني الحسن للكنيسة الأرثوذكسية الروسية. — القدّيس كيرلّس القازاني، رسالة إلى المتروبوليت سرجيوس (15/28 تمّوز 1933)، نُشرت في The Orthodox Word، المجلّد 13، العدد 4 (تمّوز–آب 1977)، ص. 185 إن كان الشهيد الجديد المُكرَّم الذي وصف سرجيوس بالمغتصب قادرًا على منحه هذا التفسير الخيّر (على الأقلّ قبل نقطة معيّنة)، فكم بالأحرى ينبغي لنا أن نمنحه للكاهن الشهيد دانييل، الذي ورث موقفه من معلّمين بدل أن يبتكره؟ قارن هذا بالبطريرك كيريل. يروّج بنشاط للسرجيانية كسياسة كنسية رسمية. يبجّل سرجيوس سنويًّا بوصفه «معترفًا». يرفض صراحةً الشهداء الجدد المُكرَّمين بوصفهم أناسًا «راقبوا من بعيد، في ظروف أمان شخصي كامل» ونشروا «اتّهامات كاذبة». حين يُواجَه بشهادة القدّيس يوسف البتروغرادي، القدّيس أندراوس الأوفي، القدّيس كيرلّس القازاني، القدّيس فيكتور الغلازوفي، والقدّيس يوحنّا الشنغهائي، لا يعيد كيريل النظر. بل يرفضهم. كما يوثّق الفصل 9: تمجيد السرجيانية وكنيسة الـ KGB، شهد القدّيس يوحنّا الشنغهائي أنّ إعلان سرجيوس «لم يعد على الكنيسة بأيّ نفع» وأنّ الهرمية التي أدارته كانت لا تتمايز عن الحكومة السوفيتية ذاتها. يسمّي كيريل مهندس تلك الهرمية «معترفًا». القدّيسون المُكرَّمون يسمّونه استسلامًا. تمرّد فاعل على إجماع القدّيسين المُكرَّمين، لا خطأ موروث محمول بضمير صالح. الجدول الزمني يزيد التباين حدّة. كتب سيسوييف جدله عام 1998، قبل تمجيد عام 2000، قبل وحدة عام 2007. يتكلّم كيريل بعد كليهما، مع وصول كامل إلى كتابات كلّ شهيد جديد مُكرَّم. هؤلاء قدّيسون ممجَّدون في كنيسته هو. ولا يزال يرفضهم. وحيث مسيرة سيسوييف تحرّكت نحو المصالحة، إذ سافر شخصيًّا إلى نيويورك لإدخال أشخاص في ROCOR، تتحرّك مسيرة كيريل في الاتّجاه المعاكس: من المساومة المسكونية إلى لاهوت الحرب، من «الحوار» إلى مباركة الصواريخ. أخطاء سيسوييف لانت مع الزمن. أخطاء كيريل تصلّبت. الأوّل حنطة مختلطة بالتبن. والآخر زوان. الخلاصة نستطيع أن نؤمن بأنّ الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف كان مقدّسًا ومخطئًا بشأن السرجيانية. نستطيع أن نؤمن بأنّ الشيخ يوحنّا كريستيانكين كان مقدّسًا ومخطئًا بشأن السرجيانية. نستطيع أن نؤمن بأنّ القدّيس لوقا القرمي كان مقدّسًا ومخطئًا بشأن السرجيانية. نستطيع أن نكرم آلامهم ونتعلّم من فضائلهم دون أن نتّبعهم حيث أخطأوا. هذا هو الطريق الأرثوذكسي. نأخذ الحنطة. نترك التبن. ونتذكّر أنّ «لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية» (2 كورنثوس 4: 7). اتّبعوا شجاعة سيسوييف الرسولية. اتّبعوا صبر كريستيانكين في الغولاغ وأربعين سنة من الرعاية الرعوية. اتّبعوا ثبات القدّيس لوقا تحت الاضطهاد. ارفضوا الموقف السرجياني. أكرموا اعترافاتهم. ثقوا بإجماع الشهداء الجدد الذين ناقضوهم. لا تمزّقوا رجالًا مقدّسين بسبب بضعة أخطاء وتحكموا بأنّهم خالون من النعمة أو تشكّكوا في قداستهم، كما يعلّمنا الأب سيرافيم روز. أيّها الكاهن الشهيد دانييل سيسوييف، أيّها الشيخ يوحنّا كريستيانكين، أيّها القدّيس لوقا رئيس أساقفة القرم، صلّوا إلى الله من أجلنا.