الفصل 30: النقد الصحيح ليس جسرًا إلى الانشقاق يمكن تسليح الحقيقة. كلّ ما وُثّق في هذا الكتاب عن هرطقات البطريرك كيريل حقيقي، ومسكونيّته موثّقة، والتقليد القانوني يستوجب ردًّا. لكن لسوء الحظّ، ستحاول مجموعتان بالتحديد استخدام هذه الأدلّة لا للدفاع عن الإيمان، بل للتجنيد لصالح انشقاقاتهما الخاصّة: «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» المنشقّة (OCU)، وبالتبعية البطريرك برثلماوس القسطنطيني الذي منحها بصورة غير قانونية صكّ الاستقلال الذاتي (توموس). هذا الفارق الدقيق بالغ الأهمّية، وقد عُرض تفصيلًا في الفصل 28: فهم الكنائس الأوكرانية. مجموعات «التقويم القديم» المنشقّة، مثل «المسيحيّين الأرثوذكسيّين الحقيقيّين» (GOC) و«الأرثوذكسيّين الحقيقيّين» (TOC) والطوائف العديدة الأخرى التي انفصلت عن الكنيسة الأرثوذكسية القانونية بسبب تغييرات التقويم في القرن العشرين. يستبق هذا الفصل كلتا المجموعتين ويواجههما. في الرياء لم تُعلّم الكنيسة قطّ أنّ الهرطقة في مكان تُبيح الانشقاق في مكان آخر. فكلتا المجموعتين، «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» وأتباع «التقويم القديم»، إذ يركّزون على القذى في عيون الآخرين، اختاروا تجاهل الخشبة في عيونهم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأمّا الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أُخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك؟ يا مرائي، أخرج أوّلًا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيّدًا أن تُخرج القذى من عين أخيك. — متّى 7:3-5 حدّد القدّيس بايسيوس هذين الخطرين بالضبط: جانبان متعارضان [تطرّفان] يعذّبان الكنيسة الأمّ دائمًا، وكذلك مؤيّدوهما، لأنّ الجانبين عادةً ما يطعنان بعضهما البعض في الظهر... بعبارة أخرى، كأنّ أحد التطرّفين يُديمه ممسوسٌ وقح روحيًّا (محتقر لكلّ شيء)، بينما يُديم التطرّف الآخر مجنونٌ ذو غيرة طفوليّة مع ضيق أفق. — القدّيس بايسيوس الآثوسي، الرسائل (Epistles)، ص. 156 «الوقحون روحيًّا» هم «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا»، أمّا «الغيرة الطفوليّة وضيق الأفق» فيتجسّدان أفضل تجسيد في أتباع «التقويم القديم» المنشقّين. الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية تُظهر الطريق الصحيح في تجنّب هذين الخطرين: فهي تعارض البطريرك كيريل وأوقفت ذكره، دون أن تنضمّ إلى «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» المنشقّة. وهذا يبرهن أنّه يمكن رفض الهرطقة ومحاربتها دون الانشقاق عن الكنيسة القانونية. في كثير من الأحيان، حين يدافع مؤيّدو البطريرك كيريل عنه، لا يفعلون ذلك بالردّ على المنتقدين الأرثوذكسيّين القانونيّين، بل بلفت الانتباه إلى هؤلاء المنشقّين. وهكذا لا يفعل هؤلاء المنشقّون شيئًا سوى تمكين البطريرك كيريل من الإفلات من التوبيخ، فلا يُكسب شيء ممّا يشيرون إليه، بل يُحشر كلّ من يطرح هذه النقاط المشروعة ضدّ كيريل خطأً مع هؤلاء المنشقّين. خطأ الذين يدعمون «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» الدكتورة فاسّا لارين الدكتورة فاسّا لارين شخصية بارزة في «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» المنشقّة. اكتسبت شهرتها من كونها سابقًا راهبة في كنيسة المهجر الروسية (ROCOR)، ومن برنامجها «قهوة مع الأخت فاسّا» حيث أدلت بتصريحات إشكالية عديدة. تلقّت الدكتورة فاسّا تكوينها اللاهوتي في المعهد الحبري الشرقي في روما تحت إشراف الأرشمندريت اليسوعي روبرت تافت، الذي موّل دراستها. لماذا هذا مهمّ؟ أسّس المعهد الحبري الشرقي عام 1917 البابا بندكتس الخامس عشر، وأوكله عام 1922 البابا بيوس الحادي عشر إلى الرهبنة اليسوعية، وهي الرهبنة نفسها التي أنشأت الأونيا وقادتها منذ القرن السادس عشر. هذه هي المؤسّسة التي شكّلت رؤية الدكتورة فاسّا اللاهوتية. هذه الرؤية اليسوعية ذاتها تتجلّى في مواقف الدكتورة فاسّا لارين المسكونية العديدة ونشاطاتها، بما في ذلك لقاء البابا فرنسيس، والاعتراف به أسقفًا قانونيًّا بتقبيل يده وبالتالي تلقّي «بركته». (قدّيسونا لا يسمحون لنا بلقاء البابا أو تقبيله أو تلقّي بركته، كما هو مبيَّن في الفصل 1: الاعتراف بالبابا) لكنّ هذا ليس سوى المظهر الأكثر وضوحًا. فالمشكلات اللاهوتية مع الدكتورة فاسّا كثيرة. وصفت إكليزيولوجيا القدّيس كبريانوس بـ«العبثية» ورفضت التعليم الأرثوذكسي التقليدي حول حدود الكنيسة واصفةً إيّاه بـ«غير النزيه». وصفت القوانين المقدّسة بـ«القيود». نصحت أمًّا بقبول مثليّة ابنها باعتبارها «هبة من الله وصليبًا» بدلًا من طلب التوبة والشفاء. رفضت التقليد الأرثوذكسي في التمييز عن المغايرين للإيمان واصفةً إيّاه بـ«المقزّز»، ووصفت منطق كلّ من التيبيكون السلافي وكتاب الديداخي من القرن الأوّل بـ«التعصّب»، زاعمةً أنّه يتعارض مع «التعدّدية الثقافية» و«الحوار المسكوني». وهي تتجوّل علنًا بدون ثوبها الرهباني، ولا ترتديه إلّا حين يخدم أغراضها، معلنةً: «لا أستشير أسقفًا عبر المحيط في ذلك، لأنّني لست معاقة عقليًّا». وهكذا تحطّ الدكتورة فاسّا لارين من شأن الطاعة الرهبانية وتجعلها علامة إعاقة عقلية، وهي إهانة بالغة للرهبان وللمعاقين عقليًّا على حدّ سواء. رغم كلّ ذلك، تصوّر الأخت فاسّا نفسها الآن صوتًا شجاعًا ضدّ لاهوت الحرب عند البطريرك كيريل. غير أنّها في عام 2022 طرحت هي نفسها السؤال: لماذا البقاء في كنيسة المهجر الروسية رغم شركتها مع كيريل؟ وكان جوابها آنذاك: «لأنّني أحبّ كنيستي». بعبارة أخرى، لم يكن ثمّة قلق بشأن كيريل أو الحرب حينها. فقط بعد أن وبّختها كنيسة المهجر الروسية اكتشفت فجأة أنّ البطريرك كيريل لا يُطاق وأنّ الحرب شرّ. في مقالتها عام 2024، تبني لارين حجّة آبائية بأنّ لاهوت كيريل حول «العالم الروسي» يشكّل هرطقة مكرَّزة علنًا تستوجب وقف الذكر وفقًا للقوانين. بالطبع، حتّى الساعة المعطّلة تصيب مرّتين في اليوم، وهكذا فإنّ الدكتورة فاسّا محقّة تمامًا في الإشارة إلى هذه القوانين وشهادة القدّيسين، رغم كونها منشقّة. غير أنّها تُبطل حجّتها بكونها سبق ووصفت قوانيننا المقدّسة بـ«القيود»، وبكونها تنتقد البطريرك كيريل بينما هي نفسها مقيمة ضمن «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» المنشقّة. ترفض تقليدنا المقدّس وقوانيننا المقدّسة حين لا يناسبانها، ولا تحتضنهما إلّا حين يخدمان روايتها. يستفيد مؤيّدو البطريرك كيريل كثيرًا من كون مسكونيّين مثل الأخت فاسّا يطرحون هذه الحجج. فحين تستشهد الأخت فاسّا بالقوانين، تُسهّل على أيّ شخص يرغب في الاحتكام إلى قوانيننا المقدّسة أن يُصرف بوصفه «متواطئًا» مع الفكر الانشقاقي. بالطبع هذا اتّهام فاجر، لأنّ قدّيسينا احتكموا إلى قوانيننا المقدّسة. ومع ذلك، فإنّ هؤلاء الأشخاص، في وقوفهم ضدّ البطريرك كيريل، يضرّون أكثر ممّا ينفعون دون أن يعالجوا لاقانونيّتهم هم أنفسهم. الأرشمندريت كيريل هوفورون لاهوتي أوكراني خدم سابقًا في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية، يحدّد الأرشمندريت كيريل هوفورون في عمله الأكاديمي بصواب مشكلات في لاهوت الحرب عند كيريل، وكثير من عمله يؤكّد الحجج المطروحة في هذا الكتاب. لكنّه لسوء الحظّ، شأنه شأن لارين، مسكونيّ فرّ إلى الانشقاق. خدم مديرًا مؤقّتًا لمعهد هافنغتون المسكوني، مروّجًا لـ«وحدة الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية». شارك في خدمة القدّاس مع منشقّي «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا» مرّات عديدة منذ 2018 وكان مرشّحًا لعرش رئاستها. في عام 2023، أوقفه كيريل ثمّ جرّده من الكهنوت بسبب «انتهاكات متكرّرة» عبر المشاركة في القدّاس مع إكليروس البطريركية المسكونية التي قطعت موسكو الشركة معها؛ وهو الآن تحت القسطنطينية، رغم أنّ تجريده الصحيح من الكهنوت يعني أنّ القسطنطينية لا تملك أيّ وضع قانوني لقبوله (انظر الفصل 28: فهم الكنائس الأوكرانية). كما زعم أنّ فيروس كورونا «يمكن أن ينتقل عبر جسد المسيح الإفخارستي». رجلٌ يُعلّم أنّه يمكن التقاط المرض من جسد المسيح ودمه يملك بوصلة لاهوتية مكسورة. رجلٌ يتناول مع المنشقّين لا يستطيع أن يدين بمصداقية إكليزيولوجيا رجل آخر. خطأ أتباع التقويم القديم أتباع التقويم القديم هم مجموعات انفصلت عن الكنيسة الأرثوذكسية القانونية في القرن العشرين، أساسًا بسبب اعتماد التقويم اليولياني المعدّل (التقويم الجديد) من قِبل عدّة كنائس محلّية في عشرينيّات القرن العشرين. يشملون «المسيحيّين الأرثوذكسيّين الحقيقيّين» (GOC) في اليونان، و«الأرثوذكسيّين الحقيقيّين» (TOC) في روسيا، وطوائف أصغر كثيرة. وقد أعلن كثيرون منهم أنّ الكنيسة الأرثوذكسية القانونية «مجرّدة من النعمة» وأقاموا تسلسلات هرمية موازية مدّعين أنّهم الكنيسة الحقيقية الوحيدة. قلّ شيء أضرّ بمكافحة المسكونية في الكنيسة الأرثوذكسية أكثر من أتباع التقويم القديم المنشقّين. حجم الضرر الذي ألحقوه بالغ الخطورة لدرجة أنّ أيّ شخص يتحدّث حتّى عن القوانين المقدّسة يُعتبر فورًا «متطرّفًا من أتباع التقويم القديم». وهكذا لا يُكسب أيّ نفع مطلقًا من كلامهم ضدّ الهرطقة، بل ضرر فحسب. هل كلّ من يحتكم إلى قوانيننا المقدّسة «منشقّ»؟ بالطبع لا. فالشهداء الجدد الروس الذين رفضوا سرجيوس لم يكونوا من أتباع التقويم القديم. والقدّيس بايسيوس لم يكن من أتباع التقويم القديم. والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية ليست من أتباع التقويم القديم. والقانون 15 من المجمع الأوّل-الثاني ليس بالطبع «وثيقة من وثائق التقويم القديم». الخلط تكتيك سياسي لا حجّة لاهوتية. وبالطبع، يكاد أتباع التقويم القديم لا يفعلون شيئًا سوى مساعدة المسكونيّين في نشاطاتهم، إذ يسهل إقصاء كلّ من يعبّر عن قلق بوصفه شخصًا مخدوعًا مصابًا بداء «الاستقامة المفرطة»، كما يعلّم الأب سيرافيم روز. يزعم كثير من أتباع التقويم القديم أنّ القانون 15 من المجمع الأوّل-الثاني (الذي يسمح للمؤمنين بوقف الشركة مع أسقف يكرز بالهرطقة علنًا، دون عقوبة قانونية؛ انظر الجزء السادس) يجعل الأساقفة الهراطقة «معزولين تلقائيًّا» قبل أيّ قرار مجمعي، وأنّ هؤلاء الأساقفة «لم يعودوا أساقفة» دون أيّ عمل مجمعي. يستشهدون بالمبدأ الآبائي أنّ الهرطقة «تدين ذاتها بذاتها» (تيطس 10:3-11). يوافق هذا الكتاب على أنّ الهرطقة تدين ذاتها (انظر الفصل 25: في البدعة والمجامع والإيمان الصحيح للمعالجة الكاملة، بما فيها المجمع المسكوني الخامس والمطوّب ثيوفيلاكتوس). السؤال ليس هل أدان الهرطوقي نفسه، بل ما الذي يترتّب على تلك الإدانة. تفسير أتباع التقويم القديم بأنّ الإدانة الذاتية تعني العزل التلقائي هو تفسير اعتباطي وذاتي. الفعل التشخيصي ليس سلطة قضائية لم يُدخل المجمع الأوّل-الثاني شيئًا جديدًا أو مجهولًا في حياة الكنيسة، فضلًا عن أن يدّعي تجاوز النظام القانوني الذي أرسته المجامع المسكونية. حدّد المجمع المسكوني السابع العزل والحرم كعقوبتين للهراطقة، يفرضهما مجامع من أساقفة أحياء متصدّرين. مجمع محلّي عام 861 لم يدّعِ ولم يكن يستطيع أن يدّعي سلطة فوق مسكونية لتجاوز ذلك. التمييز هو بين الفعل التشخيصي والفعل القضائي (انظر الفصل 25: في البدعة والمجامع والإيمان الصحيح للمعالجة القانونية الكاملة، بما فيها لغة «الأساقفة الزائفين» في القانون 15 والإطار التشخيصي/القضائي المؤسّس في الدفّة). حين يوقف المؤمنون ذكر أسقفهم، فهم لا يدّعون أنّه معزول رسميًّا. هم ببساطة يشخّصون الهرطقة ويمارسون حقّهم العريق في وقف الشركة، وهو حقّ لا يستتبع عقوبات بل يستجلب الإكرام. أمّا حين يدّعي أتباع التقويم القديم أنّ أساقفة الأرثوذكسية العالمية «مجرّدون من النعمة تلقائيًّا» ومعزولون دون محاكمة مجمعية، فإنّهم يدّعون سلطة قضائية لا يملكونها. يأخذ هذا الكتاب الشركة مع الهرطقة على محمل الجدّ (الفصل 26: لماذا تستوجب الشركة مع الهرطقة الانفصال) لكنّه لا يتبنّى النتيجة التي يصل إليها أتباع التقويم القديم المنشقّون. كما أُسّس في الفصول السابقة، الإجماع الآبائي هو أنّ الشركة مع الهراطقة هي في ذاتها سقوط يستوجب التوبة؛ وتعاليم البطريرك كيريل الموثّقة وأفعاله تستوفي المعايير الآبائية لوقف الذكر بموجب القانون 15 والتقليد القانوني الأوسع. غير أنّ ما إذا كان معزولًا رسميًّا هو سؤال قضائي يستلزم قرارًا مجمعيًّا. ما يستطيع المؤمنون فعله، وما يأمر به القدّيسون، هو الانفصال عن الهرطقة الظاهرة حين تُكرز علنًا. التشخيص حقّنا نحن. الحكم القضائي النهائي يعود للمجامع المقبلة. قراءة ما ليس في القدّيسين جمع المدافعون عن أتباع التقويم القديم وثائق آبائية مستفيضة عن الانفصال عن الهرطقة، متتبّعين النمط من عصر الرسل إلى القرن العشرين. الأدلّة التي يقدّمونها متينة جدًّا، لكنّهم لا يختلفون كثيرًا عن الدكتورة المسكونية فاسّا لارين، في أنّهم يصلون إلى النتيجة الخاطئة، وهي الانشقاق. القدّيسون أنفسهم المُكرَّمون بسبب العصيان المبارك (الفصل 33: العصيان المبارك أم الطاعة الشرّيرة؟) يبرهنون أيضًا أنّ وقف الذكر لم يعنِ قطّ الانفصال الدائم كما يفترض أتباع التقويم القديم. وفي كلّ مثال يستشهد به أتباع التقويم القديم، فعل القدّيسون عكس ما يفعله أتباع التقويم القديم. لنتفحّص بعض براهينهم هم أنفسهم الآن. القدّيس أثناسيوس الكبير قطع الشركة مع الآريوسيّين. نُفي خمس مرّات. صلّى في البرّية. لكنّه لم يعلن قطّ أنّ الكنائس التي يسيطر عليها الآريوسيّون «مجرّدة من النعمة». لم يُقم قطّ بطريركية موازية دائمة. لم يُعد معمودية أيّ شخص نال الأسرار تحت أساقفة آريوسيّين. لم يشعر بحاجة إلى سيامة أساقفة أرثوذكسيّين في مناطق يوجد فيها أسقف آريوسي. ربّما دعم أثناسيوس مجموعة بولينوس غير القانونية التي أنشأها لوسيفر أسقف كالياري، لكنّه بنفسه لم يتّبع مثال لوسيفر بإقامة أساقفة جدد في مناطق يوجد فيها آريوسي. القدّيس غريغوريوس اللاهوتي أقام كنيسة منزلية في القسطنطينية، الأناستاسيس، لأنّ الكنيسة الإمبراطورية كانت في أيدي الهراطقة لأكثر من أربعين عامًا. لكنّه لم يعلن قطّ أنّ الكنيسة الإمبراطورية مجرّدة من النعمة. نُصّب رئيس أساقفة القسطنطينية على يد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل عام 380 وترأّس افتتاح المجمع المسكوني الثاني عام 381. وحين طُعن في تعيينه، استقال بدلًا من أن يسبّب انقسامًا. الإيمان النيقاوي الذي دافع عنه من كنيسة منزلية ثبّته المجمع ذاته الذي تنحّى عنه. القدّيس مكسيموس المعترف قطع الشركة مع البطريركيات الخمس جميعها حين سقطت في بدعة المشيئة الواحدة (الهرطقة القائلة بأنّ للمسيح مشيئة واحدة فقط، المدانة في المجمع المسكوني السادس عام 681). لكنّه لم يُقم قطّ تسلسلًا هرميًّا موازيًا. لم يعلن قطّ أنّ البطريركيات القائمة مجرّدة من النعمة. خضع للتعذيب والاستشهاد بدلًا من أن يتناول مع الهرطقة، لكنّه لم يكرز قطّ بالحاجة إلى إقامة بطريركيات موازية. القدّيس مرقس الأفسسي رفض التوقيع على اتّحاد فلورنسا. لكنّه لم يترك قطّ بطريركية القسطنطينية. لم يُقم كنيسة موازية. بقي متروبوليتًا في الكنيسة القانونية حتّى وفاته. اليوحنّاويّون رفضوا الشركة مع الأساقفة الذين حلّوا محلّ القدّيس يوحنّا الذهبي الفم بعد عزله الظالم. تحمّلوا أربعًا وثلاثين سنة من الاضطهاد. لكنّهم لم يشكّلوا قطّ ولاية قضائية موازية دائمة، بل أعداؤهم هم من أقاموا تسلسلات هرمية موازية. لم يعلنوا قطّ أنّ كنيسة القسطنطينية مجرّدة من النعمة. القدّيس يوحنّا الدمشقي قاوم تحطيم الأيقونات من دير مار سابا في بطريركية أورشليم. لكنّه لم يعلن قطّ أنّ الكنائس التي يسيطر عليها محطّمو الأيقونات مجرّدة من النعمة. ولم يكرز قطّ بالحاجة إلى إقامة ولاية قضائية أرثوذكسية موازية بدلًا من كنيسة القسطنطينية محطّمة الأيقونات. في ولا واحدة من هذه الحالات، ولا في حالة واحدة، فعل القدّيسون ما يفعله أتباع التقويم القديم. لم يعلن أيّ منهم أنّ كنائس أخرى «مجرّدة من النعمة». لم يُقم أيّ منهم تسلسلات هرمية موازية دائمة مدّعيًا أنّه «الكنيسة الحقيقية». لم يُعد أيّ منهم معمودية أحد. لم يعلن أيّ منهم أنّ الأسرار المقامة تحت أساقفة هراطقة باطلة تلقائيًّا. لم يدّعِ أيّ منهم سلطة قضائية لعزل الأساقفة دون عمل مجمعي. لم يشكّك أيّ منهم في قداسة قدّيسين أعلنتهم الكنيسة القانونية، كما يفعل أتباع التقويم القديم عادةً وبوقاحة. وهكذا يقرأ أتباع التقويم القديم في القدّيسين ما ليس فيهم. يوثّقون الفعل التشخيصي (وقف الشركة) ثمّ ينفخونه ليصبح ادّعاءات قضائية (فقدان النعمة، العزل التلقائي، الصلاحية الكنسية الحصرية) لم يطرحها القدّيسون أنفسهم قطّ. الأدلّة ذاتها التي يجمعونها لصالح وقف الذكر هي في الوقت ذاته أدلّة ضدّ موقفهم هم، لأنّ كلّ قدّيس أوقف الذكر فعل بالضبط ما يدعو إليه هذا الكتاب، ولا شيء أكثر. في كلّ حالة، أُثبت صواب القدّيسين داخل البنية القانونية لا خارجها. كان الانفصال مؤقّتًا وتشخيصيًّا وموجّهًا نحو استعادة الإيمان القويم داخل الكنيسة القائمة. ولم يكن أبدًا أساسًا لمؤسّسة بديلة دائمة تدّعي النعمة الحصرية. حتّى حين يجمع المدافعون عن أتباع التقويم القديم قوائم صريحة بـ«التسلسلات الهرمية الموازية» من تاريخ الكنيسة، يروي كلّ مثال القصّة ذاتها: إيفاغريوس، اليوحنّاويّون، الانقسام الأرسانيّ-اليوسفيّ، السيامات الطارئة أثناء الاضطهاد الآريوسي. كلّها كانت مؤقّتة. كلّها حُلّت بإعادة الاندماج في البنية القانونية. ولم يصبح أيّ منها مؤسّسة منافسة دائمة. أقوى مثال حديث لديهم يدحضهم بأقوى شكل ممكن. إعلان سربوخوف (1927) الصادر عن كنيسة السراديب الروسية، الذي قطع فيه الإكليروس الشركة مع المتروبوليت سرجيوس، ينصّ صراحةً: «نحن لا ننفصل عن نائب الرئاسة الشرعي المتروبوليت بطرس» و«سنسلّم أنفسنا لحكم مجمع مقبل». مسيحيّو السراديب لم يدّعوا أنّهم كنيسة موازية دائمة. انفصلوا مؤقّتًا عن المتروبوليت سرجيوس بينما أخضعوا أنفسهم لحكم مجمع مقبل. أتباع التقويم القديم المنشقّون في زمننا عاجزون عن هذا التواضع. كيف تسبّبت الأرثوذكسية القانونية بتشكيكهم بعد أن سمّينا خطأ أتباع التقويم القديم المنشقّين الجسيم، يجب أيضًا أن نسأل: كم من أتباع التقويم القديم شُكّكوا فدُفعوا إلى الانشقاق بسبب مَن هم داخل الكنيسة الأرثوذكسية القانونية نفسها؟ كم من هؤلاء الذين صاروا اليوم أتباع التقويم القديم شاهدوا رؤساءهم القانونيّين يحتضنون بطاركة مغايرين للإيمان، ويصلّون مع الهراطقة، ويوقّعون إعلانات ملتبسة، ولم يسمعوا شيئًا ضدّ ذلك؟ لا صرخة من المؤمنين. لا مقاومة من الإكليروس. تفسيرات فحسب. تبريرات. إقصاءات متعالية. «البطريرك يعرف ما يفعل.» «الأمر معقّد.» «لا ينبغي لنا أن ندين.» «لا تكن متطرّفًا.» شاهدوا أرثوذكسيّين قانونيّين يدّعون الغيرة على الإيمان يتعاملون مع كلّ تنازل بهزّة كتف، ومع كلّ اعتراض من جانبهم كتطرّف. وهكذا شُكّك أتباع التقويم القديم هؤلاء. ومع ذلك، لا يفهم كثيرون حتّى في الكنيسة القانونية أنّ التشكيك بالآخرين خطيئة جسيمة سيُحاسبون عليها أمام الله في الدينونة الأخيرة. والأهمّ أنّ كثيرين لا يفهمون ما يعنيه مصطلح «العثرة» في المعنى الآبائي الحقيقي. في العثرة يكرّس القدّيس نيقوديموس الآثوسي خطابًا كاملًا في كتابه الأخلاق المسيحية لخطيئة العثرة. يعرّفها، تبعًا للقدّيس باسيليوس الكبير: كلّ ما يقود المرء إلى الارتداد عن التقوى الحقيقية، أو يخلق إغراءً بالضلال، أو يُغذّي الكفر، أو بصورة عامّة كلّ ما يمنعنا من طاعة وصيّة الله حتّى الموت ذاته. — القدّيس باسيليوس الكبير، الخطاب الثاني في المعمودية، نقلًا عن القدّيس نيقوديموس الآثوسي، الأخلاق المسيحية (Christian Morality) الكلمة اليونانية σκάνδαλον، التي اشتُقّ منها مصطلح «العثرة»، تعني حرفيًّا حجر عثرة يُوضع في طريق أحدهم. يطوّر القدّيس نيقوديموس هذه الصورة إلى تشبيه ملموس: كلّما ارتفعت رتبة مرتكب الخطيئة، كبر الحجر في الطريق، حتّى أنّه في رتبة البطريرك يصبح جبلًا يسدّ الطريق كلّيًّا: خطيئة الزنا ذاتها، إن ارتُكبت علنًا من شخص عادي وفرد خاصّ، هي عثرة صغيرة؛ وإن ارتُكبت من راهب فهي عثرة عظيمة؛ وإن ارتُكبت من شمّاس فهي عثرة أعظم؛ وإن ارتُكبت من كاهن أو أب روحي أو رئيس دير فهي عثرة أشدّ عظمة؛ وإن ارتُكبت من أسقف فهي عثرة عظيمة جدًّا؛ وإن ارتُكبت من بطريرك فهي أعظم العثرات جميعًا. العثرة التي يسبّبها شخص عادي كحصاة أو حجر صغير يوجد في وسط الطريق، ويتعثّر به كثيرون؛ والعثرة التي يسبّبها راهب كصخرة كبيرة يتعثّر بها كثيرون؛ والعثرة التي يسبّبها شمّاس كصخرة أكبر؛ والعثرة التي يسبّبها كاهن كصخرة أكبر من ذلك. والعثرة التي يسبّبها أسقف كحجر ضخم يتعثّر به الجميع، إكليروس وعلمانيّون، رجال ونساء، أشخاص بسطاء وأشخاص مهمّون، فإمّا أن يُسحقوا تحت هذه العقبة أو يقلّدوا هم أنفسهم الخطيئة ذاتها؛ أو على الأقلّ تفتر قلوبهم ويُصدّون عن طريق الفضيلة. أمّا العثرة التي يسبّبها بطريرك فتشبه جبلًا يسدّ طريق الفضيلة كلّيًّا ولا يسمح لأحد بالعبور. وكلّما عظمت العثرة، عظمت بالتبعية العقوبة التي سينالها مسبّبوها. — القدّيس نيقوديموس الآثوسي، الأخلاق المسيحية (Christian Morality)، الخطاب العاشر المقصود الذي يبيّنه القدّيس نيقوديموس هو أنّ الرؤساء والبطاركة قادرون تمامًا على الأخطاء، وبسبب هيبة رتبتهم ودورهم، حين يرتكبون هذه الأخطاء، يتعثّر الجميع: الإكليروس والعلمانيّون، الرجال والنساء، المهمّون والبسطاء. عثرة البطريرك ليست حجر عثرة. إنّها جبل يسدّ طريق الفضيلة كلّيًّا. لا يستطيع أحد أن يمرّ. بدلًا من أن يقتدوا بالقدّيسين، كما هو مدعوّ كلّ مسيحي أرثوذكسي (انظر الفصل 27: «لست قدّيسًا»)، يقتدي المؤمنون بهؤلاء الرؤساء في خطيئتهم. أو في أفضل الأحوال يتبنّون فتورهم ولامبالاتهم، وهذا بالضبط ما حصل فيما يخصّ البطريرك كيريل. بعضهم يُسحق: يُشكَّك حتّى الانشقاق، أو التقويم القديم، أو ترك الكنيسة كلّيًّا. وآخرون يقلّدون الخطيئة: الرؤساء الذين يرون مسكونية كيريل تمرّ دون عقاب يتعلّمون أنّ المسكونية لا ثمن لها. والبقيّة يفترون: يسمعون عن إعلان هافانا ومرسوم «الحرب المقدّسة» والكهنة المجرّدين من الكهنوت، فيهزّون أكتافهم. «الأمر معقّد.» «لا ينبغي أن ندين.» وتبرد قلوبهم. هذا تعليم جامع الدفّة والفيلوكاليا، مطبَّقًا على المنصب ذاته الذي يشغله البطريرك كيريل. يحذّر القدّيس نيقوديموس من أنّ من تسبّب بكلّ هذا سيُحاسب على كلّ واحد منهم. علاوة على ذلك، يُدان المُشكِّكون «إدانة مزدوجة»: على الخطيئة ذاتها وعلى العثرة التي تسبّبها، حتّى لو لم يتشكّك بها أحد فعليًّا. يعلّم القدّيس باسيليوس أنّ «من فعلها أو قالها مسؤول عن تهمة الخطيئة ذاتها والعثرة الناجمة عنها، حتّى لو لم يُدركها من وقعت عليه العثرة». من شكّكهم؟ حين يتساهل الرؤساء مع المسكونية، وحين يصلّون مع الهراطقة ويوقّعون إعلانات ملتبسة، وحين يصمت المؤمنون ويستخفّون بالأمر، تشكّك لامبالاتهم الأرثوذكسيّين الغيورين وتدفعهم إلى الانضمام إلى انشقاقات التقويم القديم. ماذا يقول القدّيس نيقوديموس؟ سيُحاسبون بحسب رتبتهم. في كثير من الأحيان، لا يفهم كثيرون في كنائسنا القانونية أنّ الله سيحاسبهم على من تركوا الكنيسة الأرثوذكسية القانونية بسبب فتورهم ولامبالاتهم تجاه الهرطقة، وهي لامبالاة لم يعرفها قدّيسونا بأيّ شكل. وماذا تسمّي الأرثوذكسية القانونية أتباع التقويم القديم حين يعترضون بصوت عالٍ؟ مخدوعون. منشقّون. متعصّبون. متطرّفون. هذه الألقاب ذاتها يطلقها البروتستانت والبابويّون على الأرثوذكسيّين للأسباب عينها. نعترض على ذلك من المغايرين للإيمان، لكنّنا فورًا نعامل أرثوذكسيّين آخرين بالطريقة التي لا نريد أن نُعامَل بها. أتباع التقويم القديم يخطئون. لقد تركوا الكنيسة. لكن أين تواضعنا؟ نحن الذين نصلّي قبل كلّ مناولة أنّنا «أوّل الخطأة»، أين هذا الاقتناع حين يتعلّق الأمر بمن أبعدناهم؟ لا نجد عيبًا في أنفسنا. نلوم أتباع التقويم القديم لأنّهم غادروا، لكنّنا لا نسأل أبدًا: هل صمتنا وجبننا وتساهلنا الفاتر مع الهرطقة هو ما شكّكهم وأخرجهم أصلًا؟ أليس علينا نحن في الكنيسة الأرثوذكسية القانونية أن نتحمّل اللوم الأكبر؟ أم سنرفض حتّى ذلك؟ يشرح القدّيس بايسيوس الآثوسي الآلية التي تُشكِّك أتباع التقويم القديم: لسوء الحظّ، أثّرت العقلانية الغربية حتّى في قادة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية؛ ولذلك هم حاضرون جسديًّا فقط في كنيسة المسيح الأرثوذكسية الشرقية، بينما كيانهم بأسره في الغرب الذي يرونه يحكم بأسلوب علماني. لو أنّهم رأوا الغرب روحيًّا من خلال نور الشرق، نور المسيح، لرأوا الشفق الروحي للغرب الذي يفقد تدريجيًّا نور الشمس العقلية، المسيح، ويتّجه نحو أعماق الظلام. يلتقون ويعقدون جلسات يتداولون فيها إلى ما لا نهاية في أمور لا مجال لمناقشتها، أمور لم يناقشها حتّى الآباء القدّيسون على مدى ألفي عام. كلّ هذه الأنشطة من وحي الماكر، إبليس، ولا تخدم إلّا في إرباك المؤمنين وتشكيكهم، ودفعهم بعضهم إلى الهرطقة وآخرين إلى الانشقاقات، وهكذا يكسب إبليس أرضًا. — القدّيس بايسيوس الآثوسي، رسالة عن المسكونية، في الأب الراهب إسحق، القدّيس بايسيوس الآثوسي (Saint Paisios the Athonite)، ص. 428 الآن، بعد أن فهمنا تعريف العثرة فهمًا صحيحًا، نستطيع أن نفهم كلمة القدّيس بايسيوس، القدّيس ذاته الذي يبجّله كثيرون منّا. يقول القدّيس بايسيوس إنّ أفعال المسكونيّين هي بالذات ما يشكّك المؤمنين ويدفعهم إلى الانشقاق. ونرى أنّ هذا هو الواقع، مع كثير من الأشخاص الغيورين الذين يرون هذه الحرب التي لا مبرّر لها، والذين يرون كمّ الناس المستعدّين لبذل كلّ جهد لتبرير البطريرك كيريل بينما يدينون الآخرين وينتقدونهم بحرّية. نرى أنّ قلوب كثيرين في الكنيسة القانونية قاسية كالصخر. لا أحد يرحم أتباع التقويم القديم. لا أحد يرى نفسه ملومًا. لا أحد يعترف بأنّ كفر الإكليروس والبطاركة يدفع بعض هذه العقول المشرقة والغيورة إلى الانشقاق. وبالتأكيد الرؤساء هم المسؤولون الأكبر عن نشاطاتهم المسكونية، لكنّ المؤمنين أيضًا يتحمّلون مسؤولية، بسبب لامبالاتهم الواضحة وأنانيّتهم. حين سُئل عن مسيحيّين فرّوا إلى كنيسة منشقّة بسبب سلوك أسقفهم، أجاب القدّيس بايسيوس: إذا أردت مساعدة الناس، لا ينبغي أن تستخفّ بما يفعله أسقفك. — القدّيس بايسيوس الآثوسي، في الأب الراهب إسحق، الشيخ بايسيوس الآثوسي (Elder Paisios of Mount Athos)، ص. 665 شاهد أتباع التقويم القديم رؤساءهم يحتضنون بطاركة مغايرين للإيمان ويوقّعون إعلانات ملتبسة بينما استخفّ الأرثوذكسيّون القانونيّون بالأمر، عاصين كلمات القدّيس بايسيوس، وهم يقدّمون تفسيرات وتبريرات فاترة، بينما يُسقطون من تشكّكوا. رأى أتباع التقويم القديم أنّ القوانين لا تُستخدم إلّا ضدّهم هم، لا ضدّ الرؤساء. وأنّ «الطاعة» تُطلب منهم إلى أسفل لكنّها لا تُطلب إلى أعلى. كلّ أسقف أرثوذكسي، في رسامته، يَعِد بصورة مهيبة أمام الله بالتزام قوانين الرسل القدّيسين والمجامع المسكونية السبعة والمجامع المحلّية. شاهد أتباع التقويم القديم هؤلاء الأساقفة أنفسهم ينقضون ذلك الوعد ثمّ يعاقبون كلّ من يذكّرهم به. ثمّ استنتجوا (خطأً لكن بشكل مفهوم) أنّ الكنيسة القانونية قد تخلّت عن الإيمان كلّيًّا. لماذا لا يقف أحد لو أنّ بطريركًا، أو حتّى بضعة أساقفة، قاموا ببساطة وقاوموا، كم من هؤلاء المنشقّين كان سيجد الشجاعة للعودة ورؤية خطأ سبيله؟ لو رأوا أنّ المسكونية تُحارَب من الداخل، وأنّ هذه الحرب الظالمة تُقاوَم، وأنّ وقف الذكر ممكن دون مغادرة الكنيسة، وأنّ التقليد القانوني يعمل فعلًا، أما كان لدى المنشقّين سبب لإعادة النظر؟ الأب ثيودوروس زيسيس تقاعد الأب ثيودوروس زيسيس أستاذًا لعلم الآباء في جامعة أرسطو في سالونيكي، حيث يحمل لقب أستاذ فخري دائم، وهو مؤلّف أكثر من خمسة وأربعين عملًا رئيسيًّا في اللاهوت الآبائي. يصفه الموقع الرسمي للكنيسة الأرثوذكسية الصربية بأنّه «عملاق آبائي في اليونان» و«أحد أهمّ العلماء الآبائيّين اليونانيّين المعاصرين». متأمّلًا في أزمة المشيئة الواحدة، يلاحظ زيسيس أنّه حين سقط الإمبراطور في الهرطقة، «سقط معه قسم كبير من الكنيسة، وتحوّلت نسبة كبيرة من الشعب إلى الهرطقة». في النهاية، لم يبقَ سوى بطريرك واحد أمينًا: القدّيس صفرونيوس الأورشليمي. وماذا حدث؟ التفّ حوله الكهنوت بأسره والشعب الأرثوذكسي. — رئيس الكهنة ثيودوروس زيسيس، العصيان المبارك أم الطاعة الشرّيرة؟ (Blessed Disobedience or Evil Obedience?)، دار نشر باليمبسيستون، 2006 بطريرك واحد. كان ذلك كافيًا. تجمّع المؤمنون. ونجت الأرثوذكسية. يضيف رئيس الكهنة ثيودوروس زيسيس صلاته الخاصّة: ليمنح الله أن يُظهر الربّ للعالم في أيّامنا بطريركًا واحدًا على الأقلّ أو أسقفين أو ثلاثة، طاهرين من عار المسكونية، لكي يتّحد حولهم «الكهنوت والشعب الأرثوذكسي». — رئيس الكهنة ثيودوروس زيسيس، العصيان المبارك أم الطاعة الشرّيرة؟ (Blessed Disobedience or Evil Obedience?)، دار نشر باليمبسيستون، 2006 لاحظ ما تعترف به هذه الصلاة. رئيس القساوسة ثيودوروس زيسيس مضطرّ أن يصلّي طالبًا «بطريركًا واحدًا على الأقلّ أو أسقفين أو ثلاثة» لأنّه، كما هو الحال، لا يوجد أحد. لو وُجد هؤلاء الرؤساء وكانوا يقاتلون، لما احتاج أن يصلّي من أجلهم. وهكذا ينظر أتباع التقويم القديم بحقّ إلى الأرثوذكسية القانونية ويرون بالضبط ما يراه الأب ثيودوروس زيسيس: لا أحد يقف. لا قدّيس صفرونيوس، ولا أحد ليلتفّوا حوله. لا أحد مستعدّ للاعتراف بأنّه رغم خطأ المنشقّين، فإنّ مخاوفهم بشأن المسكونية في الكنيسة مشروعة. في عام 2017، قام رئيس الكهنة ثيودوروس زيسيس نفسه أخيرًا. أوقف ذكر متروبوليته بسبب الإعلانات المسكونية لمجمع كريت (المجمع القدّوس والكبير عام 2016 المنعقد في كريت، بحضور عشر كنائس مستقلّة ذاتيًّا، والذي لا تزال تصريحاته المسكونية محلّ خلاف؛ انظر الفصل 3: المعيار الانتقائي: هافانا مقابل كريت)، مستندًا إلى القانون 15 ذاته من المجمع الأوّل-الثاني (861)، القانون نفسه المستشهَد به في هذا الكتاب مرارًا. فعُلِّق الأب ثيودوروس زيسيس عن واجباته الكهنوتية ومُنع من المناولة في اليوم التالي مباشرة. أحد أكثر علماء الآباء احترامًا في اليونان استند إلى التقليد القانوني، فعوقب فورًا. لهذا لا يقف أحد. وهذا ما يراه أتباع التقويم القديم. نكرّر: ردّ أتباع التقويم القديم خاطئ. الانشقاق لا يُبرَّر أبدًا. إقامة مجامع وولايات قضائية موازية خطأ. استخدام القدّيسين لتبرير شيء لم يفعلوه هم أنفسهم بأفعالهم خطأ. لكنّ إدراكهم للفتور دقيق. وبالتالي تلك الدقّة هي إدانة للأرثوذكسية القانونية. وسيستمرّ أتباع التقويم القديم لسوء الحظّ في مهاجمة الكنيسة القانونية وتجنيد المؤمنين الغيورين على الإيمان، حتّى يقرّر أحد أخيرًا أن يتكلّم. كما يقول ثيودوروس زيسيس، يكفي لذلك بطريرك واحد وبضعة أساقفة طاهرين من عار المسكونية. الشيخ يوحنّا كرستيانكين: «لا يستطيع الكاهن أن يفكّر في خلاصه فقط» أبلغ شهادة في هذه النقطة تأتي من داخل بطريركية موسكو ذاتها. الشيخ يوحنّا كرستيانكين من دير كهوف بسكوف (1910-2006)، الذي نجا خمس سنوات من معسكرات الغولاغ وكان من أحبّ الآباء الروحيّين في الكنيسة الروسية المتأخّرة السوفيتية وما بعد السوفيتية، لم يكن مؤيّدًا لوقف الذكر. دافع عن بطريركية موسكو ضدّ كلّ من كنيسة السراديب وأبرشيات كنيسة المهجر الروسية، كما هو موثّق في الفصل 31: دفاعًا عن قدّيسي بطريركية موسكو. لكنّه في رسالة إلى كاهن كان يفكّر في الانسحاب من العمل الرعوي لمتابعة خلاصه الشخصي في العزلة، صاغ كرستيانكين الواجب الإيجابي الذي نسيه الإكليروس الصامت في كلّ مكان: بدأت الحرب ضدّ الكنيسة والأرثوذكسية منذ لحظة نشأتهما وستستمرّ حتّى آخر يوم من حياة العالم الأرضية. جميع أبناء الكنيسة المؤمنين، من العلماني إلى الكاهن إلى الأسقف، يشاركون في هذا الجهاد من أجل نقاوة الأرثوذكسية، لكنّ كلًّا منهم يجاهد في مكانه وبطريقته... هنا، يا عزيزي الأب أ.، اتّخذ قرارك! نحن مدينون لمن ثبتوا وحفظوا الأرثوذكسية بالعمل الشاقّ والتعذيب ووجع القلب. فلولا جهادهم لما كنتَ كاهنًا. ونحن مدينون أيضًا لمن أُجبروا على التنحّي رغمًا عنهم؛ فدماؤهم عزّزت من خدموا. يا عزيزي، لا نستطيع أن نهرب من الجهاد. لا يستطيع الكاهن أن يفكّر في خلاصه الشخصي فقط. هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله (عب 13:2). إذا أرسلك الربّ إلى العزلة للنسك، فعليك أن تذهب، لكنّ إرادتك الذاتية قد تحوّل عزلتك إلى كارثة عليك. ألن نكون مسؤولين أمام الربّ إذا ابتعدنا وتركنا الأرثوذكسية تُنهب من خصومها؟ لسنا مضطرّين بالضرورة إلى الدخول في قتال مكشوف، لكنّنا ملزمون بالوقوف دفاعًا عن الحقّ. — الشيخ يوحنّا كرستيانكين، ليعطيك الله حكمة! رسائل الأب يوحنّا كرستيانكين (May God Give You Wisdom! The Letters of Fr. John Krestiankin) (Wildwood هذا أقرب ما يكون إلى إدانة آبائية لصمت الإكليروس تركها لنا أيّ شيخ روسي معاصر. الإكليروس الذين يصمتون بينما يبارك بطريركهم الصواريخ ويبجّل سرجيوس ويتناول مع روما ليسوا، بمعيار كرستيانكين، يعتنون بخلاصهم بهدوء. إنّهم يتركون الأرثوذكسية «تُنهب من خصومها»، وسيكونون «مسؤولين أمام الربّ» عن ذلك. لا يطلب الشيخ يوحنّا كرستيانكين من الكهنة ترك أبرشيّاتهم. ولا يطلب منهم «الدخول في قتال مكشوف». يطلب منهم فقط «الوقوف دفاعًا عن الحقّ». في مكان آخر من المراسلات ذاتها يجعل المبدأ مطلقًا. حين أُخبر عن كاهن يجري معموديات بعد الوفاة، أوصى كرستيانكين مراسله: «أبلغ أسقفك الحاكم فورًا وبالتأكيد عن هذا. والباقي متروك له. يجب ألّا تصمت تحت أيّ ظرف.» الصمت أمام ممارسة غير أرثوذكسية، كما علّم، ليس خيارًا أبدًا. واجب الإكليروس والعلمانيّين على حدّ سواء أن يتصرّفوا. من يستشهدون بولاء كرستيانكين المؤسّسي لتبرير عدم فعل شيء بشأن البطريرك كيريل قرأوا جانبًا واحدًا منه وتجاهلوا الآخر. النموذج الآبائي: وقف الذكر دون انشقاق أوقف القدّيس بايسيوس ذكر البطريرك أثيناغوراس بسبب نشاطاته المسكونية. وبحلول عام 1971 كانت غالبية أديرة جبل آثوس قد فعلت الشيء ذاته. ما لم يفعلوه: مغادرة الكنيسة. أوقفوا الذكر وبقوا في أديرتهم وانتظروا. هذا هو النموذج القانوني. عن أتباع التقويم القديم أنفسهم، كان القدّيس بايسيوس صريحًا: نحن متّحدون مع الكنيسة، مع جميع البطريركيات، ومن خلالها مع الرسل ومع المسيح. أمّا هؤلاء المساكين [أتباع التقويم القديم] فمقطوعون. — القدّيس بايسيوس الآثوسي، في الأب الراهب إسحق، الشيخ بايسيوس الآثوسي (Elder Paisios of Mount Athos)، ص. 410 لاحظ أنّ القدّيس بايسيوس الآثوسي لا يُظهر كراهية تجاه أتباع التقويم القديم كما يفعل كثيرون في الكنيسة القانونية. إنّه يشفق عليهم، واصفًا إيّاهم بالمساكين. أتباع التقويم القديم القلائل الموجودون انقسموا إلى لا أعرف كم مجموعة. كلّ ما يفعلونه هو الانقسام إلى مجموعات أصغر وحرم بعضهم البعض. — القدّيس بايسيوس الآثوسي، في الأب الراهب إسحق، الشيخ بايسيوس الآثوسي (Elder Paisios of Mount Athos)، ص. 410 الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس (1884-1980)، أحد أكثر الشيوخ اليونانيّين تبجيلًا في القرن العشرين، شهد خلاف التقويم مباشرةً. عارض تغيير التقويم. وحارب المسكونية طوال حياته. كان يبدو، للجاهل بالأمر، حليفًا طبيعيًّا لأتباع التقويم القديم. حكمه كان العكس: المتعصّبون الغيورون والغيورون المفرطون من أتباع التقويم القديم، عبّاد التقويم القديم، يعتقدون ويقولون إنّ أسرار التقويم الجديد باطلة وأنّ الروح القدس لا يحلّ لأنّ التقويم القديم غائب. لا يوجد خداع وكفر وجنون أعظم من هذا... لقد سقط أتباع التقويم القديم في ضلالات عظيمة كثيرة من أجل الحفاظ على التقويم القديم، ضلالات أكبر وأسوأ من ضلالات أتباع التقويم الجديد. — الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس، الرسالة 8، 23 أيلول 1975، في نصائح أبوية (Paternal Counsels)، المجلّد الثاني، ترجمة الأب نيقولاوس باليس؛ John Sanidopoulos «ضلالات أكبر وأسوأ من ضلالات أتباع التقويم الجديد.» شيخ حارب المسكونية طوال حياته حكم أنّ حلّ أتباع التقويم القديم أسوأ من داء المسكونية. الأب ديميتريوس غاغاستاثيس من بلاتانوس، ثيساليا (1902-1975)، «بابا ديميتري» الحبيب، كان مراسل الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس الروحي المباشر في هذه المسألة بالذات. كاهن أبرشي متزوّج له تسع بنات، خدم كنيسة اليونان متواصلًا لاثنتين وأربعين سنة تحت التقويم الجديد. رفض لقاء «شخصيّات الكنائس الأجنبية» الزائرين وتساءل علنًا ماذا يمكن أن يؤمن الإكليروس الذين «يتعاونون مع البابا والهراطقة» (معالَج بالتفصيل في الفصل 1: الاعتراف بالبابا). لكنّ موقفه من مسألة التقويم كان واضحًا بالقدر ذاته: كيف يقول أتباع التقويم القديم إنّ أسرارنا باطلة؟ في عام 1947، بينما كنت أخدم خدمة تقديس المياه، وأنا أرتّل «عظيم أنت يا ربّ وعجيبة هي أعمالك»، تصاعد بخار دخاني من الوعاء؛ فالماء فيه صار حارًّا. وحتّى في الكؤوس التي يحملها أبناء الرعية الأتقياء صار الماء حارًّا أيضًا. فكيف يقولون إذن إنّ أسرارنا باطلة؟ كيف يصنع الله عجائب وفق التقويم الجديد إن لم يكن صحيحًا؟ وكيف إذن حدثت أعجوبة القدّيس بيساريون في قرية دوسيكون؟ يكفي هذا ليُظهر لنا أنّ الإيمان القويم والمحبّة وحفظ الوصايا تلعب دورًا مهمًّا في تقديس الإنسان. لا شيء آخر يهمّ. كتبتُ إلى الأب فيلوثيوس زرفاكوس فأجابني بصواب في هذا الأمر. وأنا أيضًا، الجاهل، أؤمن من خبرة حياتي أنّ ثلاثة عشر يومًا لا تستطيع أن تُخرجك من ملكوت الله ولا أن تُدخلك إليه. سألتُ أيضًا رؤساء الملائكة عن هذا الأمر فقالوا لي: «ابقَ حيث أنت». — بابا ديميتري غاغاستاثيس، «في مسألة التقويم»، بابا ديميتري: رجل الله (Papa-Dimitri: The Man of God) (Orthodox Witness التمييز الذي تصنعه هذه الشهادة لا لبس فيه. رفض بابا ديميتري التواصل المسكوني إلى حدّ الانصراف عن شخصيّات الكنائس الأجنبية التي جاءت إلى بلدته، وفي الوقت ذاته رفض حلّ أتباع التقويم القديم. بقي في كنيسة اليونان القانونية ذات التقويم الجديد، واستشار شيخه، واستمرّ في خدمة القدّاس الإلهي كلّ صباح تحت التقويم ذاته الذي يسمّيه أتباع التقويم القديم مجرّدًا من النعمة. رفض الهرطقة لا يستوجب الانشقاق، وهذا الكاهن الأبرشي المتواضع من بلاتانوس، المبجَّل من زرفاكوس نفسه ومن الشيوخ أمفيلوخيوس ماكريس البطمسي وأفرام الكاتوناكي والأرشمندريت إميليانوس (فافيذيس) من سيمونوس بطرا، هو البرهان الحيّ. المتروبوليت أفغوستينوس كانديوتيس الفلوريني (1907-2010) كان من أشدّ معارضي المسكونية صراحةً في القرن العشرين. أوقف قانونيًّا ذكر البطريرك أثيناغوراس مستندًا إلى القانون 15، مع المتروبوليت أمفروسيوس والمتروبوليت بولس وآباء الجبل المقدّس. فعل ذلك بصفته أسقفًا في كنيسة اليونان. هل انضمّ يومًا إلى أتباع التقويم القديم؟ بالطبع لا. بقي أسقفًا في الكنيسة القانونية طوال أسقفيّته (1967-2000)، مقاومًا المسكونية من الداخل بدلًا من الفرار إلى تسلسل هرمي موازٍ. هذا هو النموذج. لا طريق فاسّا لارين (الفرار إلى «الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا»). ولا طريق أتباع التقويم القديم (إعلان الأرثوذكسية العالمية مجرّدة من النعمة). طريق القدّيس بايسيوس، وأفغوستينوس كانديوتيس، والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية: وقف الذكر بموجب القانون 15، مع البقاء ضمن الإطار القانوني. موقف هذا الكتاب يدعو هذا الكتاب إلى وقف ذكر البطريرك كيريل استنادًا إلى الأدلّة الموثّقة في الأجزاء من الأوّل إلى الثامن والإطار القانوني المؤسّس في الجزء السادس. هذا هو الفعل ذاته الذي اتّخذه القدّيس بايسيوس وأديرة جبل آثوس، والشهداء الجدد الروس الذين رفضوا المتروبوليت سرجيوس، والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية القانونية في أيّار 2022، والمتروبوليت أفغوستينوس كانديوتيس. لا يدعو هذا الكتاب بأيّ شكل من الأشكال إلى الانضمام إلى ولايات قضائية تابعة للتقويم القديم، أو إقامة تسلسلات هرمية موازية، أو إعلان بطريركية موسكو «مجرّدة من النعمة»، أو إعادة معمودية أو ميرون أحد. وقف الذكر هو الاستجابة القانونية للمؤمنين تجاه الهرطقة المكرَّزة علنًا، المكرَّمة بقوانين الكنيسة ذاتها والمشهود لها بقدّيسيها. أمّا الانشقاق فليس كذلك. يعلّم القدّيس يوحنّا الذهبي الفم أنّ إحداث انشقاق في الكنيسة ليس شرًّا أقلّ من السقوط في الهرطقة، وأنّ حتّى دم الشهادة لا يستطيع أن يغسل هذه الخطيئة. النمط لارين وهوفورون وأتباع التقويم القديم جميعهم يستخدمون النقد الصحيح جسرًا إلى الانشقاق. لارين وهوفورون يُخضعان الكنيسة للّيبرالية الأكاديمية الغربية؛ وأتباع التقويم القديم يُخضعونها لتسلسلهم الهرمي الموازي. حيث يتناول كيريل مع المونوفيزيّين، يتناول هؤلاء مع المنشقّين. الأخطاء تختلف في النكهة لا في الجوهر. القدّيسون الذين أوقفوا ذكر بطاركة هراطقة لم يفرّوا إلى هيئات منشقّة. القدّيس بايسيوس أوقف ذكر أثيناغوراس. ولم ينضمّ إلى أتباع التقويم القديم. يجب على الأرثوذكسية القانونية أن تعترف بأنّها خذلت الأشخاص أنفسهم الذين تدينهم الآن. نظر أتباع التقويم القديم إلى الأرثوذكسية القانونية ورأوا ويرون التساهل والمساومة والصمت. كانوا مخطئين في المغادرة. لكنّ القدّيسين يوضحون أنّ الأرثوذكسية القانونية هي التي شكّكتهم ودفعتهم إلى ذلك. إن حقّق هذا الكتاب شيئًا، فليكن هذا: أن ينمّي الرؤساء المؤمنون وعيًا، ويدركوا أنّ المقاومة ممكنة، وأنّ إجماع الآباء يدعمهم. وربّما، إن نهض عدد كافٍ، يرى من هم في الانشقاق أنّ الأرثوذكسية القانونية لا تزال فيها حياة، ويجدون طريقهم إلى الوطن. ليت المنشقّين الذين يتساءلون بحقّ عن أفعال البطريرك كيريل لا يستخدمون نقدهم جسرًا لتبرير انشقاقهم.